عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تقارير وتحقيقات

مهرجـان معهد الفنون الجميلة في دهوك الـ 27 - الفترة: 6 - 9 حزيران 2026.

عاش الوسط الثقافي والفني في مدينة دهوك على مدار اربعة ايام اجواء حماسية ابداعية استثنائية، تزامنا مع انطلاق فعاليات المهرجان السنوي السابع والعشرين لمعهد الفنون الجميلة، والذي احتضنته قاعات وحدائق المعهد المفتوحة تحت شعار بليغ الدلالة: "الخلق - الابتكار - بوجوه الحرية"، ليتحول هذا الحدث الاستثنائي الى منصة حية لتفجير طاقات شبابية واعدة لم تتجاوز عتبة العشرين من عمرها، بل ان بعضهم ما زال في السادسة عشرة، يخطون بثقة اولى خطواتهم الاحترافية نحو تشكيل ملامح المستقبل الفني الكوردي والعالمي، مدفوعين بآلية تنظيمية عالية المستوى اظهرت الاقسام الرئيسية من خلالها قدرة فائقة على مزج الفلكلور الكوردي الاصيل بروح الحداثة والمعاصرة، لتتحول الاقسام الى خلايا نحل موجهة ومحفزة لتلك المواهب اليافعة التي تقاسمت ادوار البطولة بين العلن وخلف الكواليس.

وقد افتتح قسم الموسيقى فعالياته بوصلات موسيقية وغنائية منوعة شكلت وجها حقيقيا للابداع الكوردي المتجدد، حيث تجلت في هذه المحطات قدرات الشباب العالية في مجالات الشعر والتلحين، والاداء الغنائي، والعزف الآلاتي المنوع لتقديم نتاج ابداعي حقيقي يبشر ولادة وجوه فنية قادمة وبقوة الى الساحة الثقافية من خلال مزج الارث النغمي المحلي بالتقنيات اللحنية الحديثة، توازيا مع ما شهده القسم التشكيلي في اروقة العرض وحدائق المعهد من نضج الافكار التي طرحها الطلبة عبر لوحات تشكيلية بابعاد وافكار عالمية تميزت ببراعة فائقة في تحريك الفرشاة واستخدام التقنيات اللونية الجمالية الفائقة، ولم يقتصر الابتكار على الرسم بل رافقه خلق فني لافت في مجال النحت قدم فيه الشباب والشابات مجسمات وتماثيل تنم عن وعي فني حداثي جمالي وفلسفي عميق، مما جعل حدائق وصالات العرض تزدان باعمال تركت الزائرين في حالة من الدهشة والذهول امام هذا العمق الفكري المبكر.

وفي ذات السياق الابداعي، اعلن قسم المسرح بكل ثقة عن بداية ظهور جيل جديد لا يمتلك موهبة الاداء التمثيلي فحسب، بل برزت فيه وجوه شابة وصغيرة من الطالبات والطلاب في مجال الاخراج المسرحي والسينوغرافيا والادارة الفنية؛ حيث انطلق العرض الاول باشراف الاستاذ روژ حكمت واخراج الطالبة ديرين عادل، التي استطاعت اعداد نص الكاتب البولوني سلافومير مروجيك وتحوير فكرته الرمزية والواقعية بذكاء مدهش ليتلاءم مع الواقع المعاش بشكل عام، موظفة الفكرة في قالب واقعي ساخر يقدم نقدا قاسيا للسلطة والعلاقات الانسانية ليوضح كيف يلتهم القوي الضعيف وان البقاء للاقوى في ظروف عبثية باحثة في ثنائية الوجود والحرية، وقد جسد هذا العمل تمثيلا مجموعة من الشباب الواعد وهم سيبان سكفان، وڤان كه كو، وتورين شعبان، واحمد وليد، وبه روز دلخوش، وئامه د غازي مع مجموعة من الكومبارس، وبمصاحبة رؤية موسيقية وضعها انس احمد، وبدعم لوجستي من مدير المسرح ساهي محي الدين، واشراف الاضاءة للاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد، وتنفيذ هندسي للاضاءة من قبل سامان بهزاد وروژهات نژیار ومحمد جهور، بينما تميز العرض بتصميم ازياء واعد صاغته هلبين وحيد ليعكس الهوية البصرية للشخصيات، مدعوما بديكور مميز وتشكيل فراغي صنع باشراف الاستاذ دلير زاهر ومجموعة من الطلاب البارعين ليتكامل العرض المسرحي بكل مقاييس الاتقان.

ولم يقل العرض الثاني ابداعا واسهاما في خلق انموذج مسرحي متكامل ورائع عن سابقه، اذ جاء باشراف الاستاذ فرست طاهر واخراج واعداد الطالبة ليلى سلمان، والتي واجهت ظرفا تعجيزيا استثنائيا بعد اعتذار احدى الطالبات في الرمق الاخير من البروفات، فما كان منها الا ان تصدت للدور بنفسها وادته ببراعة فائقة على خشبة المسرح، حيث اعدت عملا مستوحى من ادبيات الكاتب وليم سارويان الذي تتناول اعماله قضايا الهوية والاغتراب والبحث عن معنى الحياة بمزيج من السخرية والدفء الانساني، متهيئة لملائمة هذا النص العالمي مع واقع الاقليم بشكل مدهش ساهم في ابرازه اداء مسرحي اصيل ممزوج بالحداثة لثلة من الوجوه الشابة من قسم المسرح ومشاركة شاب من قسم الموسيقى، وجسد الادوار كل من مزكين يونس، ولاوه ند محمد، وريناس زبير، وليلى سلمان، ورمضان يونس، وهاكوب باسل سركيس الذي تولى ايضا صياغة المناخ الموسيقي، مدعومين بادارة مسرحية من ژێكر جمعة محمد وبمساعدة سمند محمود، واضاءة اشرف عليها الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد مع مجموعة مساعدين، وديكور من ابداعات الطلاب جانه ر عارف وسيداد وارهيل وبه يوه ند صلاح، وبتقنية الداتاشو والمؤثرات البصرية التي نفذها هه فكار مشختى احمد، مع رؤية قماشية وتصميم ملابس متناغم تولته لولاف عمران.

أما العمل المسرحي الثالث فقد جاء باشراف الاستاذ شيرزاد عبدالله واخراج الطالبة لارفين بشير تحت عنوان "لحن في البحر"، والذي يعد من ابرز نصوص مسرح العبث الماخوذة عن الكاتب سلافومير مروجيك، حيث استطاعت المخرجة توظيف الفكرة بشكل رائع مزجت فيه الواقعية الجدلية بالسخرية السوداء والقاسية لتشريح غريزة البقاء من خلال قصة ثلاثة اشخاص يتقطع بهم السبل على متن قارب في عرض البحر بعد نفاد مؤونتهم، فيبحثون عن حل للبقاء عبر تضحية احدهم ليكون طعاما للاخرين في نقد لاذع يوضح كيف تلتهم القوة الفئات الاضعف حتى في اكثر الظروف عبثية، وقد ادى شخصيات العمل بحرفية عالية الممثلون نيبەل علي، وئه‌رجان هيثم، وان به‌ره‌فان، تساندهم ملابس بتعبيرات درامية من تصميم سندس سعيد وموسيقى تعبيرية لـ خالد هفال، وبتنظيم اداري وتقني قاده مدير المسرح ريان زياد والمساعد ره فند طاهر، وديكور من تنفيذ محمد سالم، واضاءة متقنة باشراف الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد ومجموعة من الطلبة البارعين الذين ساهموا بقوة في اظهار العمل بشكل رائع ومتكامل.

وفي الختام، اثبت المهرجان الـ 27 لمعهد الفنون الجميلة في دهوك انه ليس مجرد نشاط سنوي عابر، بل هو مصنع حقيقي للخامات الادبية والفنية الشابة التي تمتلك مستقبلا واعدا؛ اذ اطلقت هذه الطاقات التي لم تعد تتجاوز العشرين عاما صرخة ابداعية جمالية وفلسفية تؤكد قدرتها الفائقة على تقديم فن كوردي وفن عالمي اصيل وراقي، وهو ما يستوجب الالتفات اليهم ومد يد العون والرعاية المستدامة لتطوير هذه المشاريع ومواصلة رفد الحركة الثقافية بالطاقات المتجددة.

لم يكن نجاح المهرجان محض عشوائية، بل نظم بفضل الدور الفعال للإدارة ورؤساء الأقسام والمدرسين الذين أشرفوا على الأعمال في ظروف صعبة، هم من وضحوا الآلية المنظمة التي سمحت بتفجير الطاقات الشبابية، وحافظوا على دمج الفلكور الكوردي الأصيل مع الحداثة في كل قسم.. تنسيقهم بين الموسيقى، التشكيل، والمسرح، ودعمهم البروفات والإخراج والتمثيل، جعل المهرجان صانعا لخامات فنية شابة ذات مستقبل واعد.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان العراق

في عصر الذّكاء الاصطناعيّ في مؤتمر دولي

عُقد في رحاب فندق أولمبيك بدالي إبراهيم في الجزائر العاصمة، المؤتمر الدولي الموسوم: «التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، وقد استمر الملتقى على مدار يومين:17و18ماي2026م، ويُعدُّ هذا المؤتمر استمراراً لمؤتمرات سابقة نظمها المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، وتنضوي ضمن اهتمامه بقضايا اللُّغة العربية و الذّكاء الاصطناعيّ،  ومُواصلة لشتى الأنشطة العلميّة الجادة التي نهض بها المجلس من مؤتمرات وندوات ومُحاضرات ولقاءات علميّة، ومشاريع بحثية، وبرامج معرفيّة.

وقد شارك في هذا اللّقاء العلمي الدولي العديد من الباحثين من الجامعات الجزائرية، و من مُختلف دول العالم، وقد تقدّم للمشاركة في محاور هذا الملتقى باحثون من عدة دول تشمل: مصر، ونيجيريا، وتونس، وكندا، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكيّة، وضمّ الملتقى العشرات من الباحثين الذين التفوا مع بعضهم ليتدارسوا قضايا التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، وقد كان فرصة لتبادل الحوارات والنقاشات؛ فهذا اللقاء العلمي يؤكد تصميم المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر على إثراء المعرفة الرصينة، وتوجهه نحو البحث العلمي الجاد من خلال مؤتمرات وندوات علميّة وطنية ودولية؛ يُشارك فيها المختصون الذين يثرون بدراساتهم آفاق المعرفة الإنسانية المتنوعة.

وقد ركز الدكتور صالح بلعيد؛ رئيس المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر، في كلمته الاستهلالية على أهميّة عقد مؤتمر دولي بهذا الحجم، وذكر أن نظرة مُتأنيّة في ديباجة هذا المُلتقى الدولي ومحاوره الخمسة؛ تجعلنا نكتشف أهميّة هذا المُلتقى الذي يسعى إلى تفعيل آليات المنظومة التّعليميّة التي هي عُمدة التّعليم بدءاً من مرحلة القاعدة إلى التّعليم المهني والجامعي ومُختلف المدارس التي تُلقّن العلوم.

وأشار في مُستهل كلمته الافتتاحية إلى أن العالم اليوم بات يُعوّل على غرس صناعة المُتخرّج القادم في ملمح تلميذ الحاضر، وهذا ما يستهدفه هذا المُلتقى في ظلّ المعرفة التّربويّة/ العلميّة الحديثة التي تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ، وما يعرفه من ظهور تخصّصات تربويّة تتجاوز حدود التّربيّة في معناها التّلقيني القديم، إلى الابتكار في استيعاب الأفكار وحُسْن الدّراية، وإيجاد الوظيفة، والبحث عن الإبداع، مع ما يتبع ذلك من حُسْن التدبير في الجمع بين الإتقان ومهارة تدبير حرفة المُعلّم والمُتعلّم والمِهْني والمُسيّر وبناء المُؤسّسة واستغلال المُحيط...

وقد نبَّه الدكتور صالح بلعيد في سياق كلمته إلى أن هذا اللّقاء العلمي الدولي يقترحُ أفكاراً في صناعة التّعليم البينيّ الذي يستثمر فيه المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر بقُوّة؛ لأنّ عماد التقدّم في كلّ الدّول النّاجحة والنّاهضة والمُتطّورة؛ يتمثّل في إعطاء التّعليم المجال العالي في ميزانياتها وفي مُتابعة آفاقها.

كما ركز في كلمته على مجموعة من النقاط التي يرى بأنها مُهمّة، ومن بين النقاط التي ذكرها؛ أهميّة النّفعيّة التّعليميّة بالتّقاطع بين العلوم: اعتماداً على مُخرجات بعض الدّراسات البينيّة التي اعتمدت أدوات حديثة في البحث، مثل الاستبانات والمُقابلات والخروج من الاختصاص الضّيق والتّكامًل المنهجي، واعتماد التّفاعُل بين المُعلّم والمُتعلّم، وتطوير أدوات التّعليم الافتراضي، واعتماد تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ، ويرى الدكتور صالح بلعيد في كلمته أن الآفاق مُبشّرة بتحسين الفهم الإنسانيّ للعمليات التّعليميّة؛ ممّا يُعزّز نجاح التّعلّم الذّاتي، ويُتيح للمُتعلّم فُرصاً أفضل للوصول إلى المُحتوى المعرفي؛ بما يتناسب مع مُحيطه واحتياجاته، ممّا يجعل التعليم أكثر تفاعلاً وقوة، ومن بين العناصر التي يعتقد أنها تستحق الاهتمام التّكامل بين الإنسان والتّكنولوجيّة، والنّظرة الإيجابيّة إلى مُستقبل الويب، وضرورة دمج الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ في الأنظمة التعليمية، والاستشراف.

ومن بين المُداخلات التي أُلقيت خلال اليوم الأوّل من الملتقى، مُداخلة الدكتور السيد محمد عبد الحميد ربيع من مصر عن: «نموذج مُقترح لبيئة تعلّم ذكيّة قائمة على الواقع المُعزّز والذّكاء الاصطناعيّ لمُحاكاة التّغيّرات المناخيّة في مجال الموارد الجويّة»، ومداخلة الدكتور عبد الناصر بوعلي من الجزائر عن: «درس تطبيقي في التّعليم البيني حول موضوع الشجرة تجربة بمدرسة ابتدائية بمدينة تلمسان». وقد بدأها ببيان الإطار المفاهيمي للتعليم البيني؛ إذ يعد نهجاً تعليمياً وتدريبياً يقوم على دمج تخصصين أو أكثر، أو مجالات معرفيّة مُتعدّدة، في إطار دراسي واحد، بغية مُعالجة مُشكلات معقدة لا يمكن حلها ضمن حدود تخصُّص منفرد، ويهدف هذا النوع من التعليم إلى تعزيز المهارات الحياتية، وتنمية التفكير النقدي، وردم الفجوة بين المعارف النظرية، ومُتطلبات الواقع وسوق العمل، كما يُعرف التعليم البيني بأنه مُقاربة تربوية تنهض على تكامل المعارف والمهارات المُستمدة من تخصصات مُختلفة في سياق تعلّم موحد، ويهدف إلى بناء فهم أعمق وأكثر شمولية لدى المُتعلم، ويستند هذا النهج على فكرة وحدة المعرفة، وتداخل الحُقول العلميّة؛ بما يُساعد على إنتاج معرفة وظيفية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية، وقد حدد الأهداف المتوخاة من التعليم البيني في:

-تحقيق التكامل المعرفي بين المواد الدراسية بدلاً من تقديمها في صُور منفصلة.

- دمج المعرفة من خلال الرّبط بين مكوناتها وتكاملها.

-تنمية القدرة على التفكير الإبداعي والنقدي، وعرض القضايا بصور مركبة.

-تعزيز التكامل بين التخصصات المختلفة.

-الإسهام في تحقيق جودة التعلُّم والبحث العلمي، بتجاوز التجزئة المعرفية.

-تنمية مهارات التعاون و العمل الجماعي، وربط التعلمات بواقع المتعلم ومحيطه الاجتماعي.

-ربط المعرفة العلميّة بسياقات ذات صلة مُجتمعية.

-تشجيع العلم النشط القائم على الفهم وإكساب المهارات.

أما مُتطلبات تطبيقه؛ فتقتضي تكوين المعلمين تكويناً عميقاً ومُستمراً، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة، مثل: الحواسيب والسبورات الذكية، والمنصات الرقمية، ومرونة المناهج الدراسية، بما يسمح بالتكامل بين المواد، ودعم التنسيق بين المعلمين، ومن أبرز العوائق التي ذكرها الدكتور عبد الناصر بوعلي ضيق الزمن المدرسي، ونُقص التكوين، وصعوبة التنسيق بين المواد.

ومن بين المداخلات التي ألقيت في اليوم الثاني من المُلتقى الدولي، مداخلة الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب واللُّغات بجامعة باجي مختار بعنابة، عن: « استراتيجيات التدريس في التعليم البيني القائم على الذكاء الاصطناعي -ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية أنموذجاً-»، وقد جاء في ملخص مداخلته: « ينهض التعليم البيني على الجمع بين تخصصات متعددة ومتنوِّعة؛ وذلك من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية وإثرائها برؤى مُعمّقة ومتجدِّدة، لا تكون حكراً على تخصص واحد؛ مما يُؤدي إلى إيجاد حلول للمُعضلات العلميّة التي اعتاص حلها ومعالجتها؛ من خلال الاقتصار على تخصص واحد فقط،  ويُركز الباحث في دراسته على الجمع بين تقنيات البودكاست والذكاء الاصطناعيّ في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية لخدمة التعليم البيني؛ إذ تنهض تقنيات البودكاست بتقديم تسهيلات ثقافية كبيرة، نظراً لما تنشره من مُحتويات عن طريق مقاطع الفيديو، التي تتوفر على الصوت والصورة والمضامين والسرعة؛ ولذلك لا يُمكن صرف النظر عن توظيفها لخدمة العلوم الإنسانية والاجتماعية، و الإسهام في نشر اللُّغة العربية على أوسع نطاق، وتحبيب الجماهير فيها؛ فالبودكاست المدعوم بالذكاء الاصطناعي يُعد تقنية مُستحدثة ومُعاصرة، و يكتسي أهمية بالغة نظراً للإنجازات التي يقوم بها من بث إذاعي يظل محفوظاً، إضافة إلى القدرة على التواصل مع الجمهور، وخدمة التعليم البيني».

ومن بين ما ورد في مقدمة مداخلته: إن الهدف الرئيس للتعليم البيني هو خلق الاندماج العلمي والتلاحم المعرفي بين ميادين علميّة متباينة، وتبادل المهارات والكفاءات في فروع معرفية تُلبي مُتطلبات أسواق العمل عبر استثمار مقاربات علميّة متعدِّدة، وينتج عن هذا التمازج بين المعارف؛ الإحاطة بقضايا علميّة مُستحدثة عبر مُقاربتها من جوانب مختلفة، و خلق بيئة تدريسية تقوم على الأخذ والمنح، وتصنع التواصل المعرفي بين مجالات متباينة، وينتج عنه إحداث رؤى جديدة ناجمة عن الاحتكاك والتداخل بين خلفيات معرفيّة مختلفة، وتحسين إدراك المشكلات العلميّة المُتسمة بالتعقيد بطرائق لا تُتيحها التخصصات المستقلة والمنفردة، ومن شأنه أن يُنمِّي التفكير ويُجاري التحوُّلات العلميّة المُتسارعة؛ ومن شأنه كذلك تخطي المجالات المعرفيّة العتيقة والتقليدية، وبتر حواجز الانغلاق الفكري والمعرفي، وخلق بيئة تعليميّة مُحفِّزة؛ وعندما يقوم التعليم البيني على الذّكاء الاصطناعيّ فإنه يُعوِّض ويدعم الإنسان عند نهوضه بمهامّ مُتنوِّعة في ميادين مُتزايدة الاتّساع من النشاطات والأعمال.

وقد استعرضت الدكتورة أسماء بن مالك من جامعة تلمسان موضوع: « من التّخصص إلى البينيّة: دور الذّكاء الاصطناعيّ في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة»، وقد توصلت في مداخلتها إلى عدة نتائج من بينها أن الدراسات الترجمية أسهمت في الانتقال بالترجمة من مجرد ممارسة لغوية إلى مجال علمي قائم على أسس نظرية، ومنهجية متعددة، ولم يعد تكوين المترجم في الجامعة الجزائرية قائماً على المقاربة التخصصية الضيقة؛ بل اتجه نحو تبني مقاربة بينية تجمع بين اللسانيات والترجمة والتكنولوجيا، وقد أدى تطور الذكاء الاصطناعي خاصة الترجمة الآلية العصبية، إلى إحداث تحوُّل نوعي في تدريس الترجمة، من خلال إدماج أدواته في العملية التعليمية، وساهم الذكاء الاصطناعي في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة، عبر الانتقال من التلقين إلى استراتيجيات قائمة على التحليل، وحل المشكلات والتعلم الذاتي.

وقد عقد بعض المشاركين في الملتقى الدولي جلسة ختامية اتُخذت فيها بعض المُقررات، ورُفعت بعض المقترحات والتوصيات، ومنها:

-إعادة هيكلة المناهج الدراسية الحالية وفق رؤية بينية تكاملية، بحيث تُبنى الوحدات التعليمية على أساس ربط المفاهيم من تخصصات مختلفة، بدلاً من تقديمها بشكل منعزل.

-توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي(كخوارزميات التعلم الآلي وتحليل الشبكات المعرفية) لتحليل المناهج، واكتشاف نقاط التقاطع بين المواد الدّراسية المختلفة، واقتراح وحدات بينية جديدة.

-بناء منصات تعليمية ذكيّة تعتمد على أنظمة توصية متعددة التخصصات، تقترح على كل متعلم مساراً تعليمياً بينياً مخصصاً وفق خلفيته المعرفية واهتماماته.

-تصميم أنظمة تقييم تكيفية بينية تقيس قدرة المتعلم على الربط بين التخصصات، وحل مشكلات مركبة، وليس فقط استرجاع معلومات من تخصص واحد.

-تطوير اختبارات ذكيّة تدفع المتعلم إلى توظيف معارف من علوم متعددة في آن واحد.

- إعداد برامج تدريبيّة مُكثفة للمعلمين والأساتذة تشمل: كيفية تصميم دروس بينية، وكيفية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في ذلك.

- إنشاء شبكة بحثيّة دوليّة تعنى بالتعليم البيني و الذكاء الاصطناعي، تضمّ الباحثين من الدول المُشاركة.

والحقيقة أن تنظيم هذا الملتقى الدولي:«التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، بإحكام وإتقان، وتنظيم محكم من لدن المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر؛ يؤكد أننا في حاجة إلى شدّ الأنظار نحو المُستقبل، وتطلعات المُستقبل، واللقاءات التي تمّت بين المشاركين، والنقاشات التي دارت في جلسات المؤتمر؛ استثارت الأفكار والهمم إلى أشياء مهمّة جداً، تستحق المدارسة والتأمل والبحث والاستثمار في زمن الذكاء غير الطبيعي، وقد تمّيز هذا المؤتمر باهتمام منظميه بالحوار، وعدم الاكتفاء بإلقاء البحوث؛ لذلك لا يشعر المُستمع لما دار من جلسات في هذا الملتقى الدولي بالملل، بل إن الحوار كان حافزاً له لمزيد من المعرفة والاطلاع؛ من خلال تسجيل بعض الملاحظات والنتائج الدقيقة التي قُدمت في جلسات الملتقى على مدار يومين متواصلين.

ويُلاحظ المتأمل في المداخلات والأبحاث التي قُدمت في هذا الملتقى الدولي، أنها قد اتسمت بالتنوُّع؛ فقد تعددت الزوايا التي نظر من خلالها الباحثون إلى التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، ولا يملك من شارك في هذا المؤتمر الدولي المتميّز، إلا أن يُقدم عبارات الشكر والثناء والتقدير للمجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر، لجهوده المبذولة في إنجاح هذا المؤتمر، الذي يُقدم سمعة طيبة عن هذا المجلس الرصين؛ الذي دأب منذ عدة سنوات على تنظيم فعاليات علميّة متميّزة؛ مما يفتحُ المجال واسعاً لكل صاحب فكرة بأن يُدلي بدلوه، و يسعى إلى تقديم إضافة في دروب المعرفة عن طريق البحث العلمي الجاد والرصين.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر

دأبت جمعية ابن عرفة الثقافية على تنظيم مجلس ثقافي منذ سنوات عديدة وقد اهتم ميعادها الشهري الذي انعقد بمكتبتها صباح السبت  6 جوان 2026  بموضوع اليوميات ويشرف على هذا المجلس الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله عضو الهيأة المديرة للجمعية وقد دعا الأديبة الدكتورة نجوى عمامي  المختصة في هذا الجنس الأدبي الجديد ودعا كذلك الدكتور فاروق العمراني لتقديمها وهو أستاذ متميز للأدب الحديث بالجامعة التونسية وعضو بيت الحكمة بتونس وقد حضر هذا المجلس جمهرة من الأدباء والمثقفين والمبدعين من بينهم الدكتور الحكيم رضا الماجري  والأديب أحمد جليد والأديبة مسعودة بوبكر والدكتور  فتحي فارس والشاعر حكيم  زرير والشاعرة فاطمة عبد القادر والخطاطة سامية الضاوي والفنان عازف الناي رشيد بن جوهرة الذي راوح فقرات الجلسة بشجي نغاماته  وقد كتب الأستاذ عبد العزيز مداولات هذا الميعاد فأحسن نقل ما دار فيه قائلا:

قبل "الميعاد"، وفي إحدى مقاهي المدينة العتيقة بتونس العاصمة أو "البلاد العربي" كما يسمّيها البعض ترشّفنا القهوة مع الدكتور محمد رضا الماجري، الدكتور فاروق العمراني، الكاتبة مسعودة بوبكر والدكتورة نجوى عمامي.

و" البلاد العربي" هي فضاء عامر بالتاريخ وجمال المعمار، يروي رحلة التونسي مع الحضارة والفن والثقافة

وواصل قلمه قائلا:

"الميعاد" الخامس والثلاثون احتفى بـ "يوميات" الدكتورة الباحثة نجوى عمامي من خلال كتابها "اليوميات الخاصّة في الأدب العربي الحديث".

وهو في الأصل موضوع أطروحة دكتوراه تحصلت عليها الباحثة من كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس.

وللكاتبة عديد الكتب تناولت اليوميات نذكرها:

- كتاب "قراءة في يوميات الشابي"، سنة 2021.

- كتاب "يوميات فتاة حالمة"، سنة 2024.

- كتاب "دفتري...صديقي"، سنة 2026.

- كتاب "اليوميات الخاصّة في الأدب العربي الحديث"، سنة 2024.

في رحاب جمعيّة ابن عرفة الثقافيّة قدّم الدكتور فاروق العمراني

في مداخلته كتاب الدكتورة نجوى عمامو وعرض أقسامه والكتاب صادر سنة 2024 عن دار خريّف للنشر في 278 صفحة.

مقدّمة الكتاب بقلم الدكتور محمد القاضي وممّا جاء فيها ما يلي:

" إنّ هذا البحث، بما صرّح به وبما اكتفى بالتلميح إليه، يعدّ خطوة مهمّة في طريق تجنيس اليوميات في الأدب العربي، ومحاولة جريئة للتصدّي لهذا الجنس الهجين المتردّد الذي يلتقي فيه العام والخاص، والذاتي والموضوعي، والمرجعي والتخييلي، كما يرتقي باللحظة العابرة إلى مصافي الخلود.

 ولعلّ الأسئلة التي طرحتها نجوى عمامي في هذا العمل تبيح لنا أن نزعم أن هاجسها هذا لن ينتهي بهذا الكتاب، بل سيتواصل في دراسات أخرى قدّمت المؤلّفة في هذا البحث عيّنة منها تثبت سعة اطلاعها، وعمق مقاربتها، وقدرتها على التوغّل في أنحاء النّصوص."

ثمّ تناول الدكتور العمراني أقسام الكتاب الذي قسّمته الكاتبة إلى 4 أبواب نذكرها كما يلي:

- الباب الأوّل: اليوميّات الخاصّة في النّقد الفرنسي.

- الباب الثاني: اليوميّات الخاصّة في النقد العربي.

- الباب الثالث: نشوئيّة اليوميّات في الأدب العربي.

- الباب الرّابع: خصائص اليوميّات في الأدب العربي.

الحوار حول الكتاب كان ثريّا وطرحت عديد الأسئلة أجابت عنها الباحثة نجوى اعمامي.

ومن مداخلات الحاضرين نذكر:

الشاعر سوف عبيد تساءل عن الاعتماد على المراجع الفرنسيّة دون غيرها لدى الباحثين التونسيين.

الدكتور الباحث فتحي فارس مختصّ في الكتابة عن الذّات، من كتبه نذكر منها:

- التخييل الذّاتي في السرد العربي المعاصر.

- ظلال الذّات في الرّواية التّونسيّة.

الأستاذ فارس طرح عديد النقاط منها: تقارب اليوميّات من الشّهادات، وأهميّة يوميّات السّجون التي دوّنت مآسي انسانيّة.

الكاتبة مسعودة بوبكر التي أصدرت 3 كتب في اليوميّات وهي: "حقيبة وذاكرة"، "بين الأطلسين"، "غزّة يوميات النبض المكلوم"، وممّا قالت عن كتاب "دفتري ...صديقي.." للكاتبة نجوى عمامي ما يلي:

"...تختلف نصوصنا وتناولها لكن يجمعنا فيما أعتقد، هاجس بالمقام الأوّل الرّغبة في إبقاء شيء منّا، من تفاصيلها التي يلاحقها النسيان محوا وطلسا..." 

كالعادة كانت تقاسيم الفنان رشيد بن جوهرة حاضرة، مع التقيّد بتعليمات أستاذنا الجليل الدكتور محمد رضا الماجري الذي يحبّذ النغمات التونسيّة الأصيلة .

***

سُوف عبيد

 

مراكش تكتب تاريخها بالصورة والضوء

في لحظة ثقافية احتفت بذاكرة الصورة وأسئلة المكان، أسدل المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش الستار على دورته الثانية، التي اختارت هذه السنة شعار “السينما والمدينة العتيقة”، في محاولة جمالية وفكرية لإعادة التفكير في العلاقة المركبة بين الفن السابع والفضاءات التاريخية، وبين الذاكرة البصرية والتحولات العمرانية والإنسانية التي تعيشها المدن العتيقة المغربية.  وعلى امتداد أربعة أيام، من 20 إلى 24 ماي الجاري، تحولت مراكش، بأزقتها وأسوارها وطبقاتها الرمزية، إلى فضاء مفتوح للحوار بين السينما والتاريخ، وبين الصورة والهوية، حيث نجح المهرجان في بناء برنامج متعدد الروافد، جمع بين العروض السينمائية والندوات الفكرية والورشات التكوينية واللقاءات المفتوحة مع أسماء وازنة في المشهد الثقافي والسينمائي المغربي.

 وقد توجت هذه الدورة، التي أبرقت تواشيح تسييرها الكاتبة والباحثة أمل عباسي، بتكريم الفنان المغربي الكبير محمد مفتاح، أحد أبرز الوجوه التي صنعت ملامح الدراما والسينما المغربية والعربية لعقود طويلة، والذي ظل حضوره الفني مشبعا بكثافة الأداء وعمق الشخصية وقوة التعبير الإنساني.  وجاء هذا التكريم بمثابة احتفاء بمسار فني استثنائي، استطاع من خلاله محمد مفتاح أن يمنح للشخصية المغربية والعربية بعدا دراميا وإنسانيا متفردا، سواء عبر السينما أو التلفزيون أو المسرح.2809 cinema

 وفي شهادة مؤثرة، استعاد الناقد السينمائي والصحفي حسن نرايس المحطات الأولى في تشكل التجربة الفنية لمحمد مفتاح، متوقفا عند بناءاته الذاتية المبكرة، وتحولاته الإبداعية، وقدرته على تشييد شخصية فنية متعددة الطبقات داخل تاريخ التمثيل المغربي والعربي. كما أبرز نرايس القوة الرمزية للأدوار التي جسدها الفنان المحتفى به، والتي جعلت منه أحد الوجوه الأكثر حضورا وتأثيرا في الصورة الدرامية العربية المعاصرة.

 وتعزيزا لهذا التكريم، شهد المهرجان عرض فيلم “خيط الروح” للمخرج حكيم بلعباس، وهو عمل سينمائي ينفتح على أسئلة الذات والذاكرة والهوية، ويكشف عن حساسية بصرية وشاعرية عالية في الاشتغال على التفاصيل الإنسانية والهواجس الوجودية، حيث بدا محمد مفتاح داخل الفيلم وكأنه يعيد كتابة ملامحه الفنية بصوت داخلي عميق، يزاوج بين الصمت والتأمل والانكسار الإنساني.

 وكان المهرجان قد افتتح فعالياته بتكريم جيل آخر من نجوم الشاشة المغربية، ممثلا في الفنان ربيع القاطي، الذي يمثل أحد أبرز وجوه السينما المغربية الجديدة، بما يحمله من وعي جمالي واشتغال متجدد على الأداء والشخصية. وتم بالمناسبة عرض فيلم “نوبة العشاق” للمخرج كمال كمال، وهو عمل سينمائي يحتفي بالذاكرة الشعبية والوجدان الجماعي، ويعيد تركيب العلاقة بين الحب والموسيقى والتحولات الاجتماعية داخل الفضاء المغربي.

 ولم يقتصر المهرجان على العروض والتكريمات، بل راهن أيضا على البعد التربوي والتكويني، من خلال تنظيم ورشات فنية سينمائية داخل مؤسسات تعليمية بمراكش، أطرها كل من الفنان الحبيب احمدان والناقد السينمائي بوبكر الحيحي، حيث انفتحت هذه اللقاءات على أسئلة الصورة والكتابة البصرية وتقنيات الأداء، في أفق ترسيخ ثقافة سينمائية لدى الأجيال الصاعدة، وربط المدرسة بالفعل الثقافي والإبداعي.2810 cinema

 كما شكلت الندوات الفكرية والموائد المستديرة أحد أبرز معالم هذه الدورة، إذ احتضن المهرجان ماستر كلاس حول “السينما وذاكرة المدينة” بمشاركة الكاتب ورئيس مهرجان السينما والذاكرة بالناظور عبد السلام بوطي ورئيس مهرجان السينما والتاريخ بمراكش مصطفى غلمان، حيث تمت مقاربة العلاقة بين السينما بوصفها أرشيفا بصريا، والمدينة باعتبارها خزانا للذاكرة الجماعية والتحولات الرمزية.

 واحتضنت الدورة أيضا ندوة وطنية حول “تمثل المدينة العتيقة في السينما المغربية”، بمشاركة النقاد والباحثين أشرف الحساني وعبد الصمد الكباص ورشيد نعيم، فيما تولى تسيير اللقاء الباحث عبد اللطيف لقليدة. وقد انصبت المداخلات على الكيفية التي تحولت بها المدينة العتيقة داخل السينما المغربية إلى شخصية قائمة الذات، تختزن الذاكرة والهشاشة والتحولات الاجتماعية، وتعيد إنتاج العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان.

 وفي امتداد لهذا التفاعل بين الصورة والعمران، عرف المهرجان تقديم كتاب “بجعد.. التراث المعماري والعمراني للمدينة العتيقة” للمهندس عبد الغني خلدون، بمشاركة كل من محمد ايت لعميم ومحمد صلاح بوشتلة، حيث شكل اللقاء مناسبة للتفكير في الذاكرة المعمارية بوصفها جزءا من الهوية الثقافية والجمالية للمدن المغربية.

  كما شهدت الدورة عرض الفيلم الروائي “أفراح صغيرة” للمخرج محمد رشيد الطريبق، في لقاء أطره الناقد السينمائي محمد اشويكة، حيث انفتح النقاش على رهانات السينما المغربية الجديدة وأسئلتها الجمالية والإنسانية.  وهكذا، استطاع المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش، في دورته الثانية، أن يرسخ حضوره كأحد المشاريع الثقافية الطموحة التي تسعى إلى تجاوز البعد الاحتفالي التقليدي للمهرجانات، نحو بناء فضاء للتفكير الجماعي في السينما باعتبارها أداة للمعرفة والتأويل وحفظ الذاكرة. فقد أبانت مختلف فقراته عن قدرة واضحة على خلق تلاقح حقيقي بين الفن والتاريخ والعمران والتربية، بما يمنح للمهرجان هوية خاصة داخل المشهد الثقافي المغربي.

 ومن بين أبرز التوصيات التي يمكن استخلاصها من هذه الدورة، ضرورة توسيع انفتاح المهرجان على التجارب السينمائية المتوسطية والإفريقية المهتمة بذاكرة المدن، وإحداث منصة دائمة لتوثيق الأفلام المرتبطة بالمدن العتيقة المغربية، فضلا عن تعزيز الشراكات مع الجامعات ومؤسسات البحث في مجالات السينما والتراث والدراسات الحضرية. كما برزت الحاجة إلى إطلاق برامج للتربية على الصورة داخل المؤسسات التعليمية، وتشجيع الشباب على إنتاج أفلام قصيرة تستلهم الذاكرة المحلية والفضاءات التاريخية.  وبذلك، لا يبدو المهرجان مجرد تظاهرة سينمائية عابرة، بل مشروعا ثقافيا يتجه تدريجيا نحو بناء “براديغم” جديد في الفعل الثقافي المغربي، قوامه إعادة وصل السينما بأسئلة المجتمع والذاكرة والهوية، وتحويل الصورة إلى أفق للتفكير في الإنسان والمكان والتاريخ.

***

مراكش - خاص

باحثون وخبراء يقاربون تحولات الأسرة المسلمة في الغرب وتحدياتها المعاصرة

انعقدت الندوة العلمية الدولية الموسومة بـ: "وضعية الأسرة المسلمة في أوروبا والغرب: دراسات في القيم والسياقات والتحولات السوسيو-ثقافية والقانونية والسياسية" يومي 22 و23 ماي 2026، في إطار علمي وأكاديمي سعى إلى مقاربة واقع الأسرة المسلمة في السياقات الغربية من زوايا متعددة، جمعت بين الأبعاد الفقهية والتربوية والقيمية والاجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية.

وافتُتحت أشغال الندوة، حضوريا وعن بُعد، بالمركز الثقافي “الأنصار” بمدينة سانت بيترس ليو بضواحي بروكسيل، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمة ترحيبية باسم مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ألقاها الدكتور التجاني بولعوالي، أبرز فيها أهمية المشروع البحثي المتعلق بالأسرة المسلمة في الغرب، وضرورة بناء معرفة علمية رصينة تسهم في فهم التحولات التي تعرفها الأسرة المسلمة في البيئات الغربية.

كما عرفت الجلسة الافتتاحية كلمات للجهات الشريكة، حيث قدم الدكتور محمد ظهيري كلمة باسم جامعة كومبلوتنسي بمدريد، فيما ألقى الأستاذ حسن ودان كلمة المركز الثقافي “الأنصار”، بينما قدم الدكتور محمد قروق كركيش كلمة اللجنة المنظمة نيابة عن أعضائها. وقد ترأس هذه الجلسة الأستاذ إبراهيم السليمان، فيما تولى الأستاذ ياسين البقالي مهمة التقرير.

الجلسة العلمية الأولى: الأسرة المسلمة في بلجيكا بين الواقع والتحولات

تلت الجلسة الافتتاحية مباشرة أعمال الجلسة العلمية الأولى، التي تمحورت حول موضوع: "وضعية الأسرة المسلمة في بلجيكا: الواقع والتحديات والتطلعات"، بمشاركة الباحثين الأستاذ محمد والزين والدكتور التجاني بولعوالي.

قدم الأستاذ أحمد والزين، من جامعة لوفان لانوف ببلجيكا، مداخلة بعنوان: "الأسرة المسلمة في بلجيكا والحاجة إلى التعليم الإسلامي"، سلط فيها الضوء على دور التربية والتعليم في الحفاظ على الهوية الدينية والقيمية للأجيال المسلمة الناشئة.

أما الدكتور التجاني بولعوالي، من كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان الكاثوليكية، فقد تناول في مداخلته الموسومة بـ: "الأسرة المسلمة في بلجيكا بين التحولات السوسيولوجية والتحديات القيمية"، أبرز التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها الأسرة المسلمة في السياق البلجيكي، وما تطرحه من أسئلة قيمية وهوياتية.

وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور عبد السلام الزهيري، فيما تولى الأستاذ سعيد زروالي مهمة التقرير.

واختُتم اليوم الأول بحفل عشاء تكريمي نظمّه المركز الثقافي “الأنصار”، بحضور المشاركين والضيوف من مختلف الفئات، كما تم توزيع شواهد المشاركة والحضور على المتدخلين والمساهمين في هذه الفعالية الأكاديمية الدولية، التي لقيت استحسانا وتقديرا من الحاضرين والمتابعين عبر تقنية التناظر المرئي.2794 Seminar

اليوم الثاني: مقاربات فقهية وقانونية وسوسيولوجية للأسرة المسلمة في الغرب

تواصلت أشغال الندوة في يومها الثاني عبر تقنية التناظر المرئي، من خلال ثلاث جلسات علمية وازنة قاربت موضوع الأسرة المسلمة من زوايا معرفية وتخصصية متعددة.

الجلسة الثانية: فقه الأسرة ونقل القيم الإسلامية في البيئات الغربية

انعقدت الجلسة العلمية الثانية تحت عنوان: "فقه الأسرة المسلمة ونقل القيم الإسلامية والتربوية في بيئات غربية"، بمشاركة أربعة باحثين متخصصين.

وافتتح الدكتور عبد الحق الكواني، عضو الهيئة العلمية للمجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا، أشغال الجلسة بمداخلة حول: “الإطار المرجعي لفقه الأسرة المسلمة في السياق الأوروبي”.

كما قدمت الدكتورة أسماء خبطة، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، مداخلة بعنوان: "الأم المسلمة في الغرب: رهانات التنشئة بين استمرارية الهوية وضغوط الاندماج”، ناقشت فيها الدور المحوري للأم في حفظ الهوية الدينية والثقافية داخل الأسرة.

وتناولت الدكتورة إلهام حاكمي، من جامعة محمد الأول بوجدة، موضوع: "النسوية التأويلية وتفكيك الأسرة المسلمة: نقد لنقل المفاهيم الجندرية إلى السياق الإسلامي في الغرب”.

فيما اختتمت الأستاذة إيمان غوزال، من جامعة ابن زهر بأكادير، مداخلات الجلسة بمحاضرة حول: "دور مؤسسة الأسرة والوالدين في التربية وتأسيس الهوية الإسلامية”.

وقد ترأست الجلسة الأستاذة ماجدة بوعزة من ألمانيا، فيما تولت الأستاذة نوال المختوم من تطوان مهمة التقرير.

الجلسة الثالثة: التحديات القانونية للأسرة المسلمة في الغرب

أما الجلسة العلمية الثالثة، التي ترأسها الدكتور عبد الملك هيباوي من ألمانيا، وقررت مجرياتها الأستاذة سارة الهادي من جامعة محمد الخامس بالرباط، فقد خُصصت لموضوع: "الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات القانونية: دراسات لحالات واقعية”.

وافتُتحت بمحاضرة للأستاذة ليلى لاماني، من كلية الشريعة بآيت ملول التابعة لجامعة ابن زهر، بعنوان: "الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات القانونية: زواج المغاربة المقيمين بالخارج أنموذجا”.

كما قدم الباحث زكرياء زغلي، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، مداخلة حول: "التحديات التي تواجهها الأسرة المسلمة بألمانيا: الإرث نموذجا”.

واختُتمت الجلسة بمحاضرة للأستاذة ابتسام كليولة، المتخصصة في القانون الدولي الخاص بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بعنوان: "كفالة الطفل في القانون الدولي الخاص: دراسة مقارنة”.2795 Seminar

الجلسة الرابعة: الهوية والاندماج وتحديات البيئة متعددة الثقافات

وتواصلت أشغال الندوة مع الجلسة العلمية الرابعة، التي ترأسها الدكتور محمد ظهيري من جامعة كومبلوتنسي مدريد، وقررها الأستاذ عبد الكريم الغازي من ألمانيا، تحت عنوان: "تأثير البيئة المتعددة الثقافات على الأسرة المسلمة وتحديات العنصرية والإسلاموفوبيا والنسوية والهوية”.

وفي مستهل الجلسة، قدم الدكتور حميد الهاشمي، الباحث والأستاذ بالجامعة العالمية بلندن، مداخلة بعنوان: “استكشاف الاندماج الاجتماعي: دراسة تحليلية لتوجهات المهاجرين العرب في بريطانيا”.

كما حاضر الدكتور محمد قروق كركيش، من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حول موضوع: "الأسرة المسلمة في الغرب وتحديات الحفاظ على الهوية الدينية: مقاربة سوسيولوجية تحليلية”.

واختُتمت الجلسة بمداخلة للباحث عبد الفتاح آيت بلخير بعنوان: "تحديات وإكراهات تعايش الأقليات المسلمة بأوروبا: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وتبادل الهدايا معهم”.

جلسة ختامية وعرض للكتاب الجماعي

وفي ختام أشغال الندوة، انعقدت الجلسة الختامية برئاسة الدكتور عبد الإله كافا، من الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، وتقرير الأستاذ حسن آيت ناصر من جامعة ابن طفيل.

وشهدت الجلسة تقديم الكتاب الجماعي الخاص بمشروع “وضعية الأسرة المسلمة في أوروبا والغرب”، الصادر حديثا بتعاون بين مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا ودار “عالم الكتب الحديث” بالأردن.

كما ألقى الدكتور التجاني بولعوالي، رئيس مركز اجتهاد للدراسات والتكوين، كلمة ختامية استعرض فيها أهم مخرجات الندوة وآفاق تنزيل توصياتها، إضافة إلى الإجراءات العملية المتعلقة بالباحثين المشاركين في المشروع.

وقد شكلت هذه الندوة العلمية الدولية محطة أكاديمية مهمة لإثارة النقاش العلمي الرصين حول واقع الأسرة المسلمة في الغرب، ورصد التحولات التي تعرفها، واستشراف سبل تعزيز حضورها القيمي والاجتماعي والثقافي في المجتمعات الغربية.

***

إعداد: الدكتور محمد قروق كركيش

عن مركز اجتهاد للدراسات والتكوين في بلجيكا

احتضت الجمعية الثقافية المندائية في مالمو مَساء يوم السبت المصادف (09 /05/ 2026) أمسية ثقافية متميزة للأستاذ الباحث (د. رفعت لازم مشعل الخميسي) وَالموسومة (اضطهاد الشعب المندائي) وكذلك حفل لتوقيع كتابه الجديد الذي يحمل نفس اسم المحاضرة، كانت محاضرة رائعة متميزة سرد فيها الباحث، وعلى مدى ساعتين ونصف من الحديث المتواصل، عن مجمل الانتهاكات والمجازر التي تعرض لها الشعب المندائي ، خلال 2000 عام، متطرقاً للمصادر التوثيقية العديدة المتنوعة التي احتواها كتابه الضخم، وكذلك أوضح وشرح بشكل مفصل عن ترجيحه بل قناعته التامة بتسميتنا (بالشعب المندائي) بدل (طائفة مندائية) وأننا ننتمي ( للعرق الأري) وليس (السامي) لقد وثقت المحاضرة وبثتْ بثاً مباشراً، على موقع الجمعية الثقافية المندائية في مالمو، اعتقد أن الكتاب والمحاضرة، سيكون لها وقعاً قوياً لما طرح  فيها مِنْ أراءٍ وتحليلاتٍ عميقةٍ دقيقةٍ جديدةٍ رصينةٍ .

حضرَ الأَمسية جمهورٌ مِنْ أبناءِ الديانةِ المندائيةِ وعدد مِنْ الضيوفِ الأكارمِ مِنْ أهالِي مدينةِ (مالمو) مِنْ المهتمينَ بالثقافةِ وتاريخِ الأديان.

وقبل بداية الجلسة تفضلت مشكورة الناشطة الثقافية وعضوة الهيئة الإدارية في الجمعية الثقافية المندائية بمالمو، السيدة الفاضلة الست (اقبال رشيد) بكلمة جميلة رشيقة مرحبة بالحضور الأفاضل ومعرفة بالأمسية والمحاضر ومدير الجلسة مع تمنياتها بقضاء أوقات جميلة مفيدة.

وكانَ لكاتبِ هذهِ السطورِ (يَحيىَ غَازي الأَميرِيّ) شرف أدارة الجلسة وتقديم أ.د. (رفعت لازم مشعل الخميسي) فِي هذهِ الأمسيةِ.

أودناه نص الكلمة التي ألقيتها في بداية الأمسية:

سَيِّدَاتِي، آنِسَاتِي، سَادَتِي الحضُورُ الكِرَامُ: ضيُوفُنَا الأَكَارِمُ، طَابَ مَسَاؤُكُمْ

أرَحِبُّ بالجميعِ أجملِ تَرحِيبْ، وأتمنى للحضور والمستمعين الأفاضل قضاء اوقات ممتعة مفيدة!

وَيُسعِدني وَيُشرِفُني أن أقدمَ في أمسيةِ هذا المساء صديقي العزيز الأستاذ الدكتور (رفعت لازم مشعل الخميسي) في أمسيته المهمة والمتميزة والموسومة (اضطهاد الشعب المندائي) وكذلك الاحتفال معاً بصدور كتابه الجديد الذي يحمل نفس عنوان المحاضرة.

أقول لكم بصراحة لقد كانت ليَّ مفاجئة مبهرة كبيرة وانا أقلب صفحات الكتاب الضخم القيم (اضطهاد الشعب المندائي) لِكمْ المعلومات الدقيقة العميقة التي دونت بين صفحات أوراقه الــ (380) صفحة.

فأسأل نفسي: كم مقدار الوقت الذي بذله لإنجاز هذا العمل؟

وكم من مقدار الجهد الكبير المضني بالبحث والتقصي والتدوين والمتابعات المضنية سواء بالمقابلات الشخصية او مع الوفود الرسمية لجمع واستنساخ الوثائق الرسمية من أرشيف السلطات البريطانية و(العثمانية) التركية او بالمراسلات والاتصالات بمختلف الشخصيات والمؤسسات ذات العلاقة بموضوع بحثه، والاهم من هذا متابعته الدقيقة لمعظم ما كتب عن اضطهاد الشعب المندائي من كتب ودراسات صدرت باللغة العربية والإنكليزية، ومن ضمنها (الإزهارات) أو (التذيلات) أو (الهوامش) بكتبنا الدينية المندائية. فكل خبر، أو حدث، أو قصة، أو حكاية، أو منشور مدون فيه شكل من اشكال الاضطهاد والاعتداء كان يتابعها بدقة وعناية وفحص وتمحيص وتدقيق ليضع مع كل كلمة يدونها أصل مصدرها!

سيداتي وسادتي الحضور الأكارم: هذه الأمسية الثقافية والتي اعتقد انها بالغة الأهمية بما سيطرح فيها، مما مدون بين صفحات هذا المنجز من وثائق دامغة كثيرة ومتعددة، لانتهاكات وجرائم صارخة، وقسم من هذه الجرائم تصنف جرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي مورست ضد الشعب المندائي المسالم الاعزل!

وكذلك من اراء متداولة جديدة قديمة، ثبتها الكاتب حول الفرق بين تسميتنا المتداولة (طائفة دينية) وما يثبته في منجزه أننا (شعب) بكامل مقومات الشعب؛ وكذلك اننا شعب متجانس واحد ينتمي للعرق (الأري) بمواصفات أنثروبولوجية واحدة والتي ثبتت من خلال المواصفات الشكلية، والجسدية، والرأسية، والوجهية. 

المندائيون في العراق جزءاً عريقاً أصيلاً ضارب بالقدم من مكونات شعب بلاد الرافدين، لكن رياح العسف والظلم والاقصاء والاضطهاد ولغة الموت والوعيد والرعب والتهديد المستمر التي عوملوا فيها، جعلتهم يعيشون منعزلين في الاهوار القصية بعدين عن المدن الكبيرة، وبعد التغيير الذي حصل بالعراق بعد سقوط الحكم العثماني ودخول القوات البريطانية واحتلالها للعراق، سادت فترة قصيرة من سنين الاستقرار- خلال الحكم الملكي والحكم الجمهورية الأولى-  تنفس فيها الشعب المندائي الصعداء، فنزحوا من الأرياف والاهوار القصية  للمدن والعاصمة، فدخل ابناءه المدارس، وشاركوا في النشاطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحصلوا على بعض الحقوق التشريعية الدستورية المسلوبة كمكون اصيل من بلاد الرافدين، وبعد (شباط 1963) سريعاً بدأت تسود البلاد - سياسة القمع السياسي والفكري، ففتحت لهم السجون والمعتقلات أبوابها، فنالهم ظلم وحيف كبير.

وثم تلتها سلسلة دوامة (الحروب) وما يرافقها من موت ودمار وخراب وتلتها سنوات عجاف من الحصار الجائر، فانهار الوضع الاقتصادي سريعاً لعموم سكان البلاد؛ فحل الفقر والعوز والجهل ترافقه الاوبئة والامراض.

 وبعد التغيير في العراق (2003) حلت الفوضى والنهب والسلب والفساد والمليشيات المسلحة المنفلتة، والمافيات المنظمة وعصابات للقتل والترويع لا حصر لعددها وخصوصا في فترات غاب فيها القانون بالبلاد تماماً - افزعت من سلم من الموت – من المندائيين- فعجلت هذه الويلات المروعة وهذا الوضع المستمر بالانهيار والتدهور بالتعجيل (بهجرتهم غير المنتظمة) ففروا من بلدهم مجبرين مذعورين فتوزعوا على كل القارات لاجئين! وكذلك وضع اخوتنا في (إيران) ليس أفضل منا حالاً، لا بل نالهم أكثر منا ظلماً وتمييزاً واضطهاداً، في عهديّ (حكم الشاه بهلوي) وبديله (الجمهوري الإسلامي) القابض على السلطة الآن.

أن الخوض في مثل هذا العنوان (اضطهاد الشعب المندائي) ليس نزهة أو بحث سهل، بل هو موضوع بمنتهى الرهبة والحساسية وفيه كثير من المتاعب والخطر، وكما يقول المثل (الدخول في عش الدبابير) فهو محفوف بالمخاطر!

وهو مبحث يحتاج الدقة بالمعلومات والمصادر ويستلزم بذات الوقت الشجاعة والمثابرة والحرص؛ الحرص على حياة من يزوده بالمعلومات ايضاً، انها من الاعمال المشابهة حديثاً لعمل الاستقصاء الصحفي! وأقولها بالفم المليان أنه عمل شجاع نبيل.

لقد احتوت صفحات الكتاب على ملفات لجرائم وانتهاكات واعتداءات تقشعر لها الابدان، وعلى كم هائل من الويلات والمصاعب والمصائب والمجازر والنكبات التي ضربت برياحها العاتية الشعب المندائي المسالم الأعزل، في المنطقة التي استقروا فيها (العراق وإيران) وانت تتصفح الكتاب ستقرأ كم أزهقت وغيبت ودمرت من النفوس والآمال والارواح على مدى العصور والدهور!

الذي يقلب صفحات الكتاب (380) صفحة؛ المفهرس بعناية اكاديمية منهجية بحثية، والمقسم الى (8) أبواب، تضم ستة وعشرون فصلاً؛ سيعيش صدمة كبيرة لحجم الدمار الكبير والاضطهاد المروع، والمجازر البشعة، التي لحقت بأهلنا المندائيين المسالمين، في جنوب بلاد الرافدين والمدن الإيرانية المجاورة لها- الحويزة وشوشتر وشيراز- وغيرها.

وعلى مدى عدة مئات من السنين وقع المندائيين بين فكيّ (اضطهادين) لا يقل بشاعة الواحد عن الاخر؛ اضطهاد سلطات الدولة التي - تحكمهم العثمانية والصفوية - بحكامها الظالمين الجائرين المستمدين قسوتهم واستبدادهم من ظلم وجور بعض (فتاوي السلطات التنفيذية التكفيرية الإسلامية، والتي تبيح وتسمح بتكفير وقتل المندائيين، الفتاوي التكفيرية بشقيها (السني والشيعي) والتي دونها الباحث في كتابه بالصفحة (158).

وبين النشاط التبشيري المسيحي الكاثوليكي للكنيستين (الأوغسطينية والكرمليّة) والقوات العسكرية البرتغالية المسيطرة على الخليج العربي، والذين اتخذ نشاطهم على (المندائيين)عدة اشكال بين الترغيب والترهيب لغرض تنصيرهم وتهجيرهم من بلادهم وارضهم الى بلدان نائية أخرين!

  لكن أبشع المذابح المدونة في الكتاب تجدها مفصلة في الفصل العاشر والحادي عشر والثاني عشر والتي حدثت في العمارة 1480، ومذبحة الحويزة 1732، وكذلك المذبحة التي طالتهم في مدينة شيراز الإيرانية. ومذابح مدينة (شوشتر/تستر) الأربعة المتتالية: الأولى عام 1732، الثانية عام1807، الثالثة عام 1849، الرابعة عام 1870

ولتعريفِ الحضور الكريم بضيفنا العزيز سوفَ أسردُ بشكلٍ مختصرٍ جداً، شيئاً عن نشاءته وسيرته الدراسية والأكاديمية والوظيفة وكذلك النشاطات الكثيرة المتواصلة والمستمرة فيما يخص بالذات الشأن المندائي.

السيرة الأكاديمية للمؤلف د. رفعت لازم مشعل

مكان الولادة: العراق ميسان / قلعة صالح، 1946-09-16 تأريخ الولادة

 أكمل الدراسة الابتدائية فى مدينة قلعة صالح / ميسان، عام 1958

 أكمل الدراسة المتوسطة والاعدادية في مدينة المقدادية / ديالى عام 1964

حاصل على شهادة البكالوريوس في علوم الاحصاء الدورة الا ولى في العراق، عام 1968

حاصل على شهادة دبلوم عالي في علوم الاحصاء من هولندا/ لاهاي، عام 1973

 حاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في علوم الا حصاء من إنكلترا / جامعة برادفورد عام 1980

عمل أستاذ في جامعة بغداد / كلية لإدارة والاقتصاد / قسم الاحصاء / طيلة الاعوام من 1981 إلى 2007

حاصل على لقب أستاذ عام 2004 ( Professor )

عمل أستاذ في جامعة صنعاء الجمهورية العربية اليمنية، للأعوام 1991-1994

عمل أستاذ في جامعة حضرموت الجمهورية العربية اليمنية، للأعوام 2002-2003

2007-2006عمل أستاذ في الجامعة الهاشمية / عمان / المملكة الأردنية الهاشمية، للأعوام

أصدر العشرات من البحوث العلمية المنشورة في مجلات رصينة، للأعوام 1981-2007

 صدر له كتاب منهجي مقرر يدرس في أقسام الإحصاء في الجامعات العراقية، عام 2001 م، الموسوم القياس المتقدم وهو يدرس لغاية الآن، في الجامعات العراقية.

النشاط المندائي للمؤلف

عضو في المجلس الروحاني الأعلى للصابئة المندائيين في العراق والعالم، منذ عام 1985

 عضو فعال في الوفد الرسمي الديني الذي قام بزيارة الفاتيكان ومقابلة البابا في روما، عام 1990

عضو في مجلس عموم الصابئة المندائيين في العراق لعدة دورات، منذ عام 1997

عضو في مجلس شؤون الصابئة المندائيين في العراق للدورات 1999-2000

عضو في اللجنة السياسية العليا للصابئة المندائيين في العراق، سنة 2004

عضو في اللجنة الاستشارية العليا للصابئة المندائيين في العراق، بموجب كتاب سكرتارية مجلس العموم دي العدد 623

والمؤرخ في 2003/5/27م، أي بعد شهرين من احتلال العراق

 ألقى عدد من المحاضرات الثقافية عن الصابئة المندائيين في نادي التعارف منها بتاريخ 1997/5/9 عنوان "الصابئة المندائيون نبع التوحيد)

ألقى عدد من المحاضرات الدينية الثقافية عن الصابئة المندائيين في مندي القادسية منها بتاريخ2/2/2004 بعنوان (دراسة في الفكر الصابئي المندائي)

رئيس تحرير جريدة "المندا" الصادرة في بغداد للأعوام 2004-2006م

ضمن سلسلة موسوعة الشعب المندائي صدر كتاب بعنوان (جذور الشعب المندائي)، وهي دراسة انثربولوجية احصائية عن أصل الشعب المندائي / صدر في مالمو / عام 2020 عن دار ميزر للنشر والتوزيع

وكذلك ضمن سلسلة موسوعة الشعب المندائي، صدر كتاب الجديد (اضطهاد الشعب المندائي)، وهو دراسة معمقة وموثقة، عن اضطهاد الشعب المندائي عبر تاريخه المجيد

 فأهلاً وسهلاً بالأستاذ الكاتب والباحث د. رفت لازم مشعل، الناشط المندائي المشابر، وكل الحديث للأستاذ الفاضل فليتفضل مشكوراً.

أبتدأ المحاضر أ. د. (رفعت) مرحباً بالحضور الكريم، وتمنى ان ينال اعجاب الحضور بما سيطرح من معلومات جديدة، وبما مر به الشعب المندائي عبر العصور، من أحداث اغلبها مروعة، وقد أثنى كثيراً على كلمة التقديم التي قرأتها وقدمته بالأمسية فيها.

وبعدها أشار قبل البدء بحديثه عن الكتاب وما يحتويه الى انه قد كتب في الصفحة (7) من الكتاب (تنبيه وتنويه قبل الاطلاع على محتويات هذا الكتاب) وسوف أستل منها بعض الفقرات:

((أولا: لابد لي من التأكيد أن ما أعرضه وأسرده وأشرحه في ثنايا هذا الكتاب، هو عن معاناة "الشعب المندائي"، كأفراد أو مجموعات، وليس عن الدين المندائي الشعب الذي تعرض إلى مختلف أنواع الممارسات الإجرامية البشعة والتي امتدت. طوال السنوات الماضية من تاريخه العريق المجيد.

  ثانيا: إن ما يرد لاحقاً من إشارة إلى أحداث وجرائم وممارسات إجرامية، إنما هي ممارسات لسلطات تنفيذية قمعية تتخذ من الأديان وسيلة لتحقيق أهدافها ومخططاتها ومآربها. وليس المقصود فيها عقيدة أو شريعة أو طقوس هذه الأديان التي ترد أسماؤها في محتويات هذا الكتاب إن الإساءة إلى شعائر وعقائد وطقوس الأديان، ليس من قيمي ومبادئي الشخصية، وليس في عقيدتي المندائية التي أتشرف بأني أحد أبناءها، والتي تدعو دائماً إلى المحبة، والخير، والسلام، والمساواة.

لذلك أوكد أني لا أتهم أو أدين أو أنتقد أيا من عقائد أو شرائع أو طقوس هذه الأديان، والتي يرد ذكرها في هذا الكتاب. وإنما أجرم وأدين سلطاتها التنفيذية التي تقوم بهذه الممارسات وأرجو أنْ لا يقيم أو يفسر أو يشار إلى خلاف ذلك.

 ثالثاً: إن ما أذكره في هذا الكتاب عن كل ما يتعلق بشأن العقيدة الدينية للشعب المندائي، هي وجهة نظري الشخصية وقناعاتي التي أتبناها وأعتز بها، ورجال الدين المندائيين ومجالسهم الرسمية، ليس لهم علاقة بما أطرحه بشأن هذا الموضوع، وهي ليست فتوى أو موقف ديني رسمي مندائي فرجال الدين المندائيين، والمجالس التي تجمعهم، هم الأدرى والافهم في الحديث عن الدين المندائي، وبيان الموقف الرسمي في هذا الشأن.))

بعدها واصل حديثة مستعيناً بشاشة كبيرة تنقل ما يود تناوله للحضور لزيادة الفائدة والاطلاع.

بعد حوالي ساعة ونصف من الحديث المتواصل للأستاذ للمحاضر والانتباه والتفاعل الكبير من الحضور الذين شد لكم المعلومات والقصص والاحداث المرعة، فتحت باب المناقشات والمداخلات والاسئلة، وخصص لها نصف ساعة، والتي زادت من حيوية المحاضرة وفائدته. والتي شارك فيها (8) أشخاص بالأسئلة والاستفسارات المتنوعة، أجاب عنها المحاضر، السادة الافاضل المشاركون في المداخلات والاسئلة (أبو سامر/ ماجد ورسن، أبو زيد/ عباس الزهيري، واثق السليم، محمود قصي الخميسي، باسم طالب عبد السادة، أبو سارة/ وجدي ناشي الخميسي، حسان الكيلاني، سلام الخميسي.)

في ختام الأمسية قدمت للضيف المحاضر باقة ورد باسم الهيئة الإدارية للجمعية الثقافة في مالمو. 

  قام مشكوراً بالتسجيل والبث المباشر للأمسية الأخ والصديق العزيز (مناف حلو جابر) له منا أجمل التحايا.

https://www.facebook.com/mandaeska.kultur/videos/952273167425218

***

بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

مالمو / مملكة السويد في 11-05-2026

في سياق أكاديمي يتقاطع فيه التفكير القانوني مع التحولات الرقمية المتسارعة، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة قلعة السراغنة، يوم الإثنين 30 مارس الجاري، لقاءً علمياً متميزاً أطره الباحث والإعلامي الدكتور مصطفى غلمان، حول موضوع: “العدالة الرقمية: هل يستطيع القانون مواكبة هيمنة المنصات؟”، وذلك في إطار الاحتفاء بصدور مؤلفه الجديد “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات”. وقد عرف هذا اللقاء حضوراً وازناً لثلة من الباحثين والأكاديميين، إلى جانب شخصيات دبلوماسية بارزة، من ضمنها قنصل المغرب بإمارة موناكو السيد أحمد بن سعدي، والسيد لوران أنسلمي، وزير العدل ووزير الخارجية السابق بإمارة موناكو، ورئيس ديوان الأمير ألبرت.2594 mustafa

واستُهلت أشغال هذا اللقاء بكلمة افتتاحية ألقاها عميد الكلية الدكتور محمد الغالي، أبرز فيها راهنية الموضوع المطروح، مؤكداً أنه لا ينحصر في حدود العدالة القانونية بصيغها التقليدية، بل يمتد إلى مساءلة عميقة لموقع العدالة في عالم رقمي سريع التحول، تحكمه أنماط تقنية وهوياتية جديدة. وأشار إلى أن هذه التحولات تتقاطع مع سياقات عولمية متسارعة، تتسم بسيولة غير مسبوقة، وتنتج أشكالاً جديدة من التوترات الجيوسياسية والثقافية، مما يفرض إعادة التفكير في أسس التنظيم القانوني. كما شدد على أن طرح سؤال العدالة في هذا السياق يقتضي الحذر من مخاطر الأخبار الزائفة والجرائم المستحدثة، والدفع نحو بناء تقاليد قانونية قادرة على الاستجابة لهذه التحديات.

وفي السياق ذاته، جاءت مداخلة الدكتور سعيد عبد الرحمان بنخضرة، المنسق البيداغوجي لماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات، لتؤسس لرؤية تعتبر الرقمنة إطاراً شاملاً لإعادة بناء مفهوم العدالة، لا بوصفها معطى ثابتاً، بل كحقل دينامي يتفاعل مع التحولات الثقافية والإنسانية. وأبرز أن العدالة الرقمية ينبغي أن تُفهم ضمن أفق التداولية الرقمية، باعتبارها مجالاً يعيد تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، ويستدعي مقاربات متعددة التخصصات، قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع الجديد، بما ينسجم مع خصوصيات المجتمع وتطلعاته.

في هذا الأفق، جاءت محاضرة الدكتور مصطفى غلمان لتفتح أفقاً إبستمولوجياً عميقاً انطلاقاً من سؤال مركزي: هل ما يزال القانون قادراً على تنظيم العالم الرقمي، أم أن المنصات أصبحت الفاعل الذي يعيد كتابة قواعده؟ وقد بيّن أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد امتداد للعدالة التقليدية، بل تحولت إلى مفهوم مركب يشمل عدالة الولوج إلى التكنولوجيا، وعدالة الفرص داخل المنصات، وعدالة الخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتوزيع الانتباه.2593 mustafa

وأكد أن المنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد وسائط تقنية، بل تحولت إلى سلطات فعلية تمارس أدواراً اقتصادية واجتماعية وتنظيمية، دون أن تخضع لنفس آليات المساءلة التي تخضع لها الدولة. وفي هذا السياق، استحضر التحول من “حكم القانون” إلى “حكم الكود”، حيث أصبحت الخوارزميات تمارس سلطة تقريرية تؤثر في الإدراك والسلوك، في غياب شفافية كافية.

كما أبرز المحاضر أن القانون يواجه أزمات بنيوية في مواكبة هذه التحولات، تتجلى في بطء التشريع، وتآكل مفهوم السيادة أمام الفاعلين العابرين للحدود، وغموض المسؤولية داخل الفضاء الرقمي، إضافة إلى انحياز الخوارزميات. وهي تحديات تجعل من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين القانون والتكنولوجيا، بما يسمح بإعادة بناء توازن جديد بين الضبط والحرية.

وفي استحضار للتجارب الدولية، أشار إلى تعدد النماذج في تنظيم المجال الرقمي، بين مقاربة أوروبية تميل إلى التقنين الصارم، ونموذج أمريكي قائم على حرية السوق، وآخر صيني يقوم على سيطرة الدولة، وهو ما يعكس اختلاف الرهانات الفلسفية والسياسية في التعامل مع المنصات.

وخلص إلى أن تحقيق العدالة الرقمية يظل رهيناً بجملة من الشروط، من بينها تعزيز شفافية الخوارزميات، وإخضاع المنصات للمساءلة، وحماية المعطيات الشخصية، وإشراك المجتمع المدني، إلى جانب تطوير أطر قانونية مرنة. غير أن الرهان الأعمق يظل أخلاقياً وفلسفياً، يرتبط بإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل هذا العالم الرقمي.

وقد اختُتم اللقاء بنقاش علمي ثري، عكس انخراطاً عميقاً للحضور في مساءلة الإشكالات المطروحة، حيث تنوعت التدخلات بين مقاربات قانونية وفلسفية وسوسيولوجية، تمحورت حول تحديات تحقيق العدالة الرقمية، وحدود تدخل الدولة، ومخاطر الهيمنة الخوارزمية. كما طُرحت تساؤلات دقيقة حول موقع المجتمعات النامية في هذا التحول، وإمكانية بلورة نموذج وطني يوازن بين الانفتاح التكنولوجي وحماية السيادة الرقمية.

وفي المجمل، أكد هذا اللقاء أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد قضية تخصصية، بل تحولت إلى سؤال حضاري مركزي، يفرض إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين القانون والسلطة، داخل عالم يعاد تشكيله على نحو غير مسبوق.

***

القلعة/ خاص

 

توافد واسع للمندائيين إلى مندي الأجيال في سيدني

في أجواء إيمانية مفعمة بالخشوع والسكينة، شهد اليوم الثالث من مناسبة عيد البرونايا توافد مئات المندائيين والمندائيات إلى مندي الأجيال في منطقة وليشيا في سيدني، لأداء طقوس المصبتا (الصباغة) المباركة، إحدى أهم الطقوس الدينية في الديانة المندائية. ومنذ ساعات الصباح الأولى، توافدت العائلات المندائية إلى المندي للمشاركة في هذه الشعائر الروحية التي أقيمت بإشراف تسعة من رجال الدين الأفاضل، الذين بذلوا جهوداً كبيرة في أداء الطقوس الدينية وخدمة أبناء الطائفة، وسط أجواء يسودها الإيمان والتآخي.2543 bradda

وشهد هذا اليوم أيضاً إقامة دارات للنساء والرجال، حيث شارك الجميع في أداء الطقوس والتواصل الاجتماعي الذي يميز هذه المناسبة الدينية المباركة. كما حرصت العديد من العوائل على تقديم الضيافة والطعام للمصطبغين، صدقةً وثواباً على أرواح موتاهم، في تقليد إنساني يعكس روح التكافل والمحبة بين أبناء الطائفة.

وقد أشاد الحضور بالجهود الكبيرة التي يبذلها كادر مندي الأجيال في تنظيم هذه المناسبة وتوفير مختلف الخدمات لأبناء الطائفة، بما يسهم في إنجاح مراسم البرونايا وإقامة الطقوس الدينية بسلاسة وتنظيم.

وفي ختام هذا اليوم المبارك، عبّر أبناء الطائفة عن شكرهم وتقديرهم العميق لرجال الدين على ما يقدمونه من جهد متواصل في خدمة المندائيين والحفاظ على تراثهم الديني والروحي.

صباغة مباركة للجميع، سائلين من الهيي قدمايي أن يعيد هذه الأيام المباركة بالخير والسلام على أبناء الطائفة المندائية في كل مكان

***

خليل الحلي - رئيس تحرير صحيفة العهد

لم يكن اختتام فعاليات مراكش ألفية الأعلام والعمران في دورتها الثانية مجرد إسدال ستار على تظاهرة ثقافية، بل كان إيذانًا بلحظة وعي جماعي، يُعاد فيها التفكير في معنى التراث، لا بوصفه ماضيًا منقضيًا، بل باعتباره طاقة رمزية حيّة، قابلة لأن تُستنبت في الحاضر وتُستثمر في أفق المستقبل. فمن داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض، تبلورت رؤية ترى في التراث ممارسةً معرفية، لا حنينًا، ومسؤوليةً تربوية، لا مجرد احتفاء.

في كلمته الافتتاحية، شدد الدكتور أحمد شحلان، الأمين العام للتظاهرة، على أن العلاقة بالتراث لا تستقيم إلا إذا أُضيئت بنقد العقل وحرارة الوعي، عبر تثمين خصوصياته المحلية والحضارية، وتوحيد الرؤية حول مقوماته العمرانية والفكرية. فالتراث، كما أكد، لا يُختزل في استحضار الشخوص والأمكنة والأزمنة، بل في إعادة قراءته، وتثبيته في مناهج الحياة اليومية، وتوجيهه ليكون رافعة للتربية، ومصدرًا للوعي، وفضاءً لفضيلة الفخر والانتماء.

وأمام حضور وازن من مثقفين وأكاديميين وإعلاميين، من مدعوي مؤسسة أحمد شحلان للدراسات والأبحاث في معارف الغرب الإسلامي، عبّر شحلان عن أفقٍ استشرافيّ يروم توحيد الرؤية حول أدوار الآداب والفكر المغربي وفنونه في صناعة حداثة متجذرة، تنطلق من معرفة دقيقة بتاريخ البلاد وهويتها الخاصة، دون القطيعة مع أسئلة الراهن أو إغفال دور الشباب في امتلاك هذه المعارف وتوطينها في المنجز المعاصر.2389 ghalman

وشهدت القاعة الكبرى للندوات وقفات تكريمية متعدّدة، لوجوه علمية وثقافية وفنية وقضائية وطبية ودبلوماسية، أسهمت، كل من موقعه، في إثراء الذاكرة المراكشية والمغربية. فجاء التكريم بوصفه فعل اعتراف رمزي، يُعيد وصل الأفراد بسيرورتهم التاريخية، ويمنح المنجز الفردي معنى جماعيًا، تتقاطع فيه المعرفة بالالتزام، والذاكرة بالفعل.

أما الجلسات العلمية، الموزعة على خمسة محاور، فقد فتحت أفق التفكير في الجامعة، والعمران، والفن، والقضاء، والطب، والدبلوماسية، باعتبارها حقولاً متداخلة في تشكيل الوعي الحضاري. فمداخلة الدكتور محمد الكنيدري أعادت الاعتبار للدور التاريخي والعلمي لجامعة القاضي عياض، بوصفها مؤسسة أنتجت الفكر وأسهمت في تدبير الشأن العام. فيما قارب الأديب والمؤرخ محمد رابطة الدين رفقة المهندس المعماري محمد مكريف، عبقرية صومعة الكتبية، لا كمَعْلَم حجري، بل كنصّ بصري مشحون بالرموز، يعكس تلاقي السلطة، والدين، والفن، والزمان.

وفي فضاءات المحاورة، تحولت الشهادات الحية للمكرمين إلى لحظات بوح واستذكار، أعادت طرح سؤال التجربة بوصفها معرفةً مكتسبة، كما في مسار الفنان محمد حمادا، أو الإعلامي والأكاديمي مصطفى غلمان، حيث تداخل الإبداع مع الالتزام الثقافي والمؤسساتي. كما أضاءت مداخلات النقيب عمر أبو الزهور والمحامي عبد الصمد الطعارجي مسار المرأة في القضاء المغربي، باعتباره مسار توهج بطيئًا، لكنه عميق الأثر، يستدعي الأرشفة والاعتراف والتأريخ.

ولم يغب البعد الإنساني العميق عن الملتقى، إذ استحضرت مداخلة الدكتور جمال الدين الأحمدي تاريخ الأوبئة في المغرب، كاشفة عن الوجه الخفي للمعاناة الجماعية، وعن تلازم المرض بالفقر والجفاف والاستعمار، في تذكير صارخ بأن التاريخ لا يُقرأ فقط من زاوية المجد، بل أيضًا من شقوق الألم.

أما المداخلة الدبلوماسية للسفير المكي كوان، فقد أعادت تعريف العمل الدبلوماسي كمسؤولية أخلاقية وصوت وطني، ينتقل من العفوية إلى الوعي، ومن الرأي إلى الموقف، في انسجام تام مع المرجعية الثقافية والهوياتية للدولة.

وهكذا، لم يكن هذا الملتقى تجميعًا لأصوات متفرقة، بل نسيجًا معرفيًا واحدًا، تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، والفكر بالممارسة، والاحتفاء بالمساءلة. لقد أكد، في عمقه، أن التراث ليس ما نملكه، بل ما نُحسن توجيهه، وأن الأمم لا تبنى فقط بما تتذكره، بل بما تحوّله من هذا التذكر إلى وعي، ومن الوعي إلى فعل، ومن الفعل إلى مستقبل قابل للحياة. في المحصلة العميقة، يعلن هذا الملتقى أن التراث ليس ذاكرة تُستدعى عند الحاجة، ولا زخرفًا رمزيًا يكتفي بالتزيين، بل هو فعل وعيٍ مستمر، ومسؤولية تاريخية لا تكتمل إلا حين تتحول المعرفة إلى ممارسة، والانتماء إلى مشروع، والاحتفاء إلى سؤال نقدي مفتوح. إن استشراف المستقبل لا يتم بالقفز على الماضي، بل بإعادة قراءته قراءة حية، تُحرّره من الجمود، وتمنحه قابلية الإسهام في صناعة الغد. وبهذا المعنى، يصبح الفكر، والفن، والعمران، والقانون، والطب، والدبلوماسية، وجوهًا متعددة لرهان حضاري واحد: بناء إنسانٍ قادر على فهم تاريخه دون الارتهان له، وصناعة حداثته دون التنكر لجذوره. إنها دعوة صريحة إلى أن نجعل من الذاكرة قوة اقتراح، ومن الهوية طاقة انفتاح، ومن الثقافة أفقًا للتجدد الدائم، حيث لا يُختتم التفكير، بل يبدأ.

***

مراكش/ خاص

حينما يكون الشتاء في بغداد ذو نكهة مطعمة بالقهوة فيشار بالبنان إلى مقهى " بُنْ رضا علوان " حيث يخيم السكون في حضور الاخرين، وتصمت الأفواه لتعلن فناجين القهوة قرع القطعة التي يضع عليها فنجان القهوة بمختلف الأطعمة. هو تجمع ثقافي " مقهى رضا علوان " يجمع رجالات ونساء بغداد من الفنانين والكتاب والأدباء والممثلين ورجال القضاء ممن تقاعد من الخدمة وبدأ يرتاد مقهى " رضا علون"، أو بعض من العراقيين ممن عاشوا في دول المهجر وعادوا لزيارة العراق ليكون هذا المقهى العريق.. الجديد في ملبسه ومظهره، ملتقى من شمَ رائحة وعبق بغداد، فالمقهى القديم في تراثه وتاريخه، الحديث في بنائه والخدمات التي يقدمها لمن يرتاده، حيث يرقى في خدماته لمقاهٍ عرفت بعراقتها مثل مقهى " ريش " في القاهرة والذي ضم كبار الكتاب والأدباء والشعراء ومنهم نجيب محفوظ وغيره من عمالقة الأدب والفن، أو مقهى الروضة في دمشق الذي كان يرتاده الشاعر العراقي مظفر النواب، أو " مقهى تيمهورتن " في كندا حتى عد هوية ثقافية كندية، أو مقاهي باريس الشهيرة ومن ارتادها وابرزهم الفيلسوف الفرنسي " جان بول سارتر " منها مقهى فلور، ومقهى لي دو ماغو حيث كان يقضي وقته في الكتابة ومناقشة الأفكار مع سيمون دي بوفوار وغيرهم من المفكرين والفنانين، وتعد هذه المقاهي اليوم معالم ثقافية تاريخية وهي في حي سان جيرمان، أو مقهى " فازا " و " مقهى سفياس" في السويد.2258 caf eredaalwan

لقد أحتفل زبائن مقهى رضا علوان قبل أيام في شهر كانون الأول – ديسمبر بمرور ستة عقود ونصف " 65 " عامًا على تأسيس هذا المقهى المشهور بالبن الأصيل.

لم يعد مقهى " رضا علوان " شهيرًا فيما يقدمه من " بُنْ " أمتاز بطعمه واصالته ونكهته فحسب، بل وجود حياة بغدادية لم تفزع من التطور السريع لهذه المدينة العريقة عبر التاريخ في مواجهة الموت خلال عقدين من الزمن التي تحولت إلى بؤر خطرة، حيث كانت بغداد تنأى بنفسها بعيدة عن كل طارئ وفساد في الفكر والقرار الحضاري، لكن بغداد حملت حضور الموت داخل نطاقها، وأحتفظت بنفسها حية داخل نطاق الموت، فنهضت من جديد لتواكب التطور الذي ابعدها عدة عقود من الحرب والتجويع والحصار ثم فوضى ما بعد الدكتاتورية، نهضت بغداد وأولى علامات نهضتها هذا التجمع الثقافي الفكري في مقهى رضا علوان بكل فروعه في الكرادة والاعظمية وشارع الضباط في زيونه والمنصور وغيره من الفروع الآخرى.

عُد مقهى رضا علوان في بغداد محفل ثقافي فلسفي أدبي تراثي ففيه يتحول الجانب السلبي إلى إيجابي بدرجة متساوية لأن البيئة الثقافية السائدة تجعل سمة الإحترام هي السائدة بين الرجال والنساء، بين المتعلم بثقافة متخصصة، والمتعلم بفنون الحياة المختلفة والمتنوعة، حيث يجد رواد هذا المقهى تلك الشريحة من المجتمع العراقي التي ابتعدت عن ضوضاء الشارع إلى صمت لا يكسره غير قرع فنجاين القهوة، وما أجمله حين يلاطف صوت الموسيقى الهادئ المتسرب عبر آذان لا يرتفع فيها صوت غير همسات المتحدثين بكلمات ثقافية، أو أدبية أو هموم الحياة خارج قاعات المقهى التي أمتلأت بالمقاعد ثنائية الكراسي مع المنضدة المدورة أو المربعة، أو ثلاثية الكراسي، أو رباعية الكراسي، وفي بعض الأحيان ضمت مقاعد بغدادية بأقمشة من تراث العراق من شماله إلى جنوبه بألوانها الزاهية، ومما يلفت الإنتباه ان صاحب المقهى ولنقل الوريث الشرعي لهذا المقهى الاستاذ "علاء رضا علوان" يجالس الحضور ويقدم ضيافته مع كل مجموعة يجلس معها، وفي أحيان كثيرة يكون شريك في الحوار، أو منصت للاستماع لتلك الحوارات الراقية وهذا عمق العلاقة بين رواد المقهى وصاحب المحفل الحضاري الثقافي.

يشعر الزائر أن " مقهى رضا علوان" البغدادي به عمق من الحضارة في يومنا الحاضر، يرسل فكره إلى حضارة سومر وأكد وآشور، وإلى حضارة بغداد الرشيد، وحضارة الملتقى الفكري الديني بالمذاهب التي شكلت تأويل النص القرآني بما يتناسب تطور الحضارات فكان الشيخ عبد القادر الكيلاني، وأبو حنيفة النعمان، وأحمد بن حنبل، والجنيد البغدادي، والامامين في الكاظمية علامة حضور في هذه المدينة العريقة بتاريخها وأرثها وثقافتها الجاذبة عبر التاريخ لكل زائر، فأقام فيها وأنتمى لها وأصبح من أهلها.

هذا الملتقى جمع المثقف اليساري المعاصر مع المتدين بأي مذهب من المذاهب الاسلامية بلا حوارات دينية، أو سياسية، والأكثر عجبًا أن المقهى ضم جماعات بغدادية أصيلة يشكل حضورها وجودًا ضمن نسيج بغداد الأصيل هم النصارى – المسيح الذين اشتهرت بغداد بوجودهم وتآلفهم مع الاقوام الأخرى التي سكنت بغداد فكان الحوار في هذا المقهى ينبثق عنه معرفة جديدة تسعى إلى شفاء النفوس من بقايا عقود الحروب والحصار والفوضى ما بعد الدكتاتورية، هذا الحوار الهادئ يرفع غشاوة اللبس في ما يعتقده البعض بأنه الصحيح وغيره خطأ، هذا الحوار الذي يخفف من شدة الاختلاف وهو ما نراه يؤدي إلى الحكمة في أجواء هذه المقهى – المحفل الثقافي العريق وفي اعتقادنا وممن حضر إلى هذا المكان العريق بأنه سيكون يومًا خليقًا للتأمل بقضايا الواقع العراقي الذي بدأ ينهض من جديد لكل من المثقف ورجل السياسة، ورجل الدين، والمتقاعد من الوظيفة، واليساري، والمعلم بكل مراحل الدراسة من الابتدائية إلى الدراسة المتوسطة، إلى الدراسة الثانوية ثم الدراسة الأكاديمي الجامعية، فضلا عن حضور طلبة الدراسات العليا، لا باعتبارها معلمًا حضاريًا – ثقافيًا فحسب، بل لأن الهدوء وصمت المكان جدير بإنتاج أفكار متقدمة في التخصص العلمي للدراسات العليا.. لذا علينا في مقهى رضا علوان أن نترك الجدل النظري جانبًا، وأن نقبل على الوقائع عن كثب لعلنا نصل إلى رأي حاسم ينطلق من ملتقى مقهى رضا علوان في البناء والمعاني والتي تنطوي عليها ثقافة جديدة في المجتمع البغدادي.

***

د. اسعد الامارة

أُسدل الستار على الدورة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم الذي انطلقت فعّالياته للمدة من    4 - 10 ديسمبر 2025 بمشاركة 50 فيلمًا في المسابقات الرئيسة الأربع التي جمعت بين الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة والأفلام القصيرة إضافة إلى المسابقة التقنية المُستحدثة. كما أفردَ القائمون على المهرجان تكريمات وإشادات لعدد من التجارب المكرّسة والمواهب الإبداعية الشابة.

جرت وقائع الحفل الاختتامي في المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي بحضور عدد من الشخصيات الرسمية المهمة إضافة إلى عدد غير قليل من الشخصيات الثقافية والفنية الجزائرية والعربية والعالمية.2208 alglers

مُنحت جائزة الجمهور، في مُستهل حفل توزيع الجوائز، للفيلم الروائي القصير (حركة الفهود السود الأمريكية في الجزائر) Black Panthers of Algeria للمخرج الجزائري محمد أمين بن لولو . يتمحور الفيلم على تأثير حركة التحرر الأفرو - أمريكية على الثورة الجزائرية ودور الجزائر كمركز لحركات التحرر العالمية. كما حصل فيلم (عسّاسات الليل) Gardiennes de nuit للمخرجة والمونتيرة الفرنسية - الجزائرية نينا خدة. تدور قصة هذا الفيلم الروائي القصير على فتاة شابة تبلغ من العمر عشرين عامًا ترافق جثمان جدتها إلى الجزائر وما إن تصل إلى هناك حتى تُثنيها العائلة عن حضور الجنازة.أمّا لجنة تحكيم المسابقة التقنية فقد أسندت جائزة اللجنة إلى فيلم (الضحية صفر) The Victim Zero للمنتج والمخرج الجزائري أمين بن ثامر وهو إنتاج مشترك بين الجزائر وفرنسا وتونس. يركز الفيلم على شبكة إجرامية خطيرة تستغل المدمنين بطريقة بشعة حيث يحصلون على المخدر مقابل جلب أطفال من محيطهم الاجتماعي.

ارتأت لجنة تحكيم المسابقة التقنية أن تمنح فيلم (مشية الغُراب) The Walk of Crow  تنويهًا خاصًا للمخرج الجزائري خالد بن طبّال. يتناول الفيلم ثنائية الحضارة القادمة من الغرب والتمسك بالأصول العربية المحافظة على حُب الوطن وتراث الآباء والأجداد. فيما نال فيلم (الوشاح الأسود)  Black Scarf للمخرج الإيراني علي رضا شاه حسيني تنويهًا خاصًا أثار فيه مشاعره العميقة فشكر القائمين على المهرجان ولجنة المسابقة وكل الذين دفعوه لإنجاز هذا الفيلم المحرِّك للمشاعر والأحاسيس. يتمحور فيلمه على مجموعة من التلاميذ يطلبون من معلّمهم شيئًا بسيطًا يغيّر كل شيء بشكل غير متوقع في قرية هادئة معزولة. فيما افتخر المهرجان بمنح الجائزة التقنية الكبرى لفيلم (العودة إلى المدينة) Back to Town للمخرج الجزائري جمال لكحل. تدور ثيمة الفيلم حول شابين يحلمان بتأسيس فرقة روك ويلتقيان بعجوزين سبعينيين أسسا فرقة Play-boys فيحدث بينهما تفاعل جميل يشعل شغفهم بالمسرح من جديد بعد مرور خمسين عامًا. كما منحت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية تنويهًا خاصًا لفيلم (حيو المغنية المتمردة) Haiyu Rebel singer Mariem Hassan للمخرجين الأربعة آنا كلارا أهرين،ابراهيم ب. علي، محمد سالم وارد وأليكس فيتش. يوثِّق هذا الفيلم حياة المغنية الصحراوية مريم حسن بوصفها مصدر إلهام وكفاح لشعب الصحراء الغربية من أجل الحرية.2209 alglers

فيما أسندت لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي جائزتها لفيلم ( لا أحد يُولد ليُداس) No Man Is Born to Be Stepped On) للمخرجة الجزائرية - الفرنسية ناريمان بابا عيسى والمخرج الفرنسي - البرتغالي لوكاس روكسو. يوصف هذا الفيلم بأنه (تصويري وصوتي يجمع بين الطابع الجمعي والشاعري ويقدّم تجربة حسيّة في الذاكرة الشعبية البرازيلية) أمّا الجائزة الكبرى للفيلم الوثائقي فقد فاز بها فيلم (عنّاب) Annab للمخرج الجزائري عبد الله قادة. يرصد الفيلم حياة الفلاحين بمدينة (عنابة)، شمال شرقي الجزائر وتشبثهم بالأرض رغم تهديد الإرهاب الذي سينتكس بعد مدة من الزمن.

أسند الجمهور جائزته إلى الفيلم الروائي الطويل (حَدّة) Hadda للمخرج الجزائري أحمد رياض الذي يتنقّل بين الإخراج والإنتاج والتمثيل. تعود بنا قصة هذا الفيلم إلى (حَدة) الممرضة التي أقامت في بيت مهجور وحوّلته إلى مكان لتطبيب الجرحى كما تعلِّم الفتيات على الإسعافات الأولية وتربط القرى بجبهات القتال إبّان حرب التحرير. كما مُنحت جائزة الابتكار التقني للفيلم الروائي الطويل (الساقية) La Saguia للمخرج الجزائري نوفل كلاش المعروف بتقنية التحريك ثلاثي الأبعاد. يدور هذا الفيلم حول مأساة الجزائريين خلال الثورة التحريرية في منطقة ساقية سيدي يوسف التي تقع على الحدود الجزائرية التونسية حيث تضرر كلا الطرفين جراء القصف الوحشي الفرنسي.

تُوِّج الفيلمان الطويلان (أحلام عابرة) Passing Dreams   للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي و (قرية قرب الجنة)  The Village Next to Paradise للمخرج الصومالي مو هاراوي بجائزة الابتكار التقني لأنهما يسلّطان الضوء على قوّة السرد السينمائي وتنوّع الرؤى التي حملتها أفلام هذه الدورة. يدور فيلم مشهراوي حول الطفل سامي الذي يقوم برحلة تمتد إلى يوم وليلة بحثًا عن حمامته في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية. بينما تتمحور قصة فيلم (قرية قرب الجنة) على رجل يسعى لتأمين حياة أفضل لعائلته فيضطر إلى نقل ابنه إلى مدرسة بعيدة عن قريته على أمل الحصول على شهادة تتناسب مع موهبة الطفل وذكائه الحاد في تلك المضارب. أمّا الجائزة الكبرى للفيلم الروائي الطويل فقد حظي بها فيلم (رُقْية) للمخرج الجزائري يانيس كوسيم المعروف بأسلوبه الذي يجمع بين الواقعية والتجريب. وفي فيلم (رُقْية) يعود أحمد إلى قريته عام 1993 إثرَ حادث سيارة  يُفقده الذاكرة فلا يتعرّف على أفراد أسرته. ثم يلجأ إلى راقٍ عجوز يفتح له الباب على رعب نفسي ورمزي مرتبط بالذاكرة والماضي الدموي للجزائر.2210 alglers

وما دمنا في إطار الجوائز والتكريمات فقد كرّم القائمون على المهرجان جمهورية كوبا بوصفها ضيف شرف المهرجان وتسّلم درع التكريم السفير الكوبي هيكتور إيغارزا كابريرا وأكدّ على أنّ المهرجان السينمائي الجزائري هو بمثابة (فضاء قوي لتعزيز التبادل والتقارب الثقافي بين الشعبين اللذين يجمعهما تاريخ مشترك عريق). كما شمل التكريم شخصيات أربع فنية وسينمائية  وهم المُخرج والمُنتج الفلسطيني حنّا عطا الله، والمترجمة إيلين مختفي، والمخرجة الألمانية مونيكا ماورر والسينارست والشاعر الجزائري توفيق فارس.

تألفت لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة من خمسة مخرجين ونقاد سينمائيين وهو المخرج الجزائري كريم طرايدية رئيسًا وعضوية المخرج الكوبي أوكتافيو فراغا غيرا والمخرج التشيكي بيتر فاتسلاف والمخرج الإيطالي روكو كالاندرييلو والسينمائية الموريتانية سعاد حسين. بينما تألفت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية من المخرجة الألمانية مونيكا ماورر رئيسًا وعضوية الناقد السينمائي سليم البيك وعضوية المخرج الهندي بارثو سين- غوبتا. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الروائية القصيرة فتألفت من الناقدة السينمائية اللبنانية - الفرنسية هدي ابراهيم  والسينمائي السوداني طلال عفيفي والفنانة والكاتبة الجزائرية نورة حمدي. بينما تشكّلت اللجنة الرابعة والأخيرة وهي لجنة التحكيم التقنية من ثلاثة سينمائيين وهم المخرج والسينارست رشيد بن علّال رئيسًا وعضوية مدير التصوير حمودي العقون ومهندس الصوت كمال مكسر. وعلى الرغم من احترافية أعضاء اللجان الأربع إلّا أنّ غالبية الجوائز قد ذهبت صوب الأفلام الجزائرية التي حصلت على حصة الأسد بينما خرجت بعض الأفلام المهمة بلا جوائز مثل فيلم (قصة الخريف) للمخرج المصري كريم مكرّم، و (أناشيد آدم) للمخرج العراقي - الأمريكي عُدي رشيد.

***

الجزائر: عدنان حسين أحمد

تنطلق فعّاليات الدورة الثانية عشرة من (مهرجان الجزائر الدولي للفيلم) للمدة من 4 لغاية 10 ديسمبر/ كانون الأول / 2025 في تظاهرة سينمائية متميزة بذل فيها القائمون على المهرجان جهودًا كبيرة من أجل أن تكون السينما حلقة وصل ثقافية بين الشعوب، وفضاءً رحبًا يجمع المخرجين والمنتجين والفنانين ونقّاد السينما والصحفيين والجمهور أمام الشاشات الكبيرة على مدى أيام المهرجان الستة.

وبين فيلم الافتتاح (غطّاسو الصحراء) (نسخة مُرمّمة)1952 للمخرج طاهر حناّش وفيلم الاختتام (صوت هند رجب) 2025 للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة يعرض المهرجان 99 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وقصيرًا ليصبح العدد (101) فيلم تنقسم إلى قسمين رئيسيين حيث يُشارك 50 فيلمًا في المسابقات الرسمية الثلاث كالآتي: 16 فيلمًا روائيًا طويلًا و14 فيلمًا وثائقيًا و20 فيلمًا قصيرًا. أمّا القسم الثاني الذي يضمّ 49 فيلمًا خارج المسابقات الرسمية، ما عدا فيلميّ الافتتاح والاختتام، فتتوزع بالشكل الآتي: 6 أفلام كوبية بوصفها ضيف شرف المهرجان، و8 أفلام فلسطينية، و22 فيلمًا من بانوراما الجزائر و10 أفلام من بانوراما الجنوب العالمي و3 أفلام تمثل (سينما العلوم والمعرفة) وهي الفقرة الجديدة التي أضافها المهرجان في دورته الثانية عشرة. وسوف تُعرض هذه الأفلام (المئة وواحد) في خمس قاعات عرض وهي على التوالي: (قاعة ابن زيدون، قاعة بيتا -كوسموس، قاعة السينماتيك، قاعة المسرح البلدي الجزائر العاصمة، وقاعة الجزائرية).2175 algiers

مسابقة الأفلام الروائية

تتضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة 16 فيلمًا وصفها القائمون على المهرجان بـ (ستة عشر عالما، حيث يلتقي الحميمي بالتاريخ، في تشكيلة تعكس تنوّع الرؤى في الجنوب العالمي، من ضفاف المتوسط إلى أقاصي آسيا) وهي على التوالي: (رقيّة) للجزائري يانيس كوسيم، و(بين وبين) لمحمد لخضر تاتي، و(عشّاق الجزائر) لمحمد شارف الدين قطيطة، و(الساقية) لنوفل كلاش، و(ورقة 200 دينار)لـ لمين عمّار خوجة، و(بعد النهاية) للأرجنتيني بابلو سزار، و(القرية بجوار الجنة) لمو هاراوي، و(ود) للتونسي الحبيب مستيري، و(أناشيد آدم) للأمريكي من أصول عراقية عُدي رشيد، و(أبولون نهارًا، أثينا ليلًا) للتركي أمين يلدريم، و(حيث يوجد الحب، لا يوجد ظلام) للفرنسي ستيفان لي مرافوفيتش، و(الرجل الذهبي) للكازاخستاني توردبيبك مايدان، و(أحلام عابرة) للفسطيني رشيد مشهراوي، و(قصة السقوط/قصة الخريف) للمصري كريم مكرم، و(الحرير الأحمر) للمخرج الروسي أندريه فولغين، و(حدة ) للجزائري أحمد رياض. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة فتتألف من المخرج الهولندي من أصول جزائرية كريم طرايدية رئيسًا وعضوية الكوبي أوكتافيو فراغا غيرا، والتشيكي بيتر فاتسلاف، والإيطالي روكو كالاندرييلو والناقدة الفنية الجيبوتية سعاد حسين.2176 algiers

مسابقة الأفلام الوثائقية

أما مسابقة الأفلام الوثائقية فتشتمل على 15 فيلمًا وهي على التوالي: (أكناو) للجزائرية حورية حمادوش و(عنّاب) للجزائري عبدالله قادة، و(مَنْ سيطرق باب منزلي) لمايا نوفاكوفيتش من البوسنة والهرسك، و(العودة إلى المدينة) للجزائري لجمال لكحل، و(يوميات لبنان) للبنانية مريم الحاج، و(هايبو المغنية المتمردة) لآنا كلارا أهرين، وابراهيم ب. علي، ومحمد سالم ورّاد، وألكس فيتش، و(خدمة الموت) للجزائري الخير زيداني، و(سودان تُذكِّرنا) للتونسية هند مدب، و(أغنية السامي من أجل البقاء) للأمريكي يارا لي، و(مع حسّان في غزّة) للفلسطيني كمال الجعفري، و(السيد والخادم) للإيطالي روبرتو كارو، و(لا يولد أي إنسان ليداس) للبرازيلية ناريمان بابا عيسى ولوكاس روكسو، و(نانكوازو) خورخي فونتيس للكوبي خورخي فونتيس، و(رفعتُ عيني للسماء) للمصريين ندى رياض وأيمن الأمير. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية فتتألف من المخرجة الإيطالية مونيكا ماورر، والفلسطيني سليم ألبيك، والهندي بارثا سين غوبتا. وفيما يتعلق بمسابقة الأفلام القصيرة فإن العدد قد بلغ 20 فيلمًا نذكر منها (على قيد الحياة) لمحمد مصباح و(الوشاح الأسود) لعلي رضا شاه حسيني، و(عساسات الليل) لنينا خدة، و(سرّ جدتي) لنورهان عبد السلام، و(الفهود السود في الجزائر) لمحمد أمين بن لولو، و(عالحافة) لسحر العشي، و(الخسارة) لروول مونخي، و(مشية الغراب) لخالد بن طبال، و(المجهول) لأحمد زيتوني، و(سيكا) لعيسى تياندرابيوقو. أمّا لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة فتتألف من هدى ابراهيم رئيسًا، وهي ناقدة سينمائية لبنانية مقيمة في باريس وعضوية طلال عفيفي منتج سوداني ونورة حمدي وهي فنانة وكاتبة جزائرية مقيمة في باريس أيضًا.

***

الجزائر / عدنان حسين أحمد

من بغداد إلى مراكش..

في حفل مهيب وبحضور عدد من الأساتذة والباحثين المشاركين في المؤتمر الدولي حول "التكنولوجيا الرقمية: صون الهويّة والثقافة الوطنية"، ووسط تفاعل وحماسة طلابية، كرّمت جامعة القاضي عيّاض خمسة مبدعين بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة (مراكش – المغرب) بالتعاون والمشاركة مع مؤسسة كش بريس الإعلامية، لدورهم المتميّز في إغناء الحركة الفكرية والثقافية على الصعيدين العربي والعالمي، ولمساهمتهم في الدفاع عن قيم الحريّة والسلام والعدالة.

والمكرّمون الخمسة هم:

1-  المفكّر والأكاديمي العراقي د. عبد الحسين شعبان.

2-  المفكّر والإعلامي السوري د. صبحي حديدي.

3-  المحامي البريطاني من أصول أفغانية د. مالك منصور.

4-  رئيس المجلس الأعلى للغة العربية بأفريقيا د. حسب الله مهدي فضلة من تشاد.

5-  المحامي والأكاديمي المغربي د. محمد حركات.2164 ghalman

الجدير بالذكر أن المؤتمر الذي انعقد في الجامعة ما بين 21 – 23 نوفمبر / تشرين الثاني 2025، وشارك فيه نخبة من الخبراء والأكاديميين من المغرب وتركيا ومصر وموريتانيا وتونس وتشاد وسوريا والعراق، ونظمت على هامشه حلقات نقاشية وندوات وورش عمل وتوقيع كتب، التأم بافتتاح د. مصطفى غلمان رئيس مؤسسة كش بريس الإعلامية ومدير مركز عناية بالمغرب ود. محمد الغالي عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، تناول عددًا من المواضيع بخصوص مفهوم الحكامة الرقمية والطغيان الرقمي والقانون والذكاء الاصطناعي والتعليم والهويّة الثقافية والرقمية والإعلام والمحاماة والعدالة والتراث والخطاب الرقمي والفن والذكاء الاصطناعي وصراع المعنى في العصر الرقمي والدين والهويّة في زمن التحوّل الرقمي.

وفي سؤال وجّهناه إلى المفكّر والأكاديمي العربي د. عبد الحسين شعبان، قال بخصوص فاعليات المؤتمر: إنه لأمر مهم أن تبحث الدول العربية ودول الجنوب وعموم البلدان النامية في مخاطر استخدامات الذكاء الاصطناعي من جانب القوى المتنفّذة في العلاقات الدولية، لاسيّما تلك التي تملك مقدّرات الذكاء الاصطناعي، الذي يُعدّ ثورة حقيقية فاقت كلّ ما سبقها وكل ما سيأتي بعدها إنما هو من نتاجاتها واكتشافاتها، خصوصًا ونحن على عتبة الطور الخامس للثورة الصناعية.

وأشار شعبان إلى أن العالم خلال القرون الخمسة ونيّف المنصرمة شهد اكتشافات كبيرة ساهمت في تطوير البشرية، ولعلّ أهمها اكتشاف الطباعة والمحرّك البخاري والكهرباء والبنسلين والحمض النووي، إلّا أن الذكاء الاصطناعي هو التتويج الحقيقي لكلّ ما أنجبته البشرية، ففي ضربة زر واحدة يمكن الوصول بلحظات إلى أكثر من ثلاث مليارات إنسان، أي نحو نصف البشرية.

وفي سؤال آخر حول حيثيات الذكاء الاصطناعي قال شعبان وهو العراقي، إن فضله يعود إلى الخوارزمي الذي عاش في بغداد قبل ما يزيد عن ألف عام، وهو عالم الرياضيات ومكتشف اللوغاريتميات، إضافة إلى كونه عالم فلك وجغرافيا، ولكن الاستخدام الحديث للذكاء الاصطناعي، وعلى أساس نظرية الخوارزمي كان في بريطانيا حين تمّ فك رموز شيفرة الجيش الألماني النازي خلال الحرب العالمية الثانية على يد العالم ألين تورينغ في العام 1943، وقد تطوّر هذا الاكتشاف ليصبح بعد الكومبيوتر والحواسيب والطفرة الرقمية "الديجيتال" وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام واتّساع وسائل التواصل الاجتماعي ليصبح ثورة كبرى صبّت فيها جميع روافد الثورات العلمية السابقة عبر تقنيات فائقة السرعة متجاوزة القدرات البشرية.

وإذا كانت ثمة مخاوف كما يقول العالم العراقي من استخدامات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية فيما يتعلّق بالحروب وتطوير الأسلحة بما فيها المحرمة دوليًا، وكذلك في الجرائم ونشر الكراهية والتعصّب ووليده التطرف بما يؤدي إلى العنف والإرهاب، فضلًا عن التلاعب بمقدرات الأمن الوطني وخصوصيات الناس وتزويرها وتشويهها بما يسبب الفوضى ويُضعف الهويّة لحساب القوى الدولية المتنفذة، أقول فإن فوائده كثيرة إذا ما جرى وضع ضوابط قانونية وأخلاقية له، على الصعيدين الداخلي والدولي، وتتجلّى هذه الفوائد العظمى في مجالات الصحة، لاسيّما في تشخيص الأمراض واكتشاف علاجات ناجعة قبل استفحالها، إضافة إلى الإنذارات المبكّرة بخصوص تغيّرات المناخ، ناهيك عن مجالات التعليم والصناعة والزراعة والتواصل بين البشر وتحسين حياتهم.

لذلك يدعو شعبان إلى إعداد مدوّنات وطنية ودولية، وإقامة تحالفات بين المستضعفين كي لا يُستغلوا من جانب المتصارعين الكبار، لاسيّما على المستوى الدولي، علمًا بأن الصراع المحموم والماراثوني بين الولايات المتحدة والصين بدأ، ولا يعرف إلّا الله أين سينتهي.

ويواصل شعبان قوله: من يمتلك مفاتيح الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم، مثلما قيل في الحرب العالمية الأولى من يضع يده على النفط سيسيطر على العالم، وهو قول صحيح، لأن هذا الأخير سيكون عاملًا حاسمًا في الحرب، ويشكل مادة أساسية لوقود المركبات وبنزين الطائرات والغواصات، ويُعتبر الصراع في القرن العشرين كلّه، إنما هو صراع حول النفط ومصادر الطاقة من الإنتاج إلى الأسواق والاسعار وطُرق المواصلات وغير ذلك. وبالطبع سيكون الذكاء الاصطناعي هو المفتاح السحري في الهيمنة على العالم، حيث ستتحكّم الآلات والروبوتات بالعالم إن لم يجرِ وضع تقنينات لها، خصوصًا حين يتمّ تلقيمها بالمعلومات، إذْ عند حدوث أية أخطاء فيمكن أن تؤدي إلى فناء البشرية أو تدمير قسمها الأكبر وترك العالم في خراب كامل خلال فترة قصيرة، لهذه الأسباب فهو يدعو إلى إحداث توافق دولي وتفاهم أممي يكون فيه لدول الجنوب صوتًا لا ينبغي تجاهله.

وقد اختتم شعبان محاضرته التي ألقاها في المؤتمر بالتحذير من الاستهانة بهذا التطوّر العاصف، والذي يفوق حدود التصوّر البشري، حيث ستتحكّم بنا وتسيطر على عقولنا وتتزوج نسائنا أو تتزوج رجالنا، كما تقول ناشطات نسويات، إن لم يتم أنسنة الذكاء الاصطناعي، بحيث يحترم حق الحياة والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والحيلولة دون توظيفه بالضدّ من ذلك، وإلّا فإن الكارثة ستحصد كلّ شيء في طريقها ويكون الذكاء الاصطناعي عامل هدم بدلًا من كونه عامل بناء وتنمية وعمران وتقدم وخير وعدل.

وأكّد شعبان إلى أن المؤتمر اتّخذ طائفة من القرارات والتوصيات فيما يتعلّق بوضع ميثاق وطني لحماية الهويّة الثقافية رقميًا، خصوصًا حماية اللغات الوطنية والذاكرة المشتركة والرموز المتميّزة، الأمر الذي يقتضي إدماج التربية والتعليم والجامعات في عملية التفكير النقدي والمعرفة النقدية القادرة على مواكبة التحولات الرقمية، وإصلاح الإعلام وإدماجه بالذكاء الاصطناعي كأداة للتدقيق والتحليل والتربية على المواطنة، وكلّ ما من شأنه إحداث وعي جديد وتكوين ثقافة تكنولوجية متينة وعقلانية وهدفها خدمة الإنسان.

***

قلعة السراغنة/ خاص

اختُتمت بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، يوم السبت 22 نونبر 2025، أشغال المؤتمر الدولي الأول حول "التكنولوجيا الرقمية.. صون الهوية والثقافة الوطنية"، الذي نظم بشراكة بين الكلية ومؤسسة "كش بريس" الإعلامية، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء المهتمين بقضايا الرقمنة والتحولات الثقافية.

وعرف المؤتمر، الذي امتد ثلاثة أيام، نقاشاً واسعاً حول أثر التكنولوجيا الحديثة على الهوية الوطنية، في سياق عالمي تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتزايد فيه المخاطر المرتبطة بإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتغيير أنماط إنتاج الثقافة وتداولها. واعتبر المشاركون أن تحديات العصر الرقمي لم تعد تقنية فحسب، بل تشمل أسئلة جوهرية تتعلق باللغة والذاكرة والانتماء، بما يجعل حماية الهوية ضرورة استراتيجية لضمان استمرار السردية الوطنية وسط عالم يعيد إنتاج الثقافة وفق شروطه الخاصة.2161 ghalman

وصدر في ختام المؤتمر بيان تضمن حزمة من التوصيات العملية، همّت ثمانية محاور رئيسية:

في محور الهوية الوطنية، دعا المشاركون إلى إعداد ميثاق وطني للهوية الرقمية، وإطلاق برنامج للأمن الثقافي الرقمي يرصد التهديدات، إضافة إلى دعم الإنتاج الثقافي الرقمي المحلي.

وفي مجال التعليم والجامعة، أوصى البيان بإعادة تصور وظيفة المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي، وإحداث تخصصات جامعية في فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير مناهج تراعي المهارات الرقمية والخصوصية الثقافية.

أما على مستوى التشريع والحقوق الرقمية، فقد طالب المؤتمرون بتحيين الإطار القانوني المرتبط بالذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية، واعتماد مدونة للأخلاقيات الرقمية توازن بين حرية التعبير ومحاربة الانتهاكات الرقمية.

وفي الجانب المعرفي والفكري، دعت التوصيات إلى تشجيع الأبحاث الفلسفية والسوسيولوجية حول أثر التكنولوجيا على الإنسان، وإحداث مرصد وطني لتحولات القيم الاجتماعية في الفضاء الرقمي.

وشملت التوصيات أيضاً محور اللغة والتراث، حيث تمت الدعوة إلى رقمنة التراث الوطني وتعزيز حضور اللغتين العربية والأمازيغية في الفضاء الرقمي ودعم الذكاء الاصطناعي المحلي.

وفي مجال الإعلام والمجتمع، شدد البيان على ضرورة إصلاح المنظومة الإعلامية بإدماج أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التربية على المواطنة الرقمية، وحماية الفضاء العمومي من التضليل والخطابات المتطرفة.

كما أوصى المؤتمر بتقوية السيادة الرقمية عبر تطوير أدوات وطنية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، واعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، وتشجيع الابتكار الرقمي المحلي.

أما في ما يخص العدالة الرقمية، فتم التأكيد على ضرورة تقليص الفجوة الرقمية بين الجهات، وتمكين النساء والشباب من فرص البحث والابتكار، وتعزيز خدمات الدولة الرقمية لترسيخ ثقة المواطنين في المؤسسات.

واعتبر البيان الختامي أن هذه التوصيات تشكل "أجندة وطنية أولية" لمواجهة تحديات العصر الرقمي وصون الهوية المغربية في زمن الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى استمرار العمل الأكاديمي والمؤسساتي من أجل تطوير هذه الرؤية وتعزيزها في الدورات المقبلة.

وختم المنظمون بالإعلان عن تطلعهم إلى تنظيم نسخة ثانية من المؤتمر بآفاق بحثية أوسع وأسئلة أكثر جرأة، وبما يعزز حضور المغرب كفاعل في إنتاج المعرفة الرقمية لا كمستهلك لها.

***

قلعة السراغنة/ خاص

المجلس الفكري الـ12 بمراكش

 خــــــاص: التأم أمس بمراكش، المجلس الفكري ال12 الذي يحتفي فيه حماة اللغة العربية للائتلاف الوطني من أجل لغة الضاد والمؤسسة الإعلامية المغربية كش بريس، بالمشاريع الثقافية الرائدة، منفتحة على التجارب والنصوص المتاخمة للعمق والتغيير وقنص المعنى.

النسخة الجديدة من المجلس استضافت الروائي والسيميائي المغربي جمال بندحمان، من أجل تسليط أضواء ثرى حول مثنيه السرديين: "محنة ابن اللسان" و"يوبا أعراب"، حيث شارك اللقاء كل من المترجم والناقد محمد ايت لعميم، والباحث والإعلامي مصطفى غلمان، والأكاديمي والناقد عبد العزيز لحويدق، والباحث والكاتب عبد الحكيم الزاوي.

في مستهل المجلس الفكري الثاني عشر لتنسيقية الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بمراكش، أشرقت الجلسة الافتتاحية بكلمةٍ دافئة ألقتها الشاعرة والباحثة فوزية رفيق، لتضع الحضور في عمق الرؤية الفكرية التي تؤطر هذا اللقاء الثقافي الرفيع.

انطلقت رفيق من الوعي العميق بأدوار الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، باعتباره مشروعًا رساليًا ينهض بمهمة صون اللغة والهوية ونشر المعرفة العربية، وبناء جسورٍ حقيقية بين المجتمع والنخب الفكرية. ورأت أن مثل هذه المجالس الفكرية ليست مجرد تظاهراتٍ ثقافية، بل هي أفعال مقاومة رمزية ضد النسيان وضدّ التفاهة، لأنها تُعيد للغة ألقها، وللثقافة المغربية عمقها الإنساني والحضاري.

وأكدت الشاعرة أن مشروع حماة اللغة العربية لم يعد حلماً مؤجلاً أو شعاراً عاطفياً، بل تحول إلى رؤية ممتدة في الوعي الجمعي، تسعى إلى ملامسة جذور الهوية داخل المجتمع المغربي، وتغرس في الأجيال القادمة حبّ الكلمة وإيمانها بالمعنى. فهذه اللقاءات، تقول رفيق، ليست ترفاً فكرياً، بل رسالة مستمرة لإحياء روح الانتماء وتوطين المعرفة، حيث تتحول اللغة إلى أفق للكرامة وفضاء للفعل الثقافي الحر.

وفي لحظة شديدة التأمل، وقفت الشاعرة عند دور المثقف ومسؤوليته التاريخية في مواجهة الإكراهات الراهنة، معتبرة أن الصبر على المعيقات المادية والظروف الموضوعية هو جزء من جوهر الفعل الثقافي الصادق، وأن المثقف لا يُقاس بما يملك من أدوات، بل بما يحمله من قيمة ورسالة وإيمان بالإنسان. كما ذكّرت بأن المنح الربانية لا تأتي إلا لمن آمن بالعطاء والإيثار والمثابرة، لأن الثقافة ـ في جوهرها ـ حركة أخلاقية قبل أن تكون إنتاجًا معرفيًا.

بهذا الحضور الشاعري المتوهّج، افتتحت فوزية رفيق المجلس بلحظةٍ من النور والوعي والوفاء للغة العربية، لتمنح النقاش اللاحق عمقه الروحي والمعرفي، قبل أن يتوالى على المنبر عدد من النقاد والمفكرين لتناول تجربة الدكتور جمال بندحمان في روايتيه «محنة ابن اللسان» و "يوبا أعراب" ، في لقاءٍ احتفى بالمعنى، واحتفى بقدرة الفكر المغربي على إعادة صياغة العالم من داخل اللغة والرمز.2119 gnam

في حكمة العلامة ومكر المعنى، المشروع النقدي لجمال بندحمان

في البداية، جاءت مداخلة الإعلامي والباحث مصطفى غلمان، سابرة لاستكشاف كنه المشروع الفكري والنقدي للدكتور جمال بندحمان بوصفه أحد أبرز الوجوه التي أسهمت في ترسيخ الدرس السيميائي المغربي وإغنائه بأفقٍ فلسفي وتأويلي مغاير. فبندحمان، حسب غلمان، لا يتعامل مع السيميائيات كأداة لتحليل النصوص فحسب، بل كـ تفكير في شروط المعنى ومصائره داخل الوعي والثقافة.

وأضاف المتدخل، أنه من خلال أعماله المرجعية "الأنساق الذهنية في الخطاب الشعري وسيمياء الحكي المركب وصولًا إلى السيميائيات وآليات تشييد المعنى، بلورة رؤية تجعل من العلامة كائنًا معرفيًا يتقاطع فيه الفكر واللغة والوجود. فالمعنى عنده لا يُقرأ، بل يُبنى عبر فعل التأويل والإنصات.

وأكد على أن مشروع بندحمان النقدي يتسع في اتجاه الرواية، حيث تتحول أعماله السردية (محنة ابن اللسان ويوبا أعراب) إلى مختبر فكري يعيد من خلاله مساءلة العلاقة بين اللغة والهوية، بين الحكي والذاكرة، بين الكائن والعالم. فالرواية هنا ليست محض تخييل، بل تجربة فلسفية في مقاومة النسيان والعدمية.

وشدد على أن خصوصية مشروع بندحمان تكمن في نقله السيميائيات من التحليل الأدبي إلى التأمل الوجودي، ومن النظر في النص إلى التفكير في الإنسان ذاته. مبرزا أن العلامة في تصوره ليست رمزًا لغويًا جامدًا، بل حدثًا أنطولوجيًا يختزن صراع الكائن مع الغياب والمعنى.

وقال غلمان، إنه "في عالم تتآكله التفاهة وتُغمر فيه اللغة بالاستهلاك، يقدم بندحمان نموذجًا لما يمكن تسميته بـ النقد كحكمة للقراءة، حيث يصبح الفكر رحلة للبحث عن الإنسان الممكن، والمعنى فعل مقاومة ضد الصمت والفراغ. وهكذا يتجلى مشروعه كأحد أنضج التعبيرات عن الوعي المغربي المعاصر وهو يؤسس لثقافة تُصغي للعلامة وتحتفي بالمعنى في زمن العدم".

يوبا أعراب… حين تصنع الجغرافيا وعي الأمة

وتحت عنوان "حين تنتصر الجغرافيا على التاريخ – الشعب يبتلع القبيلة في رواية "يوبا أعراب" أبدع الأكاديمي والمترجم محمد أيت لعميم، قراءة فاحصة مستنيرة لرواية "يوبا أعراب"، يقترح منظورًا حادًّا ومغايرًا للعلاقة بين الجغرافيا والتاريخ، حيث تتحول المجاليات الطبيعية والرمزية إلى فاعل سردي يتجاوز دور الإطار أو الخلفية، ليصبح هو المحرّك الخفي لتكوّن الهوية ومصير الجماعة. فالجغرافيا، في هذا العمل، وفق منظور ايت لعميم، ليست معطى ساكنًا، بل قوة مولّدة للمعنى والتاريخ معًا، تُعيد ترتيب العلاقات بين الذاكرة والانتماء، وتضع القبيلة أمام امتحان الاندماج في وعيٍ شعبيٍّ جديد يتجاوز الانغلاق والحدود.

يرى أيت لعميم أن الرواية تنبني على جدلية الأرض والذاكرة، حيث تذوب القبيلة بوصفها بنية مغلقة في نهر الشعب الذي يتحرّك بوعي جمعي نحو مستقبل مفتوح، فيغدو المكان بوعيه الجغرافي والرمزي، بطلًا يتفوّق على سطوة التاريخ نفسه. وهنا ينتصر الفعل الجماعي على الحكاية الفردية، ويغدو الانتماء الجغرافي فعلًا تحرّريًا يخلخل ثوابت السلطة والهوية والدم، ليعيد بناء المعنى على أساس المشاركة لا الوراثة.

من هذا المنظور، تقرأ "يوبا أعراب" كـ رواية تحوّل وعبور، لا تروي فقط سقوط القبيلة، بل ولادة وعي جديد بالأرض والإنسان، وعيٍ يجعل من الجغرافيا مساحة للتعايش والتجدد، لا سجنًا للانتماء. فالمكان هنا ليس مجرد مسرح للأحداث، بل كائن دلالي نابض يحتضن التحول ويعيد تشكيل البنية الاجتماعية والرمزية في آن.

وهكذا، كما يشير أيت لعميم، ينتصر النص لما هو جماعي وشعبي ضدّ ما هو مغلق ووراثي؛ إنه انتصار الجغرافيا على التاريخ، حيث تتبدّد الحدود بين القبيلة والوطن، ويصبح الشعب هو الامتداد الطبيعي للذاكرة، والمكان هو اللغة التي تكتب بها الذات المغربية حكايتها الكبرى.

محنة ابن اللسان.. مختبر الحداثة السردية المغربية

أما ورقة الباحث والكاتب عبد الحكيم الزاوي، والمعنونة ب" الرواية المغربية وحداثة الأشكال السردية – رواية "محنة ابن اللسان" نموذجًا، فقد قدمت تأملًا عميقًا في تحولات السرد المغربي الحديث، بوصفها تجسيدًا لمرحلة جديدة من الوعي الجمالي والفكري في الكتابة الروائية. فالرواية، في منظور الزاوي، لا تُقْرأ بوصفها حكاية فحسب، بل كـ بنية فكرية وجمالية مركبة تعيد صياغة علاقة الأدب بالواقع، والذات باللغة، والمعنى بالتاريخ.

يرى الزاوي أن «محنة ابن اللسان» تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ حداثة الأشكال السردية المغربية، تلك التي تجاوزت الخطية الكلاسيكية نحو بناءٍ متعدد الطبقات، تتقاطع فيه الأزمنة، والأصوات، والمرجعيات الثقافية. فالرواية لا تقدّم زمنًا سرديًا متصلًا، بل زمنًا مجروحًا ومتشظيًا، يعكس قلق الذات أمام تحولات المجتمع، وصراعها مع فقدان اللغة كأداة للفهم والهوية.

ويوضح الزاوي أن الرواية تتحول إلى مختبر للوعي المغربي المعاصر، إذ تستثمر تعدد الأصوات لا كمجرد تقنية سردية، بل كاختيار فكري يؤمن بأن الحقيقة لا تُقال بصوت واحد. فكل شخصية في الرواية تمثل شظية من الذات الكبرى، وكل صوت يعبّر عن توتر بين الفرد والجماعة، بين الرغبة في القول واستحالة القول في زمن ينهار فيه المعنى.

كما يشير إلى أن «محنة ابن اللسان» تؤكد قدرة السرد المغربي على ابتكار لغته الخاصة في مقاربة الواقع، لغة تتقاطع فيها الفلسفة والشعر والسياسة، لتصوغ نصًا مفتوحًا على التأويل، ويمزج بين الجمالية والوظيفة المعرفية للنص الأدبي. فهي رواية تكتب الوجود من داخل اللغة، وتحوّل "المحنة" إلى سؤال عن الكينونة، عن علاقة الكاتب بلغته، وعن مصير الإنسان حين يفقد لسانه الذي يترجم العالم.

هكذا، في منظور ذات المتحدث، "لا تمثّل الرواية مجرّد تجديد شكلي، بل تحوّلًا أنطولوجيًا في وعي الكتابة ذاتها؛ إنها لحظة انعتاق السرد المغربي من التبعية للأنماط الغربية، نحو تأسيس تجربة سردية محلية تنبثق من رحم الثقافة المغربية، لكنها تنفتح على أفق كوني، حيث يصبح الأدب فعل تفكيرٍ في العالم ومرآة لتمزّق الإنسان الحديث بين المعنى والعدم".

التمثيل الجمالي في يوبا أعراب: من الصورة إلى الرؤية

المداخلة الأخيرة، صاغها قلم الأكاديمي والباحث عبد العزيز لحويدق، فقرأها عنه بالنيابة الباحث هشام لماني، في موضوع: رواية "يوبا أعراب: جمالية الصورة المركبة"، حيث يقدّم جمال بندحمان عملاً سرديًا يزاوج بين الفكر والجمال، ويجعل من الحكاية وسيلة للتأمل في سؤال الهوية والانتماء. الرواية تبني عالمها من فسيفساء لغوية وثقافية وتاريخية، حيث تتقاطع الأزمنة والأصوات، ويتحوّل التخييل إلى مختبر فلسفي للبحث عن المعنى، بحسب قول لحويدق.

وأضاف أن العنوان نفسه “يوبا أعراب” يختزل الأطروحة: لا نقاء في الهوية، بل تفاعل خلاق بين الأمازيغي والعربي، بين الذات والآخر. وتقدّم الرواية عبر دروس الماء والرمل والزربية والجسد رؤية تؤمن بأن الجمال في التعدد، والوحدة في التنوع.

وجماليا يؤكد الباحث المتحدث، تتخذ الرواية من الرحلة بنية سردية تعكس التحول والانفتاح، وتناهض الهويات المغلقة والخطابات الأحادية. فهي نصّ يتخطى المرجع ليؤكد أن الحقيقة متحركة، والهوية سيرورة لا تنتهي، وأن الانتماء إلى الجغرافيا والإنسان أعمق من أي أصل واحد أو نسب صافٍ.

من النقد إلى البوح: لحظة بندحمان الختامية

وفي أجواء استثنائية غمرتها الثقافة والفن، ارتفق المجلس فعالياته على وقع موسيقى أبدعتها الفنانة نزهة الجعايدي، التي أسرت الحضور بنغماتها التي تشبع الروح وتوقظ حواس المعنى، لتصبح الموسيقى جسرًا بين الفكر والوجدان، وبين النص الأدبي واللحظة الحية.

وفي ختام الملتقى، أطلّ المحتفى به الدكتور جمال بندحمان على المنصة بكلمة ختم بها اللقاء، حملت مزيجًا من البوح الصادق والرؤية النقدية العميقة. تحدث عن تجربته الأكاديمية والنقدية، مسلّطًا الضوء على منهجيته في السيميائيات، وعلاقته بالسرد والكتابة الروائية، مؤكّدًا أن الرواية بالنسبة إليه ليست فرعًا عن النقد، بل امتداد له في فضاء جمالي يسمح باختبار اللغة والمعنى داخل سياق التجربة الإنسانية.

وأشار بندحمان إلى أن أعماله الروائية، من قبيل "محنة ابن اللسان"يوبا أعراب"، ليست مجرد نصوص تخييلية، بل فضاءات تأملية تتجاوز حدود الحكي لتصبح أدوات لفهم الذات والهوية واللغة في تفاعلها مع المجتمع والتاريخ. كما أكد أن النقد السيميائي لديه يتعدى التحليل النصي، ليكون وعيًا بالإنسان من خلال علاماته، ومقاومة للنسيان وللفوضى الدلالية.

واختتم كلمته بدعوة إلى تمكين الفكر المغربي من استعادة حضوره، وإلى اعتبار الكتابة والممارسة النقدية مسؤولية ثقافية وأخلاقية، تؤكد على دور المثقف في بناء الوعي المجتمعي، والحفاظ على الذاكرة الجمعية، وإعادة بناء الأمل بالمعنى. وقد تفاعل الحضور مع كلمته بحفاوة، مدركين أن المجلس لم يكن مجرد لقاء أكاديمي، بل احتفاء بالمعنى والحوار الثقافي، وتجسيدًا حيًا لتلاقي الفكر والفن.

***

 

شهدت بغداد في الليالي السابقة 10-16/10/2025 حدثًا سنويًا يتلقى فيه المسرحيون العرب من بقاع مختلفة، فضلاً عن الحضور العالمي، لعديد من الفرق المسرحية المشاركة في المهرجان، ولا يزال المسرحيون العراقيون والعرب يترنّون أبصارهم بمحبة للمراحل التي يشهدها المهرجان في كل عام، والأمل بتطور ملحوظ عبر دورات أكثر احترافية تليق بالعراق ومسرحه، فضلاً عن الأصوات الحقيقية التي تسعى مخلصة لتعضيد كل فعل ثقافي يعزز من تفعيل الحركة الثقافية والمسرحية في البلد. وما يدفع إلى غض الطرف عن كثير من الإخفاقات التي تحدث مع كل دورة هو المبدأ القائل: "أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام".

ولكن هذا يتساوق فعلاً مع الدورات الأولى للمهرجان والفترة الزمنية المتوترة سياسيًا واقتصاديًا التي كان يشهدها البلد آنذاك، على أن يتم تجاوزها في الدورات اللاحقة. ومع تجاوز العتبات الأولى من التأسيس والتطور الملحوظ في الوضع السياسي والاقتصادي للبلد، لتكن ثمة مواجهة حقيقية لترصين المهرجان عبر تشخيص مواطن القوة بعيدًا عن المدافعين بحماس عن المهرجان وإدارته بـ"أضراس الملكيين أكثر من الملك"، ومواطن الخلل بعيدًا عن المتربصين والمأزومين من الإدارة وفريقها.

ما يميز هذه الدورة أنها تحمل اسم الفنان الدكتور ميمون الخالدي، وهي بادرة طيبة على عكس ما اعتدنا عليه من أن تسمى الدورات بأسماء الرواد الراحلين. والفنان الدكتور الخالدي من الشخصيات التي لها حضور فاعل ومؤثر في الحركة المسرحية العراقية والعربية، وهو اختيار صائب.2063 masrah

على صعيد التسويق والترويج للمهرجان، جاءت هذه الدورة بنتائج طيبة عبر مشاركة المهرجان في منصات عديدة محلية وعربية، فضلاً عن التنسيق مع الدائرة الإعلامية في الهيئة العربية للمسرح عبر بث جميع فعاليات المهرجان بالبث المباشر عبر منصاتها، وهذا أمر محمود يوسع من رقعة المتابعين لفعاليات المهرجان في مناطق جغرافية متعددة.

كما تجلّت التماعات جمالية لافتة للمسرح الشرقي في مهرجان بغداد الدولي في دورته السادسة، من خلال عروضٍ نوعية أعادت سمت (المسرح في الشرق) بوصفه مصدراً أصيلاً للجمال والمعنى المسرحي بعيدًا عن سطوة النموذج الغربي. وقد مثّل العرض الإيراني "جسيمات الفوضى" أحد أبرز هذه التجارب، إذ قدّم رؤية جمالية مغايرة اتكأت على تعدد فضاءات العرض والأسطح المرنة، حيث تشكلت داخل الخشبة خشباتٌ فرعية متداخلة أتاحت مستويات متعددة للتمثيل، في حين انطلقت فكرة العرض من بيئة تراثية محلية لإحدى المدن الإيرانية التي لها امتدادات تاريخية، رسّخت أصالته وانتماءه الثقافي. ورغم اختلاف اللغة، إلا أنّ الصور البصرية عالية الدقة والإيحاء كانت كفيلة بنقل المعنى والتجربة إلى المتلقي دون وسيط لغوي.

أما العرض الهندي "رقصة النسيج"، فقد كان بدوره انعكاسًا حقيقيًا لهوية المسرح الهندي، إذ اعتمد لغة درامية بصرية مكثفة أغنت المتفرج عن النص اللغوي المباشر، وقدّمت نموذجًا متفردًا في تلاحم الحركة والإيقاع والرمز، وقدم تصورًا بانوراميًا لافتًا عن النموذج المسرحي في الهند.

إنّ مثل هذه العروض تُبرز بجلاء ملامح (المسرح في الشرق) بوصفه ظاهرة جمالية وفكرية قلّما نجد لها حضورًا في المهرجانات العربية، التي لا تزال تخضع في الغالب لهيمنة النموذج الغربي. وقد أشار الناقد عبد الرحمن بن زيدون إلى تكريس النموذج الغربي وتأثيره الكبير في المسرح العربي، بقوله: "لقد سيطرت عليهم فكرة رئيسة واحدة، وهي أن الفن الذي ينقلونه إلى بلادهم العربية هو النموذج المسرحي الوحيد الذي عرفته البشرية". وهي رؤية اختزالية حدّت من انفتاح المسرح العربي على نماذج الشرق الغنية. ولعلّ مهرجان بغداد الدولي، في دورته السادسة، استطاع أن يكسر هذا القيد من خلال انتقائه لعدد من العروض الشرقية عميقة الجذور في تقاليدها وأعرافها وميثولوجياتها، ومشبعة بعناصر الأداء الراقص والأزياء المحلية، لتعيد التأكيد على أنّ المسرح في الشرق قادر على أن يقدم أفقًا جمالياً مغايرًا يُثري المشهد المسرحي العربي ويعيد وصل الجمال بالهوية.

  ومن جانب آخر، لا تزال ثمة مناطق هشة لم تقترب من الاحتراف رغم توفر المقومات اللازمة لصلابتها، ابتداءً من الاختلاط المستمر لرئيس المهرجان في جميع المهرجانات العربية والإقليمية، إلا أنها لم تكن جلية في مهرجان بغداد المسرحي في دورته السادسة. وتجنبًا للحديث عن تكرار الضيوف في كل دورة، فهذه قضية زئبقية، وللمهرجان وإدارته فلسفة خاصة بهم ولهم الحق فيما يرون. كما لا افضل الحديث هنا عن الحضور الفعلي للشباب في حلقات المهرجان وجلساته حتى لا تفسر بتفسيرات شخصية، ولكن يمكن أن نتساءل: ما هي الغاية من دعوة مئات الضيوف دون أي مهام تُذكر؟ ان ورد هذا السؤال هنا، فهو لا يقلل من أهمية الضيوف وأسمائهم، كلهم محترمون ومؤثرون وفاعلون، ولكن ما الغاية من دعوة ثلثي ضيوف المهرجان دون أي مهمة؟ ألم يثقل ذلك من كاهل المهرجان؟ كون المهرجان ملزم بتوفير سمات الدخول و الطيران والإقامة والإعاشة والنقل الداخلي.

هل عجزت إدارة المهرجان حقًا عن إيجاد محاور معرفية أو فكرية يمكن من خلالها استثمار هذا الحضور العراقي والعربي الواسع للضيوف؟ أليس من الأجدى تحويل هذا التجمّع الكبير إلى مساحة حوارية مفتوحة تُنتج معرفة نقدية حول التجربة المسرحية العراقية عبر الندوات، والحوارات الفكرية، والقراءات النقدية، والبحوث التي تتناول العرض العراقي من زوايا عربية متعددة؟ إنّ غياب هذا النوع من التفعيل لا يشير إلى نقص في الموارد، بل إلى غياب في الرؤية، إذ يتحول الحضور إلى شكل بلا مضمون، والضيافة إلى فعل احتفالي لا يتصل بالوظيفة المعرفية التي يفترض أن ينهض بها المهرجان.

وإذا كانت هذه الظاهرة مألوفة في بعض المهرجانات العربية، فإنّ المقارنة مع مهرجانات مهمة مثل القاهرة التجريبي، وقرطاج، والهيئة العربية للمسرح، تكشف عن فارق في إدارة الحضور. اذ لا يُستدعى الضيف لمجرد التمثيل الرمزي أو الحضور البروتوكولي (وإن كان ذلك موجودًا فهو لا يتعدى عدد أصابع اليد)، بل يُستثمر وجوده بوصفه فاعلًا معرفيًا يشارك في صناعة المعنى. فكل مدعو يحمل مهمة محددة: إلقاء ورقة فكرية، أو تقديم قراءة نقدية، أو التعقيب على عرض مسرحي، أو الإسهام في ورشة أو ندوة أو مائدة مستديرة.

من هنا يتضح أن الدعوة في تلك المهرجانات ليست إجراءً شكليًا، بل تجسيدًا لفعل المشاركة، حيث يتحول الحضور إلى شكل من أشكال التبادل الثقافي والمعرفي. أما في مهرجان بغداد الدولي للمسرح، فإن تضخّم عدد المدعوين دون تحديد مهامهم يضع المهرجان أمام مفارقة دلالية، فكلما ازداد عدد الضيوف، تناقصت فاعلية وجودهم، وتحوّل الكثرة إلى عبء على الموازنة بدل أن تكون رافدًا للتجربة.

وهكذا، لا تكمن المشكلة في استضافة الضيوف بحد ذاتها، بل في غياب استراتيجية تحويل الضيافة إلى فعل إنتاجي. فالمهرجان، بوصفه مؤسسة ثقافية، مطالب بأن يخلق من الحضور معنى، ومن التنوع معرفة، ومن اللقاء مساحة لإعادة التفكير في التجربة المسرحية العراقية من منظور الآخر. دون ذلك، ستظل الضيافة فعل كرمٍ ثقافيٍ نبيلٍ، لكنها بلا أثر بنيوي في الجسد المسرحي نفسه.

***

د. وسام عبد العظيم عباس

قرب حديقة The White House تلتقط مجموعة مِنَ الصور التذكاريّة والفيديوهات دونَ مضايقاتٍ أو ممنوعات، بينما النّاس المُحتشّدة مِن مختلف الولايات والبلدان كأنّها في مُظاهرة عيدٍ!. بعضهم يحملون أعلام بلدانهم والبعض الآخر يصدح مع مكبرات الصّوت نشيد بلاده الوطني، ويخفق في الأعالي علم أمريكا احتفالاً بنهاية الحرب في شرقنا.

لم يكن الرئيس ترامب متواجدًا في مقر إقامته، سُمحَ لنا التصوير عند أقرب بوابة وأمام الشرفات المُطلّة مِن سكناه!، ليس كما يحدث في العراق وبلدان الشّرق العربي، حمايات وعنتكات- مشقات، ومحاذير وومنوعات وأسوار مرتفعة وعوائق واحتياطات أمنيّة، وربّما اعتقالات وسفك دماء!!.

تّعرّجُ فيما بعد إلى or tours Washington Monument وتدلّف على الشاطئ، هُناكَ ودنما شعور تفتح الذّات وتستنشق جرعة هواء واشنطيًّا نقيًّا!.

هكذا تزور ولايّة DC  Washington ، للبقاء بضعةِ أيامٍ لتطير فيما بعد إلى وجهتكَ الّتي تصبو إليها.

حلاقة شعر الرأس تضامنًا

في الصّباح الباكر، تطأ قدمكَ دروب عاصمة أمريكا للرياضة وأنتَ تتلو في سِركَ صلاتكَ الشخصيّة.

ولمن لا يعرف، تعود تسمية هذه الولاية نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن 1791. في واشنطن وغيرها مِن مدن العالم، لم يعد تنوع الشّعوب أمرًا غريبًا، ولكن هذه الولاية لا تمت بصلةِ شبهٍ إلى سان دييغو أو نيوورك أو أريزونا ومشيغان.. على خلاف ما يُشاع بين تشابه الولايات الجغرافي والسكانيّ!.

ثمّة مناطق بحريّة جذابة ومساحات خضراء تشرح صدركَ، النّاس هُنا ودودة، الكثير منهم يُعاني البدانة، بسبب شيوع الأكلات السريعة، ربُّما لأنَّ رخصَ ثمنها يحفز على شرائها!!. الطرقاتُ نظيفةٌ والخدمات جميلة، والأمكنة أنيقة والمعالم المعماريّة مُدهشة. القطارات والباصات متوفرة بكثرة كأستراليا وأوروبا، ثمن التذاكر رخيص للغاية، كما هي الحال مع ايجار السيارة اليومي؛ بينما ثمن الوجبات في المطاعم العربيّة والافغانيّة جنوني ومبالغ فيه، وليسَ على غرار المطاعم الأمريكيّة أو المكسيكيّة...

لم يصادفني الكثير مِن ناطحات السّحاب كما خُيّل لي، وإنّما الأبنية المعماريّة لها تصاميم هندسيّة وجماليّة. ما لفت انتباهي تبادل التحيّة مع الفنانة (شمس الكويتيّة بعبارة حبيبي شلونكَ)، لعلَّ قد يخلق مِن الشبه أربعين!!.

وكذلكَ ثمّة مؤسسة إنسانيّة نصبت خيمتها وطاولتها في ركن شارعٍ سقط مِن ذاكرتي في حي SQ MCPHERSON في " السيتي" وضعت بضع كراسي لحلاقة شعر المارة (zero) في الهواء الطلق، تضامنًا مع مرضى السرطان ودعمًا لهم، لاسيّما الأطفال. شيءٌ ما في داخلي دفعني لحلاقة شعر رأسي بِلا تفكيرٍ أو ترددٍ! لعلّها إنسانيّتي أو نزعة كهنوتيّة اعتدت عليها، ومِن ثُمَّ عانقتهم بودٍّ والتقطتُ حزمة مِنَ الصورِ مع ثلّة مِن الأطفال والبالغين المتساقط شعرهم بسبب هذا الداء اللعين.

ولا مشاحة أن قُلتها صريحة واضحة بالفمِ الملآن، لا لبس فيها: إعلاميًّا للبيت البيضاوي هيّبة تصنُّ وترنُّ، قد يفتقدها على أرض الواقع!!.2050 yousif

تواصل فنّ التسكّع، المكانُ خلاّب والنّاسُ لطفاء، يلقون عليكم التحية ويوزعون الابتسامات، ولكن قلّما تجد الفرق الموسيقيّة تعزف في الطرقات.الجيش في خدمة الشّعب، أسوقُ لكم مثالاً للتوضيحِ عن هذا الأمر: ففي محطات القطارات لا يترددون في تقديم لكَ المساعدة متى ما أحتجت لها أو توجيهكَ إلى نقطة وجهتكَ. بينما الدراجات الهوائيّة بامكانكَ استجارها بشكلٍّ شخصي مِن أيّ رصيفٍ.

بعد سياقة هانئة في رحابٍ أمكنة فيها روعة بناء! تصفُّ سيارتكَ، وتترجل منها لترتادُ حديقة مُخصصة لفرحِ النّاس وللقراء، أشبه ما تكون بِدارِ استراحةٍ الالتقاط الالنفاس وتناول لقمة أو احتساء جرعة قهوة أو ماءًا أو مكانًا للتواعد وتبادل اللقاءات وأطراف الحديث أو لممارسة الرياضة...

تنتقي مكانكَ بنفسكَ كالعادةِ، تفتحَ حاسبوكَ لتدوّون مشاهداتكَ الثقافيّة، فتقع على مسامعكَ موسيقى (يا شوك) للفنان هيثم يوسف، تستطيبكَ الموسيقى والأجواء، لأنّني لستُ مِنَ المؤمنين أنَّ للكلمةٍ اشلاءًا، بل بذورًا، تزرعها في مدن العالم، كمن يغرس نبتة في تربة الوجود. وأنتَ تكتبُ تُطالعكَ عيون كثيرة لأناس تمارس فنّ التسكّع، تحدق فيكَ وهي تطلقُ شهقةُ دهشة أو تعجب، وكأنّكَ كُلّما أبتعدت عن النّاس شعرت بقيمتكَ!.

ومسكُها رحيل

وبينما كانتِ الرُيحُ تمشط الأعشاب، كنتُ قد أغمضتُ عينيِّ في لحظة استكانة، وإلاّ بعائلةٍ عراقيّة صحبة عائلة عربية أخرى، لم يجمعني بها سابق معرفة، تلقي عليَّ التحيّة دونَ سابق انذارَ، التقطت معي الصور فتشرفت بها!.

عاملة النظافة في الحديقة، أهدت لي ولسواي وردة جميلة، تكريمًا للزوار، تقبّلتها، على الرغم مِن حُبّي للورود والتعاطي بها، ولكن قناعتي أنَّ ليس بالورد وحده يحيا الإنسان، وليس بها فقط يزداد الكون جمالاً ورونقًا وإنسانيّة.

إنَّ الرسالة الّتي أريدها أن تصلُّ للقرّاء مؤادها:

أقّليّة مِن حملة القلم يشبهون نصوصهم وكتابات مُشاهداتهم الثقافيّة والأدبيّة، والقّلائل أيضًا الذين لا فصام أدبيًّا بينَ ما يكتبون ويعيشون ويقولون وينشرون...، وليس غروًا إذا قلتُ: أنا واحدٌ مِن هؤلاءِ.

حقيقةً في ولاية واشنطن العاصمة المركزيّة للولايات المتحدة، لا يطالعكَ مناظر لأناس متوترة أو مجهدة بأقاويل أو أحاديث لا طائل منها أو ضغوطات عمل أو دفوعات حياة، هكذا بعضُ المُدنِ تحبها وتعشقكَ مِنَ أولِّ نظرة ووطأة قدم وخطوة، وثمّة مدنِ بِلا وجهةٍ، ولكنّي هُنا ليس مِن منطلقِ النقد أو المغالاة أذهب للقولِ:

نحنُ ملّة الكُتّاب والأدباء والشّعراء والمثقفين... في عملية( تدوير ثقافيّة، أدبيّة، دينية...)، بحاجة ماسةٍ لأجواء، نُصدَّر فيها كتابات للقرّاء عن أدب الترحال والرحلات، " كتابات مانع حمل"؛ لكي لا يحمل إنسان الألف الثّالث ويتحمل أعباء الحياة وتنال منه تحدياتها.

وأنتَ تنهض برأس محلوقٍ وتذهب إلى سيارة BMW قد استأجرتها، تصطحبكَ للمطارِ لترحال آخر، تجد ظلّك بقي جالسًا على كُرسيّ هزازٍ رغمَ البرد، خلف شمسٍ تداعب غزالة، حمامة، زهرة...!!.

حقيقةً، واشنطن التي آسرت عقلي وقلبي، هي واحدةٌ مِنَ المدنِ وقد تعدَّ أجمل ولايّة أمريكيّة فتنتُ بها، الّتي تعلم كيفَ تستقبلكَ، فتعرف بدوركَ كيفَ يكون لكَ فيها خطوة وبصمة وكلمة!. فقط جربوا أن تزوروها.

***

الأب يوسف جزراوي

أقامت منصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام، التي أُطلقت بالتعاون بين دار الكتب والوثائق العراقية ومجلة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية، المشغل التفاعلي الحضوري السادس بعنوان "إشاعة وتعزيز ثقافة المحبة والسلام ومكافحة الكراهية في بيئة العمل الإعلامي الرسمي"، لموظفي شعبة العلاقات والإعلام في الدار، صباح يوم الاثنين الثالث عشر من تشرين الأول 2025 ، بدعم من المدير العام للدار السيد بارق رعد علاوي.

قدّمت المحاضرة الإعلامية أسماء محمد مصطفى، صاحبة فكرة المبادرة والمشرفة عليها، مؤكدة أن تعزيز ثقافة المحبة والسلام واحترام التنوع الثقافي في بيئة العمل الإعلامي الرسمي يمثل ركناً أساسياً لضمان إنتاج محتوى مهني وموضوعي ومسؤول، يعكس القيم الوطنية ويعزز التعايش الاجتماعي.

وقالت إن بيئة العمل القائمة على الاحترام والتعاون بين الموظفين تساهم في رفع كفاءة الأداء الإعلامي وتقليل الصراعات الداخلية، وتضمن انسجام الرسائل الرسمية مع قيم الدولة والمجتمع. فالصحافي أو الموظف الإعلامي الذي يعمل في أجواء إيجابية يكون أكثر قدرة على صياغة محتوى يعبر عن القيم الإنسانية ورسائل الوحدة الوطنية والتسامح والتعايش واحترام المكونات كافة.2031 asma

تضمن المشغل عرضاً موجزاً لأهداف الحملة وأهميتها في بيئة الوظيفة، ولا سيما مجال العمل الإعلامي الرسمي، أعقبه تطبيق كتابي للموظفين المشاركين عبّروا فيه عن تفاعلهم مع الموضوع.

تحت عنوان "المحبة والسلام أساس المهنية" ذكرت مسؤولة شعبة العلاقات

والإعلام في الدار السيدة ميمون صبيح براك أن المحبة والسلام أساس العمل المهني، فهما عنصران جوهريان في بيئة العمل الإعلامي الرسمي لضمان إنتاج محتوى إعلامي رصين وموضوعي. وأوضحت أن الزميل الذي يشعر بالاحترام والأمان النفسي يكون أكثر قدرة على تقديم أفضل أداء، وأن بيئة العمل الإيجابية في وسائل الإعلام الرسمية تعكس قيم التعاون والوحدة الوطنية.

وأشارت إلى أهمية أن تكون بيئة العمل خالية من الصراعات، قائلة إن المحبة والسلام يحدّان من الصدامات والتوترات المهنية، ما يجعل المؤسسات الإعلامية الرسمية أكثر قدرة على التركيز على رسالتها الوطنية وإنتاج محتوى يعبر عن القيم الإنسانية العليا ويعزز ثقة الجمهور.

وفي ورقته المعنونة "ثقافة المحبة والسلام تنبض في دار الكتب والوثائق" أكد محرر الأخبار السيد أيمن كامل جواد أن بث روح المحبة في بيئة العمل الإعلامي يجعل من التعاون أساساً ومُنطلقاً لترسيخ مفاهيم التنوع الثقافي وقبول الآخر، ويشكل في الوقت نفسه سداً منيعاً أمام خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي.

وأشار إلى أن إشاعة ثقافة المحبة والسلام في المؤسسات الحكومية، ولا سيما دار الكتب والوثائق التي تختزن ينابيع الثقافة والمعرفة، تسهم في ترسيخ قيم التسامح والحد من الصراعات، وتعزز قدرة المؤسسات على التركيز في المسار المهني الذي يقود إلى إنتاج أعمال إعلامية إبداعية تغرس المفاهيم الإنسانية لبناء مجتمع متماسك نابض بالمحبة والسلام.

وركز المصور جعفر صادق عبد الأمير في ورقته على أهمية احترام التنوع الثقافي داخل المؤسسات الرسمية والإعلامية وأقسام العلاقات والإعلام، معتبراً ذلك ضرورة مهنية تتيح للموظفين تبادل الخبرات والخلفيات المتنوعة بما يعزز جودة المحتوى الإعلامي الرسمي. وأكد أن التعامل الإيجابي مع اختلاف الأعراق والمعتقدات والخلفيات الاجتماعية يعكس صورة الدولة كمؤسسة تحترم جميع مواطنيها وتدعم التعايش السلمي.2032 asma

وأشار المصور أحمد عودة كاظم في ورقته إلى أن إشاعة ثقافة المحبة والسلام في المؤسسات الحكومية، ولا سيما في مجال العمل الإعلامي، تشكل دافعاً للإبداع وتزيد من الإنتاجية وتلاقح الأفكار عبر التعاون بين الموظفين.

وأوضح أن بيئة العمل الخالية من الصراعات الهدامة تجعل المؤسسة أكثر نجاحاً وقدرة على إبراز صورتها الإيجابية، مشدداً على أهمية سيادة الاحترام بين الموظفين داخل المؤسسة الرسمية وقسمها الإعلامي لما لذلك من أثر مباشر في جودة العمل.

وبيّن أن المحتوى الهادف والمؤثر يبتعد عن التحيز والخطاب السلبي أو خطاب الكراهية، مختتماً بالقول إن المحبة والسلام بين موظفي المؤسسة ينعكسان إيجابياً على المجتمع ككل، إذ تجعل رسالتها أكثر فاعلية في بناء مجتمع متماسك متسامح ومتعاون ومتوافق مع توجهات الدولة في نشر مبادئها بين مواطنيها.

***

ـ إعلام دار الكتب والوثائق

 

صناع أفلام عالميين"أوقفوا الساعات، أطفئوا النجوم"

مقدمة: أطلقت مجموعة كبيرة من محترفي صناعة السينما، معظمهم من الإيطاليين، بمن فيهم المخرجون: ماركو بيلوتشيو وماتيو غاروني وأليس روهرواشر، نداءً لمهرجان البندقية السينمائي لاتخاذ موقف أكثر فعاليةً لمناصرةً القضية الفلسطينية.

وكانت المجموعة، المنضوية تحت شعار "فينيسيا من أجل فلسطين" Venice4Palestine، قد نشرت يوم السبت 23 أغسطس / آب 2025 رسالةً مفتوحةً تحثّ فيها المنظمة الأم للمهرجان، بينالي البندقية، وأقسامه الموازية المستقلة "أيام البندقية" و"أسبوع النقاد الدولي"، على "أن يكونوا أكثر شجاعةً ووضوحًا في إدانة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والتطهير العرقي في جميع أنحاء فلسطين الذي تمارسه الحكومة والجيش الإسرائيلي".

في رسالتهم على هامش مهرجان البندقية السينمائي الذي انطلق يوم الثلاثاء 26 آب 2025، أوضح أعضاء المجموعة: تُحثّ المؤسسات وقطاعات السينما والفن والثقافة والتعليم على التحلّي بمزيد من الشجاعة والوضوح في إدانة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والتطهير العرقي في جميع أنحاء فلسطين الذي ترتكبه الحكومة والجيش الإسرائيلي. كما تدعو الرسالة أيضا إلى توفير مساحات وفرص طوال فترة المهرجان للترويج للمبادرات المتعلقة بفلسطين، وذلك عقب حراك 30 أغسطس الذي دعمته أيضا شبكة "فنانون بلا بافاليو"، حتى لا يصبح المهرجان "معرضا فارغا حزينا"، كما ورد في رسالة V4P، "بل يغتنم الفرصة ليعود من جديد مكانا للحوار والمشاركة الفاعلة والمقاومة، كما كان في الماضي"..

وفيما خاطبت الرسالة العديد من الجهات السينمائية والثقافية والإعلامية. ومنها: بينالي البندقية، مهرجان البندقية السينمائي، أيام البندقية، أسبوع النقاد الدولي، والعاملين في مجالات السينما والثقافة والإعلام. أيدت العديد من الشخصيات المرموقة في السينما والفن والموسيقى والثقافة ـ الإيطالية والدولية الرسالة التي حملت نصا قيميا في مغزاه التعبيري، وإنسانيا في مضمونه الأخلاقي تحت عنوان"أوقفوا الساعات، أطفئوا النجوم". جاء فيه:

إنّ العبء ثقيلٌ جدًا على مواصلة العيش كما كان من قبل. منذ ما يقرب من عامين، تصلنا صورٌ جليةٌ لا تخطئها العين من قطاع غزة والضفة الغربية. في ذهولٍ وعجز، نواصل مشاهدة عذابات إبادة جماعية ترتكبها دولة إسرائيل في فلسطين. لن يستطيع أحدٌ أبدًا أن يقول: "لم أكن أعرف، لم أكن أتخيل، لم أكن أصدق".

لقد رأينا كل شيء.

ما زلنا نرى كل شيء.

لكن مع تسليط الأضواء على مهرجان البندقية السينمائي، نُواجه خطرَ المرور بحدثٍ كبيرٍ آخر لا يكترث بهذه المأساة الإنسانية والمدنية والسياسية. "يجب أن يستمر العرض"، يُقال لنا، بينما نُحثّ على صرف أنظارنا - كما لو أن "عالم السينما" لا علاقة له "بالعالم الحقيقي".

ومع ذلك، فمن خلال تلك الصور تحديدًا، التي التقطها زملاؤنا، وربما حتى أصدقاؤنا،علمنا بالإبادة الجماعية، وبالهجمات العنيفة، بل القاتلة، على مخرجي الأفلام وطواقمها في الضفة الغربية، وبالعقاب الجماعي الذي مورس على الشعب الفلسطيني، وبجميع الجرائم الأخرى ضد الإنسانية التي ارتكبتها الحكومة والجيش الإسرائيليان. لقد أودت هذه الصور بحياة ما يقرب من 250 إعلاميًا فلسطينيًا حتى الآن.

يُفترض أن يحتفي البينالي ومهرجان البندقية السينمائي الدولي بقوة الفن كوسيلة للتغيير، والشهادة، وتمثيل الإنسانية، وتنمية الوعي النقدي. وهذا تحديدًا ما يجعل الفن وسيلة استثنائية للتأمل والمشاركة الفاعلة والمقاومة.

ردًا على التصريحات الفاترة والغامضة، أو الأسوأ من ذلك، المريحة، الصادرة عن أجهزة السلطة والإعلام والثقافة، صرح أعضاء المجموعة: نتخذ موقفًا واضحًا لا لبس فيه: لقد حان الوقت ليس فقط للتعاطف، بل أيضًا للمسؤولية. الدلالات واللغات، والكلمات والصور، ليست مجرد أدوات ـ ثانوية - وخاصةً لمن يؤمنون بالفن، بل هي شكل أساسي وضروري للمقاومة. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من الأفضل لنا أن نستسلم للدليل القاطع على أن كونك صانع أفلام أو صحفيًا اليوم لم يعد له معنى.

وفيما كشفت رسالة مجموعة محترفي صناعة السينما الكثير من المستور من جرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ـ عبروا، أيضا، عن موقفهم الأخلاقي بشدة ووضوح بالشكل التالي: لهذا السبب، نحن - ناشطون وعاملون في مجالات السينما والإعلام والأخبار - نؤمن ـ بأنه يجب أن يتوقف هذا العرض ولو لمرة واحدة: يجب أن نكسر جمود اللامبالاة ونفتح طريقًا للوعي. لذلك، نطالب البينالي والمهرجان وأيام البندقية وأسبوع نقاد البندقية باتخاذ موقف واضح ودعم مطالبنا. كما نؤكد على ضرورة توفير مساحات لاستضافة سرديات متنوعة لفلسطين.

نناشد كل من يستطيع ويرغب في إحداث ـ تغيير - على أي مستوى في البندقية، لتكون الأضواء كلها موجهة نحو عالم السينما: علينا جميعًا واجب إبراز قصص وأصوات أولئك الذين يتعرضون للمجازر حتى في ظل لا مبالاة الغرب المتواطئة.

نحث جميع أعضاء عالم الثقافة والإعلام على استخدام شهرتهم وأي وسيلة أخرى متاحة خلال المهرجان لخلق خلفية دائمة للحوارات والمبادرات لدعم حقيقة التطهير العرقي والفصل العنصري والاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية والاستعمار وجميع الجرائم الأخرى ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل لعقود، وليس فقط منذ 7 أكتوبر.

ندعو العاملين في مجال السينما إلى تصور وتنسيق وتنفيذ أعمال معًا، خلال المهرجان، تُعطي صوتًا لانتقاد سياسات الحكومة المؤيدة للصهيونية: معارضة نُعبّر عنها من خلال الإبداع، بفضل مهاراتنا الفنية والتواصلية والتنظيمية.

بصفتنا فنانين ومحبي فن، ومحترفي صناعة سينمائية، ومنظمين ومراسلين صحفيين، نحن القلب النابض لهذا المهرجان، ونؤكد بحزم أننا لن نكون متواطئين، ولن نلتزم الصمت، ولن نتجاهل، ولن نستسلم للعجز أو لمنطق القوة.

هذا ما يفرضه علينا عصرنا ومسؤوليتنا كبشر. لا سينما بدون إنسانية.

فلنضمن أن يحمل هذا المهرجان قيمًا قيّمة، وألا يتحول مرة أخرى إلى معرض غرور حزين وسطحيّ.

لنفعل ذلك معًا - بشجاعة ونزاهة. فلسطين حرة!

***

عصام الياسري

مسابقات وورش فنية وتكريم لرائدات السينما العراقية

يسعى القائمون على مهرجان بغداد السينمائي بدورته الثانية أن يقدّموا حدثًا ثقافيًا وفنيًا يليق بالسينما العراقية ويعمّق ما تحقق من نجاح كبير في النسخة الأولى التي اعتبرها المعنيون الحدث الفني الأبرز في العراق منذ عقود طويلة إذ حضر جمع غفير من نجوم وصنّاع السينما العراقيين والعرب والكثير من المخرجين والفنانين العراقيين المغتربين الذين يتوزعون في المنافي الأوروپية والأمريكية وبقية البلدان المتقدمة. تنطلق فعّاليات الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي للمدة من 15-21 سبتمبر / أيلول 2025. ويتضمن المهرجان فعّاليات وأنشطة ثقافية وفنية عديدة من بينها مسابقات الأفلام الأربع وهي مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة، ومسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة، ومسابقة أفلام التحريك "الأنيميشن". وقد بلغ عدد الأفلام المتنافسة 67 فيلمًا تمّ اختيارها من أصل 423 فيلمًا وصلت إلى المهرجان خلال شهر أغسطس / آب المنصرم وتم فحصها من قِبل لجنة المُشاهدة والتقييم التي انتقت الأفضل منها حسب معايير الجودة الفنية ومتطلبات الخطاب البصري الناجح. سيتم ضمن حفل الافتتاح تكريم مجموعة متألقة من رائدات السينما العراقية اللواتي أكدنّ حضورهن الفاعل ورسّخنَ مكانتهن المتميزة في المشهدين الثقافي والفني وسوف تُعلن أسماءهنَ في حفل الافتتاح ضمن سياق النهج الحكومي الهادف إلى مؤازرة المرأة العراقية وتمكينها في مختلف مجالات الحياة. أمّا حفل الافتتاح سيدشّن بفيلم "سعيد أفندي" للمخرج كاميران حُسني الذي تمّ إنتاجه سنة 1957 وما يزال نابضًا وقابلًا للحياة ولم يخفت بريقه بعد مرور سبعة عقود على ولادته كأنموذج للفيلم الواقعي الذي تأثر بالواقعية الإيطالية آنذاك. جدير ذكره بأنّ هذا الفيلم قد رُمِّم بتقنية K4 في "المعهد الوطني للسمعي البصري الفرنسي" وحُفظت النسخة المرمّمة لدى لجنة الحسن بن الهيثم نفسها.1909 cinema

مسابقة الأفلام الروائية الطويلة

أمّا بصدد المسابقات الرسمية فقد أعلن الدكتور جبار جودي، رئيس المهرجان، ومدير عام السينما والمسرح، ونقيب الفنانين العراقيين أنّ مسابقة الأفلام الروائية تضم 15 فيلمًا طويلًا  تمثِّل ثمانية بلدان عربية وهي العراق وتونس ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والسعودية والمغرب تتوزع كالآتي: أربعة أفلام من العراق وهي: "أناشيد آدم" لعدي رشيد و"ندم" لريگا البرزنجي ، و"ابن آشور" لفرانك گلبرت (عرض أول)، و"القناني المسحورة" لأنس الموسوي (عرض أول). وثلاثة أفلام من تونس "ضيف شرف المهرجان" وهي "صمت القصور" للمخرجة الراحلة مفيدة التلاتلي وهو خارج المسابقة وسيُعرض كواحد من كلاسيكيات السينما التونسية. إضافة إلى فيلمي "برج الرومي" للمنصف ذويب، وفيلم "عصفور جنة" لمراد بن الشيخ. وتشارك جمهورية مصر العربية بفيلم "ضي" للمخرج كريم الشناوي، فيما تشارك سورية بفيلم "سلمى" للمخرج جود سعيد. ولبنان بفيلم "أرزة" لميرا شعيب، والسعودية بفيلم "هوبال" لعبدالعزيز الشلاحي، وفلسطين بفيلميّ "من المسافة صفر" للمخرج رشيد مشهراوي، وفيلم "شكرًا لأنك تحلم معنا" للمخرجة ليلى عباس. أمّا المغرب فتشارك بفيلم "وحده الحب" للمخرج كمال كمال، إضافة إلى الفيلم المغربي التونسي المشترك " كواليس" للمخرجَين خليل بن كيران وعفاف بن محمود.1910 cinema

مسابقة الأفلام الروائية القصيرة

كما صرّح مدير المهرجان الدكتور حكمت البيضاني بأنّ الدورة الثانية سوف تشهد منافسة حادة على صعيد الأفلام الروائية القصيرة التي بلغت 24 فيلمًا وهي على التوالي: ستة أفلام من العراق البلد المُنظِّم وهي: "رحاب" لنبيل جوي، و"أبيض كالأحمر" لكريموك، و"الكمان" لمحمد عبدالأمير، و"خراب الدورة الدموية" لسجّاد ماجد و"سحر" لكحيل خالد، و"مارثون" لجمال العبيدي. و"ترويدة" من الأردن لموني أبو سمرا، و"دعاء أمل" من الإمارات لحمد الحمّادي، و"المعقّد" من البحرين لمحمد فريد، و"موعد" من الجزائر لسفيان بن يوسف، و"حوض" من السعودية لريما الماجد، و"دعاء العشاء" من السودان لمحمد كمال، و"مرآة للبيع" من المغرب لهشام آمال، و"على الحافة" من سوريا لرشا ملحم، و"المجهول" من سلطنة عُمان لمحمد الكندي، و"ارحل لتبقى الذكرى" من قطر لعلي الهاجري، و"كان نفسي" من مصر لأسامة القزاز، و"الوريث" من مصر أيضًا لسيف الأسواني، وأربعة أفلام قصيرة من تونس وهي: "عالحافة" لسحر العشي، و"ليني أفريكو" لمروان لبيب، و"رحلة" لجميل النجّار، و"يوم كيراتين" لسامي التليلي.1911 cinema

مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة

كما أشار مدير المهرجان الدكتور حكمت البيضاني إلى أنّ مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تضم خمسة أفلام فقط وهي كالآتي: "من عبدول إلى ليلى" للمخرجة الفرنسية من أصل عراقي ليلى البياتي، و"حكايات الأرض الجريحة" للمخرج الفرنسي من أصل عراقي عباس فاضل، و"متل قصص الحُب" للمخرجة اللبنانية ميريام الحاج، و"سودان ياغالي" للمخرجة الفرنسية من أصول تونسية ومغربية هند المدب، و"السنعوسي وداعًا" للمخرج الكويتي علي حسن. أمّا مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة فقد تضمنت 13 فيلمًا قصيرًا أربعة منها عراقية وهي: :حنين" للمخرجة رانيا محمد توفيق، و"مرآة السماء" لحيدر قيس، و"تحت" لأحمد طاهر، و"ابراهيم" لعلي يحيى، و"المُبلغ" للجزائري عبدالرحيم مراح، و"هدهدة" للسعودي علي العبدالله، و"فريق" للمغربي زكريا أحرار، و"لن أغادرها" لليمني العلوي السقاف، و"سينما الدنيا" للسوري عمرو علي، و"الأراضي الرطبة" للعُماني عبدالله بن حسن الرئيسي، و"صوب الضو" للبناني قاسم إسطنبولي، و"أطفال ولكن" للمصري مهنّد دياب، و"نوبة كاتو" للمصرية شريفة جمال.

مسابقة أفلام التحريك

فيما اشتملت أفلام التحريك "الأنيميشن" عشرة أفلام متنافسة نصفها من العراق وهي: "بطارية" لزيد شاكر، و"بامار" للانا الوردي، و"نابو" لحسين العگيلي، و"النزيل" لشمس التميمي، و"حدث في الحمام" لأنور عبد شاطي، و"أطفال البرزخ" للإماراتي أحمد خطّاب، و"أوليڤيا للجزائري أبو كاف شوقي، و"الزجاجة الأخيرة" للسوري أسعد الحلبي، و"سكربت" للمصرية عبير عبّود، و"عدالة الحياة" للأردني مجيب عزالدين.1907 cinema

لجان التحكيم

اختار القائمون على المهرجان نخبة بارزة من السينمائيين العرب والعراقيين لرئاسة وعضوية لجان التحكيم الأربع للأفلام المُشاركة في مسابقات المهرجان المتنوعة التي ستتنافس أفلامهم على جوائزها القيّمة. تتألف لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة من خمس شخصيات سينمائية يترأسها الفنان السوري غسان مسعود وتضم في عضويتها كلًا من الفنان العراقي مقداد عبدالرضا، والمخرج المصري خالد يوسف، والمخرج العراقي سهيم عمر خليفة، والفنانة المصرية بشرى رضا. وتضم مسابقة الأفلام الروائية القصيرة ثلاث شخصيات يترأسها الناقد السينمائي علاء المفرجي وتضم في عضويتها الفنانة المصرية داليا البحيري، والفنانة التونسية وحيدة دريدي. كما تضم لجنة مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة التي يترأسها الناقد السينمائي الدكتور ماهر مجيد من العراق وعضوية الناقد السينمائي العراقي كاظم مرشد السلّوم، والسينمائي المصري حسن أبو العلا. فيما يترأس مسابقة أفلام الأنيميشن الطويلة والقصيرة الدكتور علي حنون من العراق وعضوية المخرج العُماني خالد الزدجالي والمخرج العراقي مهنّد حيال.

سيشهد المهرجان إقامة (أيام بغداد لصناعة السينما) وسيتم من خلال هذه المنصة المهنية اختيار 10 مشاريع أفلام عراقية طويلة في مرحلة التطوير ومرحلة ما بعد الإنتاج عبر مبادرة دعم السينما، واختيار 10 مشاريع أفلام عراقية قصيرة في مرحلة التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج عبر مبادرة دعم السينما وتختتم بحفل توزيع الجوائز على المشاريع الفائزة.

ورش سينمائية متخصصة

أما الورش السينمائية فقد قرر القائمون على المهرجان إقامة سبع ورش سينمائية متخصصة وهي على التوالي: ورشة كتابة السيناريو للسيناريست العراقي ناصر طه، ورشة صناعة أفلام الموبايل للمخرج الأردني الدكتور أحمد الفالح، ورشة الإنتاج السينمائي للمنتج الفلسطيني رشيد عبد الحميد، ورشة صناعة الفيلم للمخرج العراقي نوزاد شيخاني، ورشة الإخراج للمخرج المصري أحمد عاطف، ورشة النقد السينمائي.. أساليب وفوائد النقد في السينما بالتعاون مع الاتحاد الدولي للنقاد، إضافة إلى ورشة للسينمائي العراقي نزار الراوي، كما ستتم إقامة ماستر كلاس للمخرج المصري كريم الشناوي والمنتج المصري هيثم دبور، وحفل لتوقيع إصدارات المهرجان التي بلغت 17 إصدارًا في مختلف مجالات الفن السابع بما فيها إصدار عدد خاص عن الدورة الثانية من المهرجان من مجلة "السينمائي".

***

عدنان حسين أحمد

في الرّابع من سبتمبر لعام 2025م، وضمن الأجواء المفعمة بالأدب والفكر في نادي حيفا الثّقافيّ، احتضنت قاعة كنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان الأرثوذكسيّة، أمسية ثقافيّة وأدبيّة، احتفاءً بالأديبة والنّاقدة صباح بشير، وإشهارا لكتابها "نفحات من النّقد"، وقد وثّق الأستاذ فؤاد أبو خضرة تفاصيل هذا الحدث بعدسته الفنّيّة.

افتتح الأمسية رئيس ومؤسّس النّادي، الأستاذ المحامي فؤاد نقّارة، الّذي رحّب بالحضور والضّيوف، هنّأ الأديبة على إنجازها، مستعرضا النّشاطات المستقبليّة للنّادي، ومقدّما شكره للمجلس المليّ الأرثوذكسيّ على رعايته للأمسيات الثّقافيّة.

 تلاه المحامي الأستاذ كميل مويس، الّذي ألقى كلمة موجزة شكر فيها النّادي وإدارته، على اهتمامهم بالمبدعين والأدباء، وأشاد بالنّاقدة بشير ودورها المحوريّ في إثراء المشهد الثّقافيّ وكتاباتها التّوثيقيّة للنّادي، مباركا لها كتابها الجديد.1896 sabah

أدار الحفل وقدّم فقراته بمهنيّة عالية ولباقة واقتدار، الإعلاميّ القدير والشّاعر محمّد بكريّة، الّذي رحّب بالحضور والضّيوف، وقدّم النّاقدة بشير بأسلوب بليغ، كاشفا عن الرّؤية النّقديّة الثّاقبة في كتابها، مقدّما بذلك قراءة تمهيديّة للكتاب، ومعطيا للحاضرين لمحة عن عمق تحليلاتها. وبناءً على طلب الأديب محمود شقير، قرأ بكريّة ما كتبه شقير على الغلاف الخلفيّ للكتاب، ثمّ قدّم المشاركين في المداخلات بما يليق بهم.

كانت المداخلة الأولى للأديب الكبير محمود شقير، الّذي تحدّث بإيجاز عن الكتاب، قائلا: يأتي هذا الكتاب ليؤكّد على تمرس بشير في النّقد الأدبيّ، وموضّحا أنّ رؤيتها النّقديّة تقوم على أساس النّقد البنّاء الّذي يحتضن الإبداع، ويتعامل معه برفق وتفهّم.

تلاه النّاقد د. منير توما، الّذي قدّم قراءة عميقة للكتاب، موضّحا أنّ بشير أبرزت فيه منهجا جماليّا يربط بين اللّفظ والمعنى، والصّورة والتّعبير، كما أنّها تستعين بالرّموز والإشارات الأدبيّة؛ لتعزيز الأفكار والموضوعات الأساسيّة في النّصوص الّتي تتناولها، مؤكّدا أنّ هذا المنهج الإنسانيّ والواعي يقودها إلى قراءة النّصوص وتحليلها من منظور تواصليّ، يجعلها تعقد صلة عميقة بين الذّات النّاقدة والكاتب.

تحدّثت بعد ذلك الأديبة صباح بشير، معبّرة عن شكرها العميق للحضور وللمشاركين على المنصّة، وللنّادي وإدارته على هذه الأمسية الثّريّة. تحدّثت بإيجاز عن كتابها، قائلة: إنّه تجسيد لشغف عميق بالكتابة، وعرض لقراءات تحليليّة لنصوص متنوّعة لامست شغاف روحها، بهدف الكشف عن الجماليّات الخفيّة، وتحليل البنى العميقة للنّصوص، وتبيان الأبعاد الفكريّة والفنّيّة الّتي تُسهِم في بناء المعنى الكليّ للعمل الأدبيّ.

في الختام تمّ تكريم الأديبة بشير والأستاذين كميل مويس وفؤاد أبو خضرة من قبل الأستاذ محيي الدّين كيّال ومجموعة "عشق الوطن يجمعنا"، لتُختَتم الأمسية بالتقاط الصّور التّذكاريّة وتوقيع الكتاب.

وتعزيز الحضور العربي والدولي

تواصل الفنانة التشكيلية فريال الجمالي سلسلة أنشطتها في الساحة الفنية التشكيلية والثقافية التونسية والعربية الدولية وذلك من خلال المشاركة في المعارض الجماعية واقامة المعارض الفردية الشخصية والتي كان أخرها معرضها المتمية بفضاءات دار الثقافة ابن رشيق .

وفي هذا الاطار من الحضور العربي والدولي تنزل الفنانة فريال الجمالي ضيفة على فعاليات تشكيلية عربية ودولية لمؤسسة الدار آرت جاليري وجمعية تتريت المغربية بالتعاون مع وزارة الثقافة المغربية ومسرح محمد الخامس ووزارة الثقافة الاردنية ومديرية ثقافة اربد وذلك ضمن الموسم السادس من المعرض العالمي The Global Brush والذي سيقام في العاصمة المغربية الرباط بالمسرح الوطني مسرح محمد الخامس حيث تقدم أعمالها الفنية التشكيلية كمشاركة من تونس الى جانب مشاركات عربية ودولية. وعن تجربتها تقول الفنانة فريال الجمالي "... كانت البدايات منذ سنة 2009 وقد كانت مركزة في التعامل مع القماشة لتحويلها إلى لوحات فنية تعبر عن جمال وسكينة الطبيعة فيما هو حالم ورومانسي وقد كان ذلك من خلال التعلم في ورشات ونوادي الرسم.1744 firyal

وزاد الشغف بالرسم والفن التشكيلي حيث تلقيت تكوينا من خلال المشاركة في دورات وتدريبات؛ بالإضافة إلى المجهود الشخصي وواصلت تعلمي فيما يخص الرسم الزيتي للفترة بين سنتي 2009و2014 وكانت أولى مشاركاتي حيث قدمت أعمالي وشاركت في ملتقيات ومعارض جماعية.." ومن مشاركاتها نذكر المعرض الشخصي الأول "إيقاعات وبتلات" من 18 إلى 31 جانفي 2025 بدار الثقافة ابن رشيق. تونس والمعرض الجماعي "أنا وخيالي في الكاف العالي" 20 ديسمبر 2024. الكاف، تونس والمعرض الجماعي "the Global brush" الدورة الخامسة. البحرين من 20 إلى 25 أفريل 2025 والدورة الثالثة عشر لل"الشهر الوطني للفنون التشكيلية". 17 مارس 2025. قصر خيرالدين متحف تونس والمعرض الجماعي "حراك إبداعي". الجمعية التونسية لعصاميي الفن التشكيلي. 12 أفريل 2025 والمعرض الجماعي "الملحمة". اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين. قصر خيرالدين متحف تونس 23 ماي 2025 والملتقى الوطني للمبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي. *الركب الثقافي وقصر الرباط المنستير. 26-29 جوان 2025 والمعرض الجماعي لتبادل الثقافي تونس بلجيكيا "Musée art moderne".. جمعية expression art. مدينة الثقافة تونس. 01-07 جويلية 2025 والمعرض الجماعي "الفن التجريدي" بصالون الفنون "الرواق" من 04 إلى 12 جانفي. سوسة, تونس والمعرض الجماعي "الصالون الوطني للفنانين التشكيليين *الشبان" تحت إشراف الإتحاد الوطني للفنانين التشكيليين التونسيين. من 16 إلى 30 ديسمبر 2024, تونس والمعرض الجماعي في الفنون التشكيلية "حوار التراث" تحت إشراف الإتحاد الوطني للفنانين التشكيليين التونسيين. من 10 ماي إلى 15 جوان 2024, برواق يحيى للفنون، البالماريوم تونس والمعرض السنوي لاتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين من 7 إلى 31 مارس لسنة 2024 والمعرض السنوي لجمعية الفنانين العصاميين من 20 أفريل إلى 4 ماي لسنة 2024 والمعرض التونسي للفن المعاصر تحت عنوان "الخطاف" 26 أفريل إلى 15 ماي لسنة 2024 و“سمبوزيوم الورد يوم السبت 18 ماي 2024 بقصر بن عياد بلدية أريانة والمعرض الجماعي للفنون التشكيلية « We st’art » بصالون الرواق سوسة من 30أوت إلى 15 سبتمبر 2024 والمعرض الشخصي الأول سنة 2020 والتظاهرة الثقافية بالمركز الثقافي بالمنزه 6 لسنة 2018 والتظاهرة الثقافية بالمركز الثقافي بالمنزه 6 لسنة 2014 والتظاهرة الثقافية بالمركز الثقافي بالمنزه 6 لسنة2012 ...1743 firyal

و تقول الفنانة عن أعمالها " ...تتمثل أعمالي في تلوينات محيلة الى الطبيعة والمشاهد والورود والمزهريات وغيرها بتقنية الرسم الزيتي...".

أعمال متعددة ومعارض ومشاركات فنية حيث الفنانة التشكيلية فريال الجمالي تواصل السير في طريق الفن الوعرة والممتعة وها هي تشارك في هذا السمبوزيوم الدولي بالرباط النغربية تعزيزا لنشاطها ومزيد اكتساب الخبرات والمهارات الفنية.

***

شمس الدين العوني

عدد من الأعمال الفنية كانت الاطار الثقافي والفني في افتتاح معرض الفنانة التشكيلية ضحى قارة وهو معرض شخصي لها بعد مشاركات فنية متعددة حيث انتظم بفضاءات رواق الفنون بالمركز الثقافي بئر الاحجار ليتواصل الي غاية يوم 05 جويلية2025 وقد تنوعت الأعمال الفنية بين عديد المواضيع وفق عنواتن لافت هو" الطريق الى النور " .

المعرض يتنزل ضمن عوالم الفنانة التشكيلية ضحى قارة قرقني التي تواصل رحلتها مع الرسم والتلوين ديدنها الذهاب عميقا في تفاصيل وأكوان الفن ..تنوعت مشاركاتها في الفعاليات الثقافية والفنية والمعارض التشكيلية حيث تقول عن علاقتها بالرسم "...أحب الرسم، لقد رسمت دائمًا، و أرسم في كل فرصة.إنه عالم سحري يسمح لي بالهروب ونسيان الوقت وكل شيء من حولي.أنا أقضي ساعات كاملة في الرسم دون توقف.فلقد أصبح ذلك مثل عادة يومية ، أكسجين ، ضرورة تمنحني الأجنحة والقوة للمضي قدمًا...تعلمت ذاتيًاو كونت نفسي واكتسبت ثقافة تشكيلية . أنا مدرسة لغة وأحاول أن أشق طريقي بين الفنانين. أحب الرسم وأحاول أن أرى ما يحدث في عالم الفنانين العالميين...".هكذا وبتلقائية الطفولة الكامنة فيها تحدثت عن حلمها الفني وعملها تجاهه لتواصل قائلة "...أنا من عائلة فنانين ، أنا ابنة الممثل رشيد قارة الله يرحمه ،و ابنة أخت الرسام رؤوف قارة ، وكان جدي محمود قارة رسامًا ربما كان الأول في قليبية في هذا المجال...الرسم متنفسي وشغفي ومجالي المحبذ حيث عقجت العزم للذهاب عميقا في دروبه الجميلة...".هي فنانة تشكيلية ولدت في بيئة فنية بين التمثيل والدراما والرسم درست بالمعهد العالي للتجارة ومضت في رحلة السنوات للتدريس لتسافر مع ذلك الى عالم التشكيل الفني وتلقت تكوينا في المجال وفي خصوص الرسم بالأكريليك والرسم الزيتي في سياق عمل نوادي الاختصاص لتتتالى مشاركاتها الفنية الوطنية والدولية ومنها في قليبية وفي سوسة بمهرجان ايلاف الدولي سنة 2023 وفي مهرجان عيد الورد باريانة ضمن ملتقى الفنون الجميلة وضمن المهرجان الدولي للزيتونة والمعرض الافتراضي العالمي ضمن عنوان " الوعي الثقافي " وفي المعرض الافتراضي الدولي للفنون بالبيرو وفي معرض الفن بفرنسا وفي منتدى أجراس للفن التشكيلي وبالمعرض الافتراضي الدولي ضمن نشاط منتدى زهور الأمل للثقافة والفنون وفي ملتقى الفن والحب بسيدي بوسعيد خلال فيفري 2023 وفي ملتقى " الفن يجمعنا " المقام باليمن كضيفة شرف من خلال عرض لعدد من أعمالها الفنية التشكيلية وذلك الى جانب مشاركات فنية أخرى...وصولا الى معرضها الشخصي هذا. في لوحاتها تتعدد المواضيع الفنية بين المشاهد والأمكنة ومنها لوحة بها استذكار للوالد الفنان الممثل رشيد قارة رحمه الله.الفنانة ضحى قارة قرقني تعمل وفق رغبتها الجامحة في علاقتها بالقماشة والتلوين حيث تعتبر معرضها الشخصي ببئر الأحجار مجالا لتبرز من خلاله جانبا من أعمالها في مناسبة لاطلاع جمهور الفن والأروقة على نشاطها التشكيلي هذا الى جانب ما تقوم به من مشاركات فنية في تظاهرات الفنون بتونس وخارجها .المعرض متواصل الى غاية يوم 05 جويلية 2025 حيث تم افتتاحه يوم 13 جوان الجاري بحضور عدد من الفنانين والمولعين بالرسم والألوان والابداع التشكيلي.

***

شمس الدين العوني

عقدت حول مفهوم الثقافة بشكل عام واغتراب المثقف وانسلاخه عن قضايا مجتمعه. تميزت الجلسة بتفاعل كبير لما أثارته من حوار غني ومداخلات نوعية وطرح للأسئلة حول مفهوم الثقافة وأزمة المثقف، شارك فيها كل من: د.مصطفى سبيتي، د.علي نسر، د.داوود مهنا، د.علي بيضون، د.إبراهيم الحصري، د.عبد الرحمن مكّي، الإعلامي د.عماد خليل، الأستاذ نصر الظاهر، الأستاذ أسد غندور، الاستاذة إبتسام كحالة الزعتري، الأستاذ عصام الحر، الدكتور هاني الزعتري، الأستاذ عباس ترحيني والاستاذ بسام سكيني .

عقدت الجلسة مساء يوم السبت 21/6/2025 في دارة رئيس بلدية قناريت المحامي الأستاذ زين خليفة الذي أصر على أن يبقى موعد الجلسة قائما رغم إضطراره للسفر. فأصالة عن نفسي ونيابة عن الأصدقاء المشاركين نتقدم منه بالشكر على حسن الإستقبال والضيافة على أمل ان يكون حاضرا معنا في اللقاءات القادمة. وكانت لي كلمة في بداية اللقاء جاء فيها:

في هذه الظروف الصعبة والإستثنائية يتساءل المرء عن المثقف أين هو مما يجري؟ ما هو دوره في المجتمع؟ وما هو موقفه مما يحدث من حوله؟. لنسأل ونناقش معا ما إذا كان هناك فعلا إغتراب للمثقف عن قضايا مجتمعه؟ فالمثقف لا يستحق صفته إلا عندما يتطابق وعيه وفكره مع دوره الاجتماعي. وقدرته على استنباط رؤية نقدية تمكنه من أداء دوره تجاه القضايا المطروحة . والثقافة ليست في مجموعة نصوص تكتب أو كتب تنشر فقط لتزدان بها الرفوف، أو كتابة مقالات قد لا يقرأها أحد، والكاتب هنا في أحسن الأحوال يمكن وصفه بالمبدع وليس بالمثقف.

لماذا هذه الفجوة بين المثقف والمجتمع، ولماذا هذه العلاقة المضطربة بين المرسل والمتلقي؟ هل هي نتيجة لإغراق المجتمع والناس عمدا من قبل السلطة وممثليها بمجموعة من الهموم الحياتية الضاغطة بحيث فقد معظمهم الأمل بكل ما يقال ويطرح عليهم؟ ام ان المثقف عجزعن فهم لغة مجتمعه فاتسعت الهوة بينهما، فمن دون لغة مشتركة مفهومة يستوعبها الجميع وليس النخبة قد لا تكتمل عملية التأثير والتأثر. وهنا يبرز السؤال :هل كان المثقف في وطننا على مستوى الآمال المعقودة عليه بأن يكون قوة دافعة لأي حراك مجتمعي؟ أم إنه كان غائبًا عن الاضطلاع بهذا الدور؟ هل كان حاضرًا أم غائبًا؟ وإذا كان حاضًرا، فما هي صور حضوره؟ وإن كان غائبًا، فما هي أسباب غيابه؟

وأورد هنا مقتطفات من مداخلات الأصدقاء:

1- الأستاذ دكتور مصطفى سبيتي رأى ان كلمة ثقافة إذا لفظت مجردة تصبح بلا معنى، يجب أن تنعت أو تضاف لنعرف عن أي ثقافة نتكلم، وأيضا كلمة مثقف يجب أن تنعت او تضاف فهناك المثقف الديمقراطي، المثقف الرجعي، المثقف التقدمي وحتى المثقف الديني..والثقافة بكل أنواعها هي حركة الفكر في المفاهيم الإنسانية التي هي في تغير دائم ولو ببطء، وهي حركة تنعكس عن حركة الواقع المادي والإجتماعي. والمثقف هنا هو من يدرك منحى هذه الحركة ويتخذ موقفا منها سواء بقبولها او التصدي لها، وفقا لقناعاته وإن لم يتخذ مثل هذا الموقف لايمكن وصفه بالمثقف.لأن المثقف من طبيعته انه مناضل. ولكي يتحول الإبداع إلى ثقافة يجب أن يوظف هذا الإبداع في خدمة دفع حركة المجتمع إلى الأمام أو التصدي لها وهنا نكون أمام المثقف التقدمي والمثقف الرجعي وكلاهما نحترمه لما يمثلانه من صراع فكري.

2- كلمة الدكتور علي نسر وتعليقاته تمحورت حول التفريق بين العلم والثقافة حيث كثر حاملو الشهادات العلمية في وقت تتراجع الثقافة بشكل مخيف... وهذا ما يستدعي نهضة ثورية تعيد للمثقف دوره النخبوي في رسم وعي ممكن للخلاص بعد أن اصبحت صورة وعينا القائم قاتمة أو ضبابية معكرة... والمازق اليوم، يمكن رده إلى العقلية العربية وما تنتجه، وليس الخلل في ما تقدمه بل ينبغي البحث عما تتركب منه تلك العقلية من مركبات تخلفت عن مواكبة الحياة العصرية...

3- الدكتور داوود مهنا اعتبر في مداخلته مسألة انسلاخ المثقف عن قضايا مجتمعه ظاهرة خطيرة، لأنها تمثّل غياب أحد أهم الروابط بين الفكر والواقع، بين التنظير والحياة اليومية. فالمثقف العربي، في كثير من السياقات، لم يعد صوت الناس، بل صار يكتب لنفسه أو لحلقات ضيقة من النخبة، مستنكفًا النزول إلى ساحة المواجهة.

كثير من المثقفين وجدوا أنفسهم أمام خيارين: التماهي مع السلطة أو الصمت. وخلص إلى أن الحاجة اليوم ليست فقط إلى مثقف يتكلم، بل إلى مثقف يتحرك، ويعيد تشكيل جسور الثقة مع الناس، لا أن يظل معلقًا في أبراج العزلة.

4- الإعلامي الدكتورعماد خليل رأى أن المثقف ليس بالضرورة من يملك حق أو حصرية التعلم والتعليم، فقد يكون المثقف غير متعلم. ولم يكن العقّاد مثلا متعلماً ولكنه أبدع وكان مثقفاً.وربط الدكتور عماد الثفافة بمفهوم الإنتاج والزراعة مشيرا إلى التجربة الماليزية وكيف استطاع مهاتيرمحمد أن يشكل سلطة ينسجم فيها المثقف مع العمل السياسي. ورأى الدكتور عماد ان هناك أزمة حقيقية ومنظومة فكرية تغيرت. وشدد على ان الرهان يجب ان يكون على الحاضر والمستقبل معا من خلال حركة تغيرية ينبغي أن تولد في الجامعات.

5- الاستاذ د.عبد الرحمن مكي تطرق في مداخلته الى الشأن التربوي والتعليمي وسأل ماذا تُخرج المدرسة اللبنانية اليوم؟ "هل نُخرّج أدمغة تحفظ..أم عقولاً تُفكر؟". فمعظم مدارسنا سواء في القطاعين الرسمي والخاص تخرج ما يمكن أن نسميه "جهازا معرفياً أكثر من إنسان مفكّر". والمدرسة اليوم تزرع في الطالب ثقافة العلامة وليست ثقافة المعنى.وشدد في مداخلته على أن التربية كأداة للتغيير الإجتماعي تطال الجميع، مشيرا إلى تجربة ماليزيا التي كان عمادها التربية والتعليم. ولفت الى المادة العاشرة من الدستور اللبناني التي تعتبر ان التعليم حق مشروع للجميع ولا يجوز أن تُمس حقوق الطوائف في أن يكون لها مدارسها ومناهجها الخاصة. وهنا مكمن الخطر الحقيقي.

6- الأستاذ نصر الظاهر رأى وجوب وتوضيح تحديد شخصية المثقف الحقيقي الذي يمكنه أن يساهم في تنمية الوعي العام في ما يقدمه من إبداع فكري أو إنساني...

وتساءل عن موقف الثقافة والمثقفين من مفهوم خاطيء عممتْه قوى سلطة الأمر الواقع كعنوان للإنتخابات البلدية والإختيارية بكونها " خيارا عائليا" .. حيث لم نجد في نشاط الثقافة والمثقفين مَن ينبري لمواجهة هذا المفهوم الخاطئ والقاتل وتصويب الوعي العام لحقيقة الموقف...وامل ان تتولد من إجتماعنا هذا فكرة واقعية لمواجهة الواقع ولو بأحرفها الأولى.

7- مداخلة الدكتورعلي بيضون تناولت النقاط التالية :

-علاقة المثقف ببيئته وقدرته على التأثير وقيادة المجتمع.

- ضرورة ان يتحول المثقف الى مصلح للمجتمع بما يمتلك من جانب معرفي وتجربة تؤهله للعب دور المنقذ وان عملية الاصلاح لا بد ان تكون عبر المصلحين .

- تطور انظمة الحكم عبر نظرية الدورة الدموية للدساتير او عجلة الدساتير التي اطلقها الفيلسوف بوليب وتطور الانظمة التي تأتي وفق ارادة الاكثرية بدون الاعتبار للنخب والمثقفين في عملية الحكم.

- تأثير العامل المادي والاقتصادي على المثقف، واختيار المجتمع والناس للأغنياء الذي يؤثرون في اراء الناس وقراراتهم.

- التحدي الذي يواجهه المثقف من خلال الضغط السياسي والاحزاب لاستمالته او اقصائه في المجتمع.

- جرأة المثقف في تحمل الضغوط ومتابعة اهدافه.

8- الأستاذ أسد عندور رأى أن الثقافة باتساعها وتنوعها أرحب من أن تُحصر في تعريف، وهي بطبيعتها المتحركة الدائمة التغير لا تعرف حدودًا، وبالتالي لا يمكن ظبطها في أطرٍ ثابتة. وتعريفها عند كل شخصٍ أو منطقةٍ أو عصرٍ ينطلق من نقطة اهتمام معينة تعني هذا الشخص أو الفئة أو المنطقة.

والثقافة بهذا المعنى هي إذًا موقفٌ ملتزمٌ ومُلزمٌ لذات صاحبه قبل الآخرين. هذا الإلزام للذات قبل الآخر يحفظ الثقافة ويمنع عنها السقوط في المتاهات.فإذا صارت ثقافتنا موقفًا... فشهادة، تُردم الهوة بين النظري والعملي، وتصبح ممارسة عفوية صادقة متواضعة. والثقافة لا تستحق اسمها إلاّ متى وصلت إلى هذا الحدّ، وكل ثقافةٍ لا تبرمج الموقف فيها ممارسة والتزامًا، كل ثقافةٍ لا تدفعُ بالموقفِ إلى الشهادة، هي ضربٌ من الترف الفكري القائم على انفصام، أو هي ضربٌ من الرياء والكذب على الذات قبلَ أن تكون كذبًا على الآخرين.

9- الاستاذة إبتسام كحّالة ركزت في مداخلتها على أن المثقف الحقيقي هو كما يقال نبي مجتمعه وزمانه والنبوة هنا تعني الحكمة وليس الرسالة الدينية. والمثقف ليس هو الكاتب أو الشاعر بل هو المنتمي إلى النخبة التي نجدها في الإعلام والتعليم. ولكن وللاسف تحولت النخبة في هذا الزمن من ضمير للمجتمع إلى ظلٍ باهت، واصبحت تجيد الإصغاء وتضيء طريق الخضوع بعد إنفصالها عن مجتمعها الذي تمثله ولم تصمد أمام الواقع فهي وإن كانت تدعي تمثيله إلا انها تعلو عليه ولا تضغي إلى نبض الشارع. مما يدعو للتساؤل هل ما زالت النخبة تمثل مرآة لمتطلبات الناس أم هي تتمرد لتمثل السلطة. ورأت أن النخبة لم تعد مطالبة بإنتاج المعرفة النقدية بل اصبحت تنتج الوهم وتشارك في تسطيح الوعي وتعيث بالفكر فساداً. ولم يعد وصفها كقلعة تغيير بل أداة تطبيع للوضع القائم.أصبحت النخبة تدير العجز بدلا من أن تدير الأمل، تحرس المعبد بدلا من أن تعمل على هدمه.

10- الدكتور ابراهيم حصري اعتبر في مداخلته بأن ازمة الثقافة العربية هي موضوع مزمن منذ سقوط الخلافة العباسية وسيطرة الشعوبية على المشهد برمته، ومع سقوط قرطبة ضاع مخزون جم من الموروث الثقافي الأندلسي . كما ان تعدد الولاءات خلق انقسامات حادة في وحدة الثقافة الإسلامية والعربية. ورأى أن ازمة المثقف العربي كانت ولا تزال موقعه من السلطة فالمثقف صاحب مشروع قومي لا يملك كل وسائل تحقيقه الا عن طريق السلطة والمال حيث تتجلى ازمته: الاستيعاب ، المهادنة، أو الصدام. ولأن المثقف يحمل مشروعا وطنيا وقوميا لا تفريط فيه فإن موقعه هو في تلك المسافة بين هدف المشروع ومركز القرار .. وعليه فاختياره المواجهة هو ضمانة لحيوية مشروعه. مشيرا إلى ما يقوله كل من ادوارد سعيد وتشومسكي وميشال فوكو بأن المثقف هو المشاكس وليس المهادن.

ختاما نكرر الشكر لكل من شاركنا أمسيتنا هذه والشكر موصول طبعا لحضرة رئيس البلدية المحامي زين خليفة لرعايته مثلهذه اللقاءات التي ستتابع بعون الله.

***

عفيف قاووق - لبنان

 

مشروع حضاري إنمائي

(ماهي الآليات التي ينبغي توفرها لتحويل الكرسي العلمي إلى جامعة متخصصة وحاضنة أفكار؟)

مشروع الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية هو حاضنة أفكار ومشروع نهضوي ونافذة تطل على العالم، ظهر لأول مرة في الساحة الفكرية الجزائرية ليعيد الاعتبار لروح الأمة لكي تبتدع حضارة رفيعة وتبلغ أعلى مراتبها الفكرية، لقد جاء مشروع الكرسي العلمي مالك بن نبي بعد مشاورات بين أهل الفكر، وخبراء في الدراسات الاستشرافية، من أجل الخروج من ثقافة الاستهلاك والعفن الفكري الذي تعيشه الأمة على حد قول البروفيسور علي حليتيم المدير العام لمركز الشهاب للبحوث والدراسات

الكرسي العلمي مالك بني كغيره من البرامج البحثية  التي تهدف إلى إثراء المعرفة وتطوير الفكر،  لتحرير الإنسانية من فكرة الهيمنة والعبثية،  حيث أعلن عن ولادته يوم 10 مايو 2025، فمالك بن نبي كما قال محاضرون أخرج الأمة من دائرة القابلية للاستعمار وكرس جهوده من أجل تحقيق الإنماء الحضاري، حيث أسس مشروعه في باب واحد سمّاه المشكلة الحضارية، عالج فيها قضايا الفكر العربي والإسلامي، هي مشاريع طموحة  طرحها خبراء في الدراسات الاستشرافية  لتوسيع مشروع الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية  رغن أنه ما يزال  حديث الولادة، وهذه أول خرجة علمية له اختار الطاقم الفكري للكرسي العلمي أن تنطلق من عاصمة الهضاب العليا سطيف، احتضنه مركز الشهاب للبحوث والدراسات  طرح فيها أكاديميون أفكارا تحتاج إلى اهتمام كبيرو إثراء، من هذه المشاريع إنشاء  مخبر بحثي  يضم أربع فرق بحثية، مع إمكانية تحويل الكرسي العلمي إلى جامعة متخصصة في الفكر الحضاري، وهو المقترح الذي قدمه رئيس الكرسي العلمي الدكتور عمار طالبي، هي طبعا مشاريع طموحة تحتاج إلي من يتبناها بصدق ووعي، ودعن مالي وتضامن  من أجل تجسيدها ف الميدان وتكون في خدمة الفكر من أجل الإنماء الحضاري، فالفكر لا يعترف بالتخصص (طبيب أو مهندس أو أديب أو رجل قضاء أو رجل سياسة)  فأهل الفكر هم الذين يعالجون واقع المجتمع ويبحثون في العلل والمسببات لإيجاد الحلول للمشكلات  التي يتخبط فيها المجتمع الفكرية، السياسية، الاجتماعية والاقتصادية بدلا من أن يعيش في ماضٍ  يعيد حياة مقدسية منفصلة عن الواقع وهذه واحدة من مقاصد المفكر ملك ابن نبي.

والكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية يتكون في للوقت الحالي من خمسة أعضاء، وهو الأن بصدد فتح الآفاق لكل المهتمين بفكر مالك بن نبي  مع إصدار مجلة ثقافية فكرية تحت اسم" آفاق جزائرية" وتنظيم ندوات وملتقيات وحوارات تعمل على إعادة نشر فكر مالك بن نبي والدراسات التي أقيمت حوله سواء من داخل أو خارج الجزائر، وقد وضع طاقم الكرسي العلمي مالك بن نبي خطة علمية معرفية محكمة من أجل تقريب فكر مالك بن نبي وتحليله والتفكير بمنهجه  في حل مشكلات تجاوزها التحليل، ولابد من  إخضاعها للتطبيق والعمل الميداني، حتي لا يبقى الإنسان معتمدا على الاستهلاك الفكري العشوائي، بل يحوّل الفكر -إن كان مقتبسا من أمة أجنبية- إلى  فعل حتى يترك بصمته، حسب المدير العام لمركز الشهاب للبحوث والدراسات فإن رسالة مالك بن نبي تعرضت للخيانة لا لشيء إلا لأن مالك بن نبي كان يدعو إلى الأفكار المتحررة من الاستعمار والمحررة للإنسان، وكان يدعو إلى  محاربة ظاهرة القابلية  للاستعمار، وكيف انغمس المسلم في دهاليز الفكر الغربي وتأثر بمفكريه كنيتشه وميشال فوكو، لقد كرّس مالك بن نبي حياته لرسم  وجهة العالم الإسلامي، فكان فكره ثورة  على الاستعمار والقابلية للاستعمار، خاصة وهو كان يرى في التاريخ امما تغير عناصر حضارتها فتعتنق اديانا جديدة  وأمما تتخلى عن معتقداتها، وثقافتها وحتى جنسيتها.

مالك بن نبي لم يتخل عن دوره كمفكر

كان مالك بن نبي يحمل في قلبه هموم أمّة و لم يدخر أيّ جهد بفكره  وقلمه، فلم يترك نظرية أو يضع معادلة إلا وتناولها بالشرح والتبسيط لإثباتها، لحل مشكلات إنسان ما بعد  الموحدين، وفي هذا يقول الدكتور هشام شراد  أن التحرر السياسي لم يرافقه تحرر فكري، ومالك بن نبي عبّر عن تقهقر القوى الأخلاقية، يأتي هذا الكلام في سياق انتقاده  ( أي المحاضر) للإنسان الجزائري وتغيره في مرحلة ما بعد الاستقلال، عندما قال : إن الثائر الذي استعد للاستشهاد، نجده بعد الاستقلال يتسابق مع الانتهازيين والمتاجرة بالقيم الثورية، وبدلا من دخوله مرحلة العقل دخل مرحلة الغريزة، مؤكدا علي رؤيته الفكرية بأن مشكلتنا هي  أننا (الحديث هنا خصه للجزائريين)  لم نحافظ على خطنا الثوري بعد الاستقلال ولم نعمل لمرحلة لما بعد الثورة، مقدما إيران كنموذج حين أسست مجلسا ما بعد الثورة وهو الذي لم تعمل به ثورتنا  وبذلك أفرغت من محتواها، داعيا في ذلك إلى الحفاظ على الخط الثوري.

وقد اثارت هذه التصريحات غضب بعض المشاركين من صناع الثورة وكأن الثورة الجزائرية كانت شكلية، حيث اعتبروها إهانة لهم، خاصة  بعد أن وصف الشعب الجزائري بالساذج عندما شارك في حرب فرنسا ضد ألمانيا، وقال ان الاستعمار ليس ساذجا فهولا ينسحب متقبلا الهزيمة بل  تجده يعود من زوايا أخرى، وهوما جعل الجزائر تسقط في فخ القابلية للاستعمار الجديد، ولعل الدكتور هشام شراد تدارك ما قاله، عندما تحدث عن فقه المرحلة  ليستطرد قائلا:  أن الثورة الجزائرية غيرت علاقة الإنسان بالمجتمع وأعادت بناء العلاقات الإنسانية والاجتماعية وثورة نوفمبر 54 دفعت بالإنسان إلى استئناف دورته الحضارية .

نحو إنشاء مخبر بحثي تابع للكرسي العلمي مالك بن نبي

المخبر البحثي التابع للكرسي العلمي مالك بن نبيو المقترح إنشاؤه  يتولى إدارته الدكتور هشام شراد بحكم ما يملكه من تصور واسع الأفق وباعتبار أن الكرسي العلمي كل شروطه متوفرة،  من أجل النهوض بالمجتمع علميا، وهو يضم أربع فرق بحثية تختص كل فرقة بمجال معين (فرقة تهتم بترجمة أفكار مالك بن نبي، (لأن هناك نصوص لم تتم ترجمتها بعد)، وفرقة تهتم بالدراسات السوسيولوجية، وفرقة تهتم بالجانب السيكولوجي والدراسات التقنية والتربوية، والفرقة الرابعة تهتم  بالمؤسسات التفكيرية البحثية، ما لوحظ أن الخرجة  العلمية الأولي للكرسي العلمي مالك بن نبي لقيت تجاوبا مع ما  تم طرحه من أفكار، خاصة في الجلسة المغلقة، أين طرح  مشاركون أسئلة حول قضايا قيمة لمعرفة ماهي القيمة المضافة لمرحلة ما بعد مالك بن نبي، أمام تفشي الفساد الأخلاقي والسياسي والعلمي والإعلامي والفكري (الجامعي)، جعل الجميع يتراجع إلي الوراء ويميل إلى القطيعة، في الوقت الذي ظهرت طبقات خارج التيار الإسلامي تدافع عن منهج مالك بن نبي الفكري والحضاري في كثير من الكتابات من خلال معالجة إشكالية التخلف خاصة في جانبها الاقتصادي، إذا قلنا أن وحدة العالم الإسلامي منعدمة والمسلمون منقسمون إلي تيارات ويعيشون صراعات طائفية وبات من الصعوبة بمكن تحقيق الوحدة الإسلامية.

***

تقرير علجية عيش

 

أنشئت ـ المدرسة السليمانية ـ بمدينة تونس العتيقة في منتصف القرن الثامن عشر في عهد البايات الحسينيين أما اسم السليمانية فهي نسبة لسليمان أحد أبناء الباي الذي مات صغيرا مسموما فجعل أبوه هذه البناية مدرسة تخليدا لذكراه وظلت هذه المدرسة فضاء لإيواء طلبة جامع الزيتونة وغيره إلى حدود السنوات الأولى من الاستقلال عندما أحدثت الدولة المبيتات الجامعية والمبيتات في المعاهد فتحولت بعدذلك في أوائل الستينيات من القرن العشرين إلى مطعم جامعي ثم صارت تابعة إلى وزارة الثقافة ومعهد التراث الذي يشرف على صيانتها وقد سكنت في المدرسة السليمانية أجيال عديدة من الطلبة التونسيين من مختلف أنحاء البلاد وآوت حتى الطلبة الجزائريين نذكر من ببنهم الرئيس الهواري بومدين وقد تأسست فيها عديد الجمعيات الثقافية بعد الحرب العالمية الثانية من بينها جمعية ابن عرفة سنة 1946التي ما تزال تنشط فيها والتي حاضر فيها عديد الشيوخ والأدباء في قاعتها الكبرى الحالية التي كانت مسجدا نذكر منهم الشيخ الفاضل بن عاشور والأديب محمد العروسي المطوي والشاعر منوّر صمادح وغيرهم  ومن الملاحظة أن هذا الفضاء المعماري الزاخر بالتاريخ يمتاز بخاصية أولى تبدو في بهو بابها الخارجي الذي لا يوجد في بقية المدارس أما الخاصية الثانية التي تمتاز بها المدرسة السليمانية فهى الميضة حيث يجلس عندها الذين يتوضؤون والتي ماتزال موجودة في آخر صحن المدرسة .

إن المدرسة السليمانية فضاء ثقافي زاخر بمختلف الأنشطة الثقافية المختلفة من بينها أنشطة جمعية ابن عرفة العريقة مقصد المثقفين والمبدعين الذين يجتمعون فيها ضمن نادي القراءة ونادي الادب ونادي الفنون وكذلك مجلس الميعاد الذي يلتئم صباح السبت الاوّل من كل شهر وقد نقلت مشكورة الشاعرة زهيرة فرج الله وهي من أعضاء الجمعية وقائع المجلس الأخير في هذه الورقة حيث تقول

الزمان: 14جوان 2025

المكان: السليمانية ـ جمعية ابن عرفة

الميعاد الثلاثون

اجتمع ثلة من الشعراء في الميعاد الشهري لجمعية ابن عرفة فكان اللقاء حميميا مفعما بالشوق والحنين. ما أقرب الأمس باليوم لم تتغير مشاعر الصداقة والأخوة الا بعض شيب أثقل أجنحة المشاعر الجياشة والبسها حلل الوقار.

لقائي بصديقة الشباب والشيب هالة دامرجي ما كان هكذا منذ عشر سنوات لما هاتفتني بعد غيبة سنوات عديدة فرقتنا فيها ظروف العمل ومشاغل العائلة وقد كانت همزة الوصل بيننا صديقة ثالثة من ارقي الاصدقاء وهي اصيلة قابس الأستاذة رفيقة حميدة التي جمعتهما الاقدار وكانت جارتي في المروج وسلمتها رقم هاتفي ،منذ همست الو عرفت صوتها وقلت مستحيل هالة¡¡¡¡¡ وعدنا وكأننا في العشرين بين مدارج كلية الزيتونة وغرفة المبيت الجامعي باردو الثاني إذ كنت ادخل ليلا خلسة فأنا مقيمة في باردو الأول

كم كنت افرح لما اسمع هالة ضاحكة نشوى وانا ازيل من علي كتفيها أعباء الحياة واشجعها علي إفراغ جعبة الألم والتعب في عقد الياسمين واللؤلؤ

وهكذا جمعت تلك الحبات والزهرات في مجموعتين شعرتين: همس الياسمين ولألئ الانعتاق

كان موعد الميعاد الشهري في جمعية ابن عرفة حقا وبامتياز ميعاد الشوق والحنين فيه التقي الأستاذ سوف عبيد بصديقه الشاعر هشام الدامرجي وقد جمعهما الحرف من أربعين سنة وسطرا كليهما مسارا زاخرا بالابداع .

بداية اللقاء كان مع الشاعر سوف عبيد الذي رحب بضيوفه علي انغام ناي رشيد بن جوهرة ثم أحال الكلمة إلى الشاعر هشام الدامرجي ليعرف بالمجموعة الشعرية لهالة الدامرجي في ورقة نقدية موجزة بان من خلالها مدى اعتزازه وفخره ببنت العم الذي كان مواكبا لأولي خطواتها في درب الشعراء. جعل الشاعر والناقد هشام الدامرجي عنوانا لورقته النقدية: لآلئ الإنعتاق والبحث عن الحرية التي تناول فيها المنجز الشعري لآلئ الإنعتاق لهالة الدامرجي

اعتبر الناقد نفسه من أقرب الناس إلى الشاعرة ليس فقط قراب دموية بل قرابة فكرية وجدانية التقت فيها هالة بالدرب الذي سلكه ابن العم الذي كان يتبع خطاها مرشد اومشجعا

ذكر من الطرائف صدرت عن صديقه الحبيب بن فضيلة الذي علق علي محاولة أرسلتها هالة الي بعض الجرائد يقول فيها عليك بفلان مشيرا الي اسم الشاعر هشام الدامرجي،

يؤكد الناقد والشاعر هشام الدامرجي ان هالة ليست من اللذين هبطوا الي الساحة الشعرية صدفة وهذا ما يصدق علي مقولة يولد الشاعر شاعرا فالشعر في حياة هالة عنصر أساسي رافقها مطالعة وكتابة ومحاولة للتجاوز دون حرج طلب الرأي والنصيحة.

ان قصائد الحب في الحقيقة مراوغة للحزن والإغتراب والبحث عن ربيع الحرية في خريف العمر: تقول الشاعرة

افتح يديك

دع العصفورة تطير

اتركها تطير

فالربيع علي الأبواب

دعها تمرح بين الحقول

وتتنشق شذى الزهور

لقد حاولت الشاعرة وقد بان هذا لمتتبع مسيرتهاالشعرية إخفاء الحزن والشجن داخلها غير أن القصيدة فضحته. تقول الشاعرة

لا مكان يأويني

لقد جف الحبر في قلبي

وباتت كلماتي يتيمة

ابحث عن حضن قصيد

وباتت ارض قلعتي

مبللة بدموع الفقد

اسلوبيا وجدت هالة في النثر انعتاقا من قيود الموزون. فقد اختارت عن قناعة هذا النوع من الشعر فيكفيها قيود سجنها التي اعتادت عليها واستعذبت قضبانه التي قبعت خلفها في انتظار ما لا يأتي. تقول الشاعرة

اعتدت سجني

واخشي ان افارقه.

قرأت هالة من مجموعتها قصيدة علي بحر البسيط كانت شاركت بها في مهرجان للشعر الموزون بمهرجان ـ عميرة الحجاج. وقد استحسن الشاعر سوف عبيد الورقة النقدية التي قدمها الشاعر هشام الدامرجي مشجعا لهالة ومتمنيا لها بالتوفيق في مسيرتها.

الضيف الثاني المحتفى به هو الشاعر الخلوق ميلاد محمود ميلاد الذي آثار الإشكالية المطروحة في منجزه الشعري &مشاعر& الاستاذ الناقد والشاعر المتميز معمر الماجري وقد اختار للشاعر ان يقرأ قصيدة بعنوان قيود البحور ويعلن من خلالها مدى تمكن الشاعر ميلاد ميلاد من ادواته التي حفر بها عميقا في مشاعره فكان هذا الإصدار المميز مشاعر الذي صدر في مارس2025.

يقول الشاعر والناقد معمر الماجري انه واكب هذا المنجزمذ كان مشروعات فواجع لغته وعروضه،وقد تمكن من سبر انوار الشاعر واكتشف اسرارا خفية لفشت سترها أبياتا فرت من أعماق الشاعر وحلقت صوره البديعة فالتقطها الشاعر معمر الماجري بعين الناقد المتمرس القادر علي قراءة ما ببن السطور وتحتها غير عاجز عن فك طلاسم قد سعى الشاعر ميلاد ميلاد الي أحكام قيودها مستندا الي أساليب بلاغية عديدة، ان الشاعر ميلاد ميلاد مدرك وواع بما يسطر قلمه وهذا ما يؤكده الناقد معمر الماجري في قوله&... مضمون نصه او بنيته وأساليب فانك لايمكن لك الا ان تصنفه ممن يعي مل يقول& والدليل نص ص77\78بعنوان قيود البحور والقصيده الثانية بعنوان فك قيدي. فعنوان الكتاب مشاعر مأخوذ من هذا البيت في هذه القصيدة

إنما الشعر مشاعر والمسكوت عنه في هذه الجملة والتي أثارت فضول الناقد معمر الماجري فطرح عدة أسئلة منها :

فهل يلغي الشاعر حقا اي معني اخر للشعر كان نقول على رأي البعض الشعر وزن اولا يكون او القول الشعر بلاغة او القول الشعر خيال علي رأي القدامي أعذب الشعر أكذبه اي أكثره خيالا وقد كان الفن حاضرا أيضا في هذا المجلس الأدبي فبين الفينة والأخرى أطربتنا الصديقة نجوي بن علي بصوتها الرخيم علي ترانيم ناي الفنان رشيد بن جوهرة

أما الحصة المخصصة للقراءات فقد تولي تسيرها الدكتور رضا الماجري فكانت على التوالي بمساهمة الشعراء

زهيرة فرج الله

منصورة عمر

فايزة دامرجي

محبوبة الخماسي

هشام الدامرجي

هالة الدامرجي

ميلاد ميلاد

معمر الماجري

سوف عبيد

وكان مسك ختام مجلس الميعاد الثلاثين بالعزف والغناء وتكريم الضيوف الذين أسندت لهم الشهائد التكريمية

*** 

سوف عبيد

ضيّفت أكاديمية الفنون والتراث العربي بلندن عازف الپيانو المايسترو سلطان الخطيب في أمسية ثقافية وفنية انضوت تحت عنوان "للسمفونية حكاياتها". وقد قدّمه وأدار الندوة الناقد الأدبي والفني عدنان حسين أحمد. وبعد التعريف بالمُحاضِر وقراءة سيرته الذاتية والإبداعية تمّ عرض بعض الفيديوهات التي تتحدث عن المحاور الثلاثة للمحاضرة وهي"القيثارة السومرية"، وقصة أورفيوس وأوريدچة التي تأثر بها الموسيقار والمُلحن وعازف الپيانو الألماني الشهير لودڤيك فان بيتهوڤن تناول فيها طفولته وصباه وتأثره بقصة أوريدچة أو "يوريدايس"، كما تناول في هذا المحور السمفونية الثالثة التي غيّر اسمها من ناپوليون پوناپرت إلى "البطولة- في ذكرى رجل عظيم" كما تطرّق إلى السمفونية التاسعة التي ألّفها بيتهوڤن وهو أصمٌّ تمامًا. أمّا المحور الثالث والأخير فقد كرّسه للروائي الياباني هاروكي موراكامي، صاحب "مطاردة الخراف الجامحة" و "الغابة النرويجية" و "إيتشي كيو هاتشي يون" وما سواها من أعمال روائية وقصصية قرأها الخطيب بإمعان لأنها تتوفر على موضوعات موسيقية لافتة للانتباه. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ زيارة المايسترو إلى المتحف البريطاني قبل يوم من بدء المحاضرة ولقائه بالدكتورة نورا الگيلاني التي تشغل منصب أمين المجموعات الإسلامية، العالم العربي، قسم الشرق الأوسط في المتحف البريطاني بلندن حيث أخذته بجولة نوعية وتوقفت معه طويلًا عند القيثارة السومرية التي أثارت عنده شجونًا كثيرة. وعلى الرغم من أنه مختص بالموسيقى الكلاسيكية الغربية على وجه التحديد إلّا أنه كان يردّد دائمًا بأنّ أصول الموسيقى الكلاسيكية موجودة في حضارة وادي الرافدين. يؤكد الخطيب بأنّ القيثارة السومرية هي آلة وترية تتميّز بصناعتها المتطورة جدًا وتختلف كثيرًا عن صناعة الآلات الموسيقية البدائية القديمة مثل الطبل والناي وما سواهما من الآلات التي لا تحتاج إلى تقنيات ومهارات عالية. أشار المايسترو أن عظمة القيثارة التي عثر عليها المنقبّون سنة 1922م تتميز بصندوقها الصوتي الذي يعتبره اكتشافًا متقدمًا جدًا ولولاه لما كان لدينا اليوم آلات موسيقية مثل الكمان أو الگيتار أو الچلو أو أية آلة وترية أخرى. فالقيثارة لها فضل كبير على كل الآلات الموسيقية الأخرى في العالم.1523 ahmad

القيثارة السومرية.. تحفة فنية ساحرة

توقف الخطيب عند تقسيم القيثارة إلى ربع بثلاثة أرباع مع الصندوق الصوتي، واعتبر العمودين غير المتوازيين من أهم الابتكارات التي تلي الصندوق الصوتي لتثبيت الأوتار الأحد عشر التي تلتقي في نقطة محددة لتركيز الصوت. فلا غرابة أن يتساءل المايسترو دائمًا: كيف صنع السومريون هذه الآلة الساحرة ولا بد أن الموسيقى قد وصلت إلى مرحلة متقدمة في ذلك الوقت حيث أبدع المهندسون والمصممون والحرفيون في كل شيء بدءًا من صناعة الوتر، وقوة الشدّـ مرورًا بتصميم الشكل المُرهَف، وانتهاءً بنوع الخشب. لا يكتفي الخطيب بما يقرأه ويطلّع عليه من معلومات دقيقة وإنما يجترح تفسيراته وتصوراته الخاصة فهو يرى أن رأس الثور في القيثارة السومرية يرمز إلى قوة الموسيقى وتأثيرها الكبير على المجتمع. تبدو القيثارة السومرية وكأنها تحفة فنية شديدة الإتقان. علمًا بأنّ لكل آلة كرسيها الخاص بها. توقف الخطيب عند أحد الألواح الذي يعود تاريخه إلى 2600 سنة ق.م يشير إلى أنّ حضارة وادي الرافدين هي الحضارة القديمة الوحيدة التي تمتلك فرقة موسيقية كاملة. أمّا الفراعنة واليونانيون والصينيون فلديهم عازفون ثنائيون أو ثلاثيون في أفضل الأحوال. فالمجموعة الأولى في الريليف تضع أصابعها على الوتر الثاني، والمجموعة الثانية تضع أصابعها على الوتر الثالث، والمجموعة الثالثة تضع أصابعها على الوتر الأول والرابع. وهذه ليست مصادفة وإنما هي موجودة في الفرقة السيمفونية فهناك كمان أول وكمان ثانٍ، وچلو أول وچلو ثانٍ. أمّا الناس الذين يتقدمونهم في الأمام ويرفعون أقدامهم بمستوىً واحد فيمثلون الإيقاع، وهذا يعني أنّ هناك تعدد صوتي، وإيقاع، وهذا ما يسمّيه الباحث بسمفونية وادي الرافدين.1524 ahmad

أصوات الأقراط الذهبية

يعرف المقرّبون من الخطيب أنه عاد إلى بغداد عام 1990 وبقي هناك حتى عام 1996م بعد أن أكمل دراسته في أكاديمية "فرانس ليست" للموسيقى ببودابست. وذات مرة حضر ندوة للدكتور مؤيد سعيد، رئيس هيأة الآثار العامة. وقد ورد في متن المحاضرة بأنّ هناك أدوات تُصدر أصواتًا جميلة تعود إلى 2500 سنة تقريبًا حيث تمّ اكتشاف 23 قرطًا في نهاية الثمانينات تعود للحقبة الآشورية. وكانت هذه الأقراط بحالة جيدة بعد أن تمّ غسلها بالماء والصابون لأنّ الذهب لا يصدأ. ومن الطبيعي أن ينتبه المايسرو إلى كلام المُحاضر وهو يتحدث عن الأصوات الجميلة التي تُصدرها هذه الأقراط الذهبية. فقرر على وجه السرعة أن يقوم ببحث يتضمن تحليل هذه الأصوات، وما هي المناسبات التي يرتدي فيها الملوك الآشوريون هذه الأقراط؟ فلكل قرط مناسبة كأن يشترك الملك بمناسبة دينية أو يخرج للصيد أو يقابل شخصية مهمة أو يتجه للحرب كما تشير الألواح الطينية التي تعود للحقبة الآشورية. ونظرًا لأهمية هذا المشروع فلقد رفع الطلب إلى وزير الداخلية السابق وطبان ابراهيم الحسن، الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي السابق صدام حسين وقد تمت مقابلته من قبل ثلاثة مختصين وهم على التوالي: المايسترو سلطان عبد الغيور الخطيب، والفيزيائي محمد منير عدنان القاضي، والمهندس الإليكتروني حيدر رمزي حميد الذي كان طالب ماجستير يدرس الأليكترونيك في حينه. كما بعث وزير الداخلية من جهته شخصًا يُدعى طالب عبد سالم الذي يرجّح أن يكون عنصرًا أمنيًا أو مخابراتيًا تقتضي وجوده هذه الحالة الحسّاسة رغم أنّ وطبان رمى الكرة في ملعب  الملا حويش، محافظ البنك المركزي العراقي وقال إنه يحتفظ بهذه الحُلي والتحف الأثرية التي لا تُقدّر بثمن. ومع ذلك فقد رفض الملا حويش هذا الطلب بحجة مجيء لجنة خاصة من دائرة الآثار كي تقوم بفتح الخزانات والصناديق الحصينة المختومة بالشمع الأحمر. وعلى الرغم من الجهود الجهيدة التي بذلها المايسترو وزميليه الآخّرين إلّا أنّ جميع محاولاتهم باءت بالفشل الأمر الذي اضطره إلى التوجّه إلى مجلة "ألف باء" وتضمين الحوار الذي أجراه الصحفي سيف الدين سلبي كل المعلومات التي تتعلق بهذا المشروع وقد خرج الحوار تحت عنوان"في أول بحث من نوعه في العالم . . فكّ لغز الأصوات الموسيقية الآشورية" لكي تبقى هذه المعلومات المهمة كتاريخ محفوظ في أضعف الأحوال. ومن حسن الحظ أنّ الدكتورة نورا عبدالرحمن الگيلاني قد طمأنت الخطيب بأنّ هذه الأقراط ما تزال موجودة في البنك المركزي العراقي ولم تُسلّم إلى المتحف العراقي. وقد وعدنا الخطيب أن يحاول مرة أخرى لاستكمال المشروع الذي بدأه في أوائل التسعينات من القرن الماضي. تطرق المايسترو إلى الفروقات العلمية الكبيرة في معرفة القيراط والسبائك الذهبية التي يتوصلون إليها بواسطة الحكّ أو الخدش في العراق بينما وصلت الاكتشافات العلمية الحديثة إلى معرفة الخارصين أو الزنك وغيرها من المعادن بواسطة الطيف الصوتي. وقبل أن يطوي هذه الحكاية الشائقة ارتأى المايسترو أن ينقلنا من العالم الآشوري الموغل في القدم إلى عالم بيتهوڤن المليء بالحكايات الغريبة والشائقة في آنٍ معًا.1525 Beethoven

العازف الأصمّ الذي بهر الناس

وُلد بيتهوڤن في مدينة بون في 17 ديسمبر 1770م. وقد ظهرت موهبته الموسيقية في سن مبكرة جدًا. درس الموسيقى على أيدي موسيقييَن مشهورَين وهما والده العازف والمغنّي يوهان ڤان بيتهوڤن ومؤلف الأوپرا المعروف كريستيان غوتلوب نيفه. كما درس الموسيقى لاحقًا مع موزارت، وأصبح صديقًا لجوزيف هايدن. ثم انتقل إلى ڤيينا سنة 1792م وبقي فيها حتى وفاته في26 مارس م1827. ثمة معلومات متفرقة أوردها الخطيب في محاضرته من بينها أنه الشخصية الموسيقية التي كُتب عنها الكثير سواء في حياته أو بعد وفاته. وحينما بلغ سن الثالثة عشرة رُسِم له أول پورتريه فني. كما أنّ شخصيته الثورية المتجددة قد أثرّت عليه وعلى قراراته الحياتية اليومية إذ غيّر سكنهُ، كما يذهب المحاضر، سبعين مرة خلال أربعين عامًا؛ أي بمعدل ستة أشهر في كل بيت. المعروف عن بيتهوڤن أنه كان أطرشَ لكنه، في حقيقة الأمر، تعرّض في أواسط حياته، إلى مرض في أذنه، ثم بدأ يفقد السمع تدريجيًا. وكان يستعين بأدوات وأجهزة طبية تُعتبر غريبة الشكل في هذه الأيام لكنها كانت الوسيلة الوحيدة التي يستعملها لتحسين نوعية السمع. وفي الربع الأخير من حياته فقدَ السمع تمامًا وأصبح أصمَّ لكنه ألّف أعظم أعماله الموسيقية التي خلّدته إلى يوم الناس هذا. كما أشار الخطيب إلى الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي نشرتها إحدى الصحف الروسية التي تُعتبر من النوادر لأنها الصورة الوحيدة التي أُرشفت لبيتهوڤن.

تأثر بيتهوڤن بقصة أورفيوس وأوريديچة الأغريقية؛ إذ ألّف الكونسيرتو الرابع للپيانو والمقطع الثاني المبني على هذه القصة التي استحوذت على اهتمام الكثير من الموسيقيين والفنانين التشكيليين العالميين وتعتبر أول أوپرا في تاريخ الموسيقى. أخذ بيتهوڤن مقطعًا من حوار أورفيوس مع الآلهة الأغريقية وحاول أن يُقنعهم بإرجاع حبيبته أوريديچة من الموت أو العالم السفلي إلى الحياة مرة أخرى. فالأوركسترا تمثل الآلهة الأغريقية والپيانو هو أوفيوس نفسه. كل الآلات تمثل الآلهة الأغريقية الغاضبة أمّا أورفيوس فهو هادئ حزين ويتوسل لأكثر من مرة. وبحسب القصة الأغريقية فعندما يغني أورفيوس كانت جميع الحيوانات تجلس وتنصت إليه، وقد جسّدت العديد من اللوحات التشكيلية العالمية هذه المَشاهد. وقد أشار الخطيب إلى أنّ بعض اللوحات رُسم عليها الجمل في إشارة واضحة إلى التأثيرات الشرقية على الفنون العالمية. ويمكن التعرّف على أورفيوس في اللوحات العالمية من خلال آلته الشهير الهارپ التي كانت تلازمه أنّى حلّ أو ارتحل سواء أكان نائمًا أو متواجدًا مع الناس أو مع الحيوانات. ويشير الخطيب إلى أنّ أغرب لوحة حديثة رُسمت لأورفيوس هي للرسّام الإيطالي جورجيو دي كيريكو. وبعد الحوار القصير سوف تغيّر الآلهة رأيها وتنتقل من الشدة والعنف إلى الليونة والقبول ويتمكن أورفيوس من النزول إلى العالم السفلي ويصعد ثانية بصحبة أوريديچة إلى الحياة. لم تحصل هذه الموافقة إلّا بشروط قاسية جدًا من بينها ألّا يلتفت إلى الخلف وألّا ينظر إلى أوريديچة مهما حصل، وإذا التفت فإنه سيكون في عداد الموتى. يقول الخطيب لو عدنا إلى أصل الأساطير الأغريقية وأسلوبها الأدبي المبني على الخرافة ومغزاها الفلسفي فسوف نستنتج أنها تفسير لظواهر الطبيعة. كما تناول سؤال الموت الذي أرّق البشرية منذ الأزل وسوف يظل يؤرقها حتى الأبد. وأنّ قصة أورفيوس تتمحور على هذا السؤال المحيّر الذي يعني من بين ما يعنيه أن لا عودة للحياة بعد الموت. وحينما وضعت الآلهة الأغريقية هذا الشرط القاسي الذي يتمثل بعدم النظر  إلى الوراء كانت متيقنة بأنّ أورفيوس لن يقاوم حتى النهاية لأنه يتحرق شوقًا لرؤية حبيبته أوريديچة. لم يقتبس بيتهوڤن القصة كما هي عليه وإنما غيّر النهاية الحزينة التي بلغ عمرها ألوف السنين وحوّلها إلى نهاية سعيدة لينقذ هذا الحُب الأسطوري. كانت أوطأ نوطة للآلهة وهي تعلن قبولها وسوف يُنهي أورفيوس الأوپرا بأعلى نوطة. ويفسر الخطيب هذا الاختلاف في النوطات بعد أن يُحلل شخصية بيتهوڤن الذي مرّ بقصص عاطفية كثيرة لكنها باءت بالفشل جميعًا. وهذا التغيير الذي أحدثهُ في النهاية هو تعويض له عن الحُب الذي انتظره طوال حياته.

شهادة تُثلج الصدر

يتلقى الخطيب بين آونة وأخرى إشادة من هنا أو هناك للجهود التي يبذلها في أبحاثه القيمة من بينها ما قاله عازف الپيانو  وقائد الأوركسترا دانييل بارنبويم حينما رأى أحد الفيديوهات التي أعدّها الخطيب وقد بعث  الرسالة الآتية يقول فيها:

"سيدي العزيز،

منذ مدة قريبة، أتيحت لي فرصة مشاهدة فيلم وثائقي عن الحركة الثانية من كونشرتو الپيانو الرابع لبيتهوڤن، من إعداد وتطوير عازف البيانو سلطان الخطيب. في هذا البرنامج الغني بالمعلومات، يُبدع السيد الخطيب في تقديم عمل موسيقي معقد وخلفيته للجمهور العادي. بناءً على خبرتي الشخصية كعازف وقائد أوركسترا ومعلم، أعلم أن هذا يمثل تحديًا هائلاً يتقنه السيد الخطيب بثقة، حيث يؤدي بنفسه مع أوركسترا يريفان السيمفونية الدولية، وتُتيح تعليقاته وتحليلاته لجمهور أوسع فهم موسيقى بيتهوڤن وتقديرها على مستوى أعمق. وهو يفعل ذلك بأسلوب شائق للغاية، وقد استمتعت به كثيرًا. أود أن أهنئ سلطان الخطيب على إنجازه، وأتمنى له التوفيق في إنتاج المزيد من الحلقات الممتعة والتثقيفية التي حظيتُ بشرف مشاهدتها"مع خالص التحيات. ". والرسالة مذيلة بتوقيع قائد الأوركستر دانييل بارنبويم.

 أعرب الخطيب عن إعجابه بعدد من المؤلفين الموسيقيين والروائيين من بينهم الموسيقار النمساوي غوستاف مالر والروائي الياباني هاروكي موراكامي وقد قرأ لهذا الأخير أكثر من عشرين رواية بعضها بعدة أجزاء ولعل السبب الرئيس في الإفراط بقراءة هذه الأعمال الروائية هو أنّ الروائي يتطرق إلى الموسيقى في غالبية رواياته ويتحدث عن الآلات الموسيقية مثل الكلارنيت والچلو والپيانو وما إلى ذلك أو يربط رواياته بأوپرا "دون جيوفاني" لموزارت. ويبدو أن الخطيب منهمك في قراءة هذه الأعمال الروائية لموراكامي ودراسة وتحليل الأعمال الموسيقية التي يتعالق معها. وفي نهاية المحاضرة أثار الحاضرون بعض الأسئلة التي أجاب عليها المايسترو بصراحة تامة وأريحية قلّما تتوفر في الندوات والأماسي الفنية والثقافية.

***

عدنان حسين أحمد - لندن

لمهرجان سوس الدولي للفيلم القصير بأيت ملول

أسدل الستار، مساء الأربعاء 07 ماي 2025، على فعاليات الدورة السابعة عشرة من مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير، التي احتضنها المركز الثقافي لأيت ملول. وقد نظمت هذه الدورة من طرف جمعية محترف كوميديا للإبداع السينمائي، بشراكة مع جماعة أيت ملول، وبدعم من مجلس جهة سوس ماسة، جامعة ابن زهر، المركز السينمائي المغربي، والمركز الثقافي لأيت ملول، وذلك تحت شعار: "السينما وقضايا الأسرة".

شهد حفل الافتتاح لحظات مميزة، أبرزها الكلمة الرسمية التي ألقاها المدير الفني للمهرجان، الدكتور عبد السلام دخان، باسم إدارة المهرجان أكد فيها على تطور الابداع السينمائي بأرض سوس بشكل خاص، وأهمية خلق منصات لتبادل الخبرات والتجارب في الفنون البصرية. وتم توقيع اتفاقية شراكة بين إدارة مهرجان سوس، ومهرجان1442 carnival

موليز بإيطاليا، وأكد الأستاذ إبراهيم حنكاش باسم إدارة مهرجان سوس على أهمية الشراكات في خلق الدبلوماسية الموازية، وخلق جسور للحوار والتواصل بين سينما الجنوب وسينما المتوسط. وعرف الحفل الختامي فقرة فنية موسيقية رفيعة أبدع فيها الموسيقار الفنان عبد الفتاح نكادي. وقد عرفت المسابقة الرسمية مشاركة 21 فيلماً قصيراً، توزعت بين الروائي والوثائقي، وتم تقييمها من طرف لجنتين متخصصتين: لجنة تحكيم الفيلم الروائي القصير، برئاسة الناقد خليل الدمون رئيس جمعية نقاد السينما بالمغرب، وعضوية كل من المخرج العراقي الألماني نوزاد شيخاني والناقد المغربي مبارك حسني.

لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي القصير، ترأستها الأكاديمي محمد العناز، وضمّت الفنانة خديجة عدلي والسينمائية الإيطالية باولا تاليفي.

تميزت هذه الدورة ببرمجة غنية شملت عروضا رسمية، دروسا سينمائية، توقيع اعمال سينمائية للكاتب حسن نرايس، وأعمال جديدة للناقد السينمائي محمد بكريم، إلى جانب ثلاث ورشات تكوينية في مجالات الفيلم الوثائقي من تأطير المخرج التونسي مروان الطرابلسي، ورشة الإنتاج والتوزيع تأطير المخرج السينمائي العراقي الألماني نوزاد شيخاني، وورشة السرد السينمائي تأطير الدكتور محمد العناز. وندوة علمية حول السينما وقضايا الأسرة برحاب كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية ابن زهر ايت ملول بمشاركة نخبة من الأكادميين والسينمائين.1443 carnival

الجوائز الممنوحة خلال حفل الاختتام:

فئة الفيلم الروائي القصير:

الجائزة الكبرى "نور الدين الصايل": فيلم إسكافي الجنة (العراق) – إخراج: حيدر حسن طالب

جائزة لجنة التحكيم: فيلم L'artiste (المغرب) – إخراج: رشيد اعنطري

جائزة السيناريو "عبد القادر اعبابو": فيلم إيجابي (سوريا) – إخراج: رامي نضال

فئة الفيلم الوثائقي القصير:

الجائزة الكبرى "حسن بديدة":

 فيلم 303 سماحة (مصر) – إخراج: كريستينا نبيه رياض

جائزة سوس للإخراج: فيلم صوب الضوء (لبنان) – إخراج: قاسم اسطنبولي

جائزة سوس للتصوير السينمائي: فيلم AMRROY (المغرب) – إخراج: يوسف بوسمو

كما نوّهت لجنة التحكيم بفيلم الجانب الآخر للجمال (إنتاج مغربي سوداني) للمخرج سامي سيف، لما أظهره من حساسية فنية وتناول إنساني لقضية جمالية عابرة للحدود.

وقد اختتمت فعاليات المهرجان في أجواء احتفالية مفعمة بروح التقدير للفن السابع، تأكيدًا على قدرة السينما في مساءلة القضايا المجتمعية، وعلى رأسها قضايا الأسرة، ضمن رؤية تنموية وثقافية متجددة.

وتقرأ كتابه الجديد " في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة .."

قال ادريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض، أن كتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة.." للإعلامي مصطفى غلمان، هو نتاج بحث وتجربة، يخوض فيها الكاتب رهانا حول أسئلة الرهن الإعلامي والرقمي، مستجليا حدود التقاطع بين المحمولات الإلكترونية وتبعاتها في تشكيل الوعي المجتمعي الجديد، وتحولاته القيمية المتسارعة.

وأكد الدكتور لكريني، خلال مداخلة ألقاها بمناسبة الاحتفاء بمؤلف الإعلامي والباحث الدكتور مصطفى غلمان، في المجلس الفكري الذي نظمه الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بمراكش، يوم السبت الثالث من ماي الجاري بمراكش، على أن الأسئلة العميقة المعنية بهذا الرهان، تستكشف من صميم الواقع وتربته، مجموعة من الأنساق المعرفية التي ساقها الكاتب خلال رحلته مذ تفكيكه لرؤى سوسيولوجيا الاتصال الثقافي، من خلال توصيفه مجمل أشكال الثقافة الإعلامية ومحتويات الأخير وسؤال التجنيس واصطراع الحدود بين ما يسمى بالمؤثرين الجدد وصناع الرأي الكلاسيكيون.

وتحدث لكريني أيضا، عن هموم المؤلف الفكريةّ، مستدلا بمشكلات الهوية وأنساقها وتقاطعاتها، مبرزا بعض مداخل هذه المقاربة التي "كانت تعني بالنسبة للكاتب، مجالا لتطوير العلاقة بين المنظومة الأخلاقية ومآزقها في سيرورة التأثيرات الجديدة لعوالم التكنولوجيا الشبكية ومثاراتها الخطيرة واستفهاماتها المقلقة.1435 mustafa

وحول منهجية الأكاديمي للكتاب المحتفى به، حاول الصحافي والكاتب عبد الواحد الطالبي، خلال تقديمه لقاء، تسليط بعض الأضواء حول الرهانات الكبرى للأسئلة المثارة بقدر كبير من التأصيل للنظرية الأخلاقية لوسائل الإعلام، وانتقالاتها في الراهن الإعلامي الدولي والإقليمي، من "حجية الإخبار" و"صدقية الإبلاغ" إلى "مجابهة الأيديولوجيات العابرة" و"الانحيازات الثقافية المتجاسرة".

من جهته خصص الباحث الدكتور عبد الحكيم الزاوي، قراءة علمية واعية بسياقات الكتاب ودلالاته، كاشفا في توطئة حول الاقتصاد السيبراني، من معركة البندقية إلى معركة الكاميرا، كيف استطاع الباحث غلمان الترافع عن قضايا كبرى، تتعلق بالقارئ، " لتقديم قراءة حول الأسس السوسيولوجية التي تتأسس عليها الأنماط الإعلامية في عالم اليوم"، متحدثا عن "التباسات مجتمع الإعلام في عالم مسكون بفكرة الصراع والمحو ونفي النفي" متسائلا :" كيف يعبر الإعلام من مستوى التوثيق والتدوين والاستقصاء إلى مستوى الاستدلال وتعميق رؤية البشر للأشياء على حقيقتها؟".

وشدد ذات المتحدث، عن أن الدكتور غلمان "ينبهنا إلى أننا نصدر من واقع عام يرسم هوة جيلية، بين جيل سابق لا يزال يحن إلى الإعلام الكلاسيكي، وجيل حالي غارق في الإعلام الرقمي الجديد، وبين الجيلين"، يضيف الباحث الزاوي، "يرتسم جدار فاصل يجب فهمه أولا، والتفكير في تفكيكه، يتعلق الأمر بسديم بشري يعرف انحدارا في القيم وهبوطا متسارعا في المعايير والأطر الاجتماعية للأخلاق..".

أما القراءة التي أعقبت هذه الاضاءات، فقد جاءت على شكل دوائر سير ذاتية وأخلاقية، أبرز فيها كاتبها النقيب الأستاذ عمر أبو الزهور، اللانهائي في أخلاق المعرفة والإبداع، عند الكاتب والأكاديمي مصطفى غلمان، حيث ينبض الفكر بالرهق الإشكالي، وتتوافر الأسئلة على طول الزخم الذي يشاطر المبدع أحلامه، "في المعنى قبل الانكتاب"، وفي "اتساع التجربة قبل تصريفها والاستحواذ على بياناتها ودلالاتها.

وأضاف النقيب أبو الزهور، التي أحب أن "يتحدث عن الكاتب كأخلاق وإنسان"، قبل "الخوض في تجربة التأسيس لمساهماته في الحوار وقيمه وأخلاق المعرفة وإشكالاتها.

ولم يفوت أبو الزهور الفرصة، لإيجاد مداخل مشتبكة بين "غلمان الإعلامي" و"غلمان الشاعر"، مستحضرا جملة من المحطات التي يصعب رصدها أو وضعها في نفس السلة، مؤكدا على أن "الشاعر غلمان" لا يفوق "الإعلامي والباحث في الفكر الجديد وضروراته".

وعلى نفس المنوال، قدمت الشاعرة فوزية رفيق، رئيسة الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بمراكش، ضيف المجلس الفكري، كأحد أهم "الأصوات الإعلامية والشعرية الوطنية، المنافحة عن أخلاق الكتابة ونظام قيم الأسرة والمدرسة الأصيلة" معتبرة "أن غلمان يعمد على الدوام، إلى ترويج وإشاعة قيم الانتماء للهوية الثقافية واللغوية بشكلها الرمزي، واستدعائها للتعددية وملاسة الجوهر الإنساني والكوني. مشيرة إلى أن "تكريمه اليو من قبل مفكري وأكاديميي المدينة الحمراء هو اعتراف رمزي بعطاءاته وامتداداته في الوجود المجتمعي والتقاءاته مع قيم الإخلاص للقراءة والكتابة.1436 mustafa

واستعادت الشاعرة والباحثة فاطمة الزهراء اشهيبة، عن مركز عناية، خلال المناسبة عينها، عطاءات الرجل وقيمته العلمية والإعلامية، وانخراطه المستمر في تعبئة مجتمع المعرفة ومشتركاته التوعوية والتربوية. مشيحة اللثام عن أهم محطات الثقافة كمشروع رؤيوي للمكرم، عابرة بالحاضرين ضفاف علاقاته وتشعباتها، في الجامعة والإعلام والمدرسة والمجتمع المدني.

وعلى نفس المنهاج سارت كلمة اتحاد العمل النسائي، ممثلا بالسياسية والحقوقية سعيدة الوادي، التي أضاءت جوانب هامة من نضالات الحقوقي والإعلامي المكرم، على أكثر من جبهة، مبرزة الخصوصية المشتركة لوجوه اختصاصاته وتكاملها وارتقائها.

وفي شهادة تاريخية وفكرية تجسد نموذجا لعبور متعدد وواع بأسئلة الراهن والعصر، قالت الشاعرة والكاتبة الكبيرة مالكة العاصمي، إن المحطات الكبرى لصيرورة أخلاق المعرفة عند الدكتور مصطفى غمان، قد انطلقت منذ ما يقرب ثلاثة عقود ونيف، مسترجعة أبرز محطات العلاقة الثقافية الجامعة، وتأويلاتها الإيجابية في أنساق الراهن وتشاكلاته.

ووضعت العاصمي خلال مداخلتها، أربعة عناوين رئيسية، يتعلق الأمر، بحضور الإعلامي مصطفى غلمان في قلب المجتمع الثقافي وتفاعله مع أحداثه وانفعاله مع ظروفه وأحواله، ودفاعه المستميث عن الحقوق المهضومة للمظلومين وتقديم ما يناسب من الجهود والنضالات للكشف عنها واستقصائها والمدافعة عن آيات واجهة معوقاتها، والثالثة استمراره في تعبئة اللسان الإعلامي بالأخلاقية الضرورية والاقتدار المستمر من أجل نشر الوعي وتحويله إلى ورش للإصلاح والتواصل والمعرفة. وأما الأخيرة، فانتقالاته الإعلامية المهنية عبر جسور تربط الكتابة بالإذاعة وسحر الإبداع بالمحتوى الهادف.

وإلى ذلك صارت شهادة وقراءة الأكاديمي الدكتور محمد ايت لعميم، الذي وضع السياق العام للتكريم في حجمه التاريخي والإنساني، موليا وجهه صوب علاقته بالكاتب مصطفى غلمان، منذ ما يقرب الثلاثين سنة، "كان فيها الكلام ثقيلا بحجم الصخب الاجتماعي القليل، و"الثقافة مهيمنة على المجالس والمرافق العامة، على نحو مثير، وبنفس قيم الارتباط بمصير المشترك بين المتعارفين"، مشيرا إلى أن التأسيسات الأولى للجماعات الثقافية خلال ثمانيات القرن الماضي، قد شكلت إحفازات صميمة في مسار ملتقياتنا والتقاءاتنا. معبرا عن "فخره بمعرفة الرجل، الذي ل يبدل تبديلا، ولم يخرج عن جوهر معرفته بالمشترك، رغم التغيرات الطارئة والأحداث المتعاقبة.

ورصد الكاتب ايت لعيم وفق ما ذكر، مجموعة مواقف سجلها تاريخ علاقته بالدكتور غلمان، من بينها التنافس والتقائية الهدف وتنوع الأصدقاء المشتركين، وهو ما شكل ـ يضيف ايت لعميم، بؤرة لتفوق جيل كان يحب عن حق وحقيقة قيم العلم ورجاله الأفذاذ.

وساق المتحدث نفسه، انطلاقا مما عاشه مع التجربة الإعلامية والشعرية لمصطفى غلمان، جملة من المواقف التي شكلت الرؤية الفلسفية والفكرية للرجل، مستمدا ذلك، من جملة دراسات ودواوين "شكلت بالنسبة لغلمان حجر الزاوية لعطاءات لا تنضب وابتعاث مستمر فورة لا تكل"، حيث الإعلام جبهة للنضال والرفض، والشعر لسان للتعبير والإخلاص للقضايا الكبرى.

أما المفكر البروفيسور امحمد مالكي العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة قابوس بسلطنة عمان، فأفرد شهادة طويلة، من الالتزام والمسؤولية، ساقها بإحساس أصيل وواثق، تحت معطف السمو الفكري والنبل الإنساني. مذكرا بمحطات مصطفى غلمان الإعلامي عربيا ووطنيا ومحليا، وكذا مبدعا شاعرا وكاتبا مجيدا.

وأشار مالكي في شهادته، إلى عناوين الخلاصة في هذا البوح السير ذاتي لعلاقة متشعبة وعميقة، صادقة وذا أس لا يتزحزح عن قول الحقيقة، متحدثا عن صفات الرجل وتوافر كل أشكال الاقتدار والتميز، انطلاقا من علاقته بالمجتمع، مرورا بالكتابة والقراءة وامتهانه السلطة الرابعة، واستحضارا للمشتركات القيمية التي تجمع الكاتب بأصدقائه ومعارفه.

المجلس الفكري الذي حضره نخبة من المفكرين والأكاديميين والمثقفين الإعلاميين بالمدينة الحمراء، عرف إلقاء كلمة ختامية لعميد الدراسات الشرقية عضو أكاديمية المملكة الدكتور أحمد شحلان، الذي ثمن عطاءات المكرم مصطفى غلمان إعلاميا ومعرفيا وإبداعيا، مبرزا الخصال القدوية الراقية للكاتب ومواقفه التي تشي بالنوعية والأصالة ومروءة الرجال الوطنيين الأوفياء الأحرار، داعيا إلى استمرار المجتمع الثقافي الاعتراف برجالات العلم وتقديمهم في الرهانات الكبرى للتنمية وانشغالات الأمة.

وجرى على نهج هذه الدعوة، تقديم دروع تكريمية للدكتور مصطفى غلمان، تنسجم مع رؤية حماة اللغة العربية وأدبائها، مصرين على تحويل مثل هذه المناسبات إلى سنن لتوطين ثقافة الاعتراف والعطاء بلا حدود.

***

خـــــاص

أماطت الندوة الاحتفائية، التي نظمتها كلية الحقوق بمدينة قلعة السراغنة، يوم السبت 12 أبريل 2025، بمناسبة صدور كتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط" لمؤله الباحث والإعلامي مصطفى غلمان، (أماطت) اللثام عن جوانب وانشغالات هامة واستراتيجية في منظومة الإعلام الرقمي الجديد، وتقاطعاته المتعددة مع الفواعل التكنولوجية المتسارعة، وتأثيراته القيمية والثقافية في المجتمعات الشبكية الراهنة.

وانصبت جل المداخلات التي سلطت الأضواء على قيمة الكتاب المحتفى به، وجديده الأكاديمي والمعرفي، على أسئلة الإعلام والرقمية، في أبعادها السوسيولوجية والثقافية والاجتماعية، والتقائيتها مع الأنماط الثقافية المتاخمة، وحضورها في السرود الفكرية المجاورة.

كلمة عميد كلية الحقوق بالقلعة الدكتور محمد الغالي، الذي أدار الندوة بالتناوب مع نائبه الدكتور سعيد بنخضرة، كانت منشغلة بجديد الحقل المعرفي الذي يلامسه المؤلف، كدافع سوسيوثقافي منبثق عن تجربة الكاتب "الذي كرس جانبا من حياته المهنية والعلمية" لتطوير وتعزيز آفاق الإعلام كرسالة وكنظام قيمي.

وأشار الغالي، وفق هذا المنظور، إلى تكامل الدراسات الأكاديمية في هذا الشأن، مناديا بضرورة التحفيز على مواكبة المستجدات والظواهر الإعلامية، من موقع الاهتمام بالسوسيولوجيا كنسق ثقافي واعي بالراهن السياسي والعولمي المتلاحق، مؤكدا على استكناه الفهوم الثاوية للعلوم المقاربة والمتموضعة في السياق العام للأكاديميا والبحث العلمي.

أما الكلمة التي ألقاها عالم الاجتماع الفلسطيني المفكر الدكتور إياد البرغوتي، الذي يشارك في الندوة قادما من الأٍراضي الفلسطينية المحتلة، فجاءت مؤطرة ومتساوقة مع الكلمة التقديمية التي تصدرت دفة كتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة" لمصطفى غلمان، مشيدا بالدراسة موضوعا ومنهجا واختيارات.1354 mustafa

وقال البرغوثي، إن الجديد في كتاب الدكتور غلمان، تناوله لموضوعة الإعلام وتأثيره السوسيولوجي والتطورات التي جرت عليه، معتبرا تعويل الكاتب على الوعي وإعادة تشكيله بما يعزز إنسانية الإنسان، اعترافا بدهيا بوظيفة الإعلام خاصة وبشكله الجديد "الرقمنة".

واستطرد السوسيولوجي الفسطيني قائلا:" إن الكتاب المحتفى به يضعنا أمام سياق إعلام يشكل فرصة أمام الشعوب المستضعفة لنقل مظلوميتها أمام العالم، وهو مجال واسع للنضال لكسب الرأي العام الضروري من أجل الانتصار في أي معركة خاصة، خصوصا إذا كانت ذات طابع أخلاقي"، مبرزا النظر السوسيولوجي لنظرية الكاتب، الذي "عمد إلى بلوغ مرام موضوعه الراهني، انطلاقا من خلفيات الحرب على غزة ودور الإعلام الغربي في توجيهها والاستئثار ببروبجنداها".

واعتبر البرغوتي "قيمة الكتاب في عدالة القضية، وأهميتها الاستثنائية "لتسويقها" بشكل جيد، مع ما يشكل في الوقت نفسه، من حرمان الآخر المتحكم والمهيمن من أ، يقوم بتسويق ظلمه على شكل عدل، وإجرامه على شكل ضحية..".

من جهته استقرأ الأكاديمي والباحث الروائي الدكتور جمال بندحمان، سؤال القلق المفهومي لسوسيولوجيا الإعلام والاتصال، مستكنها آفاقه المبتكرة للحقل إياه، في سياق الاهتمام بكتاب صادر "عن مجرب ودارس للأكاديما الإعلامية، في شكلها السيروري والتغييري". وقال بندحمان، إن "الباحث غلمان يستقصي هذه الوضعية الإعلامية، بعين الراصد والمحلل"، مبديا رأيه في اختيار التيمات العلمية للكتاب، وتطوير مسلكية أو منهجية التحليل، التي "تعمد إلى وضع أسئلة الراهن الإعلامي وتكنولوجيا الرقمنة، وفق تراكمات تخوضها الإنسانية لأول مرة، بعد حالة كمون كلاسيكي في المجال".

وأضاف بندحمان، أن الكتاب يبدع شكلا جديدا ضمن تحولات مستعصية، مراهنا على تقديم قضايا متداولة فكريا، لكنها تحتاج لاقترابية أكثر استرفادا لحاجياتنا في سياق المنظومة الإعلامية والتواصلية، مشددا على أن مقاربة المؤلف الدكتور مصطفى غلمان لأنساق العولميات والإبدالات الإعلامية، والحدود المعرفية بين قيم المعرفة الخالصة والتشكلات الإعلامية الحديثة في مجال الرقمنة، ومسألة اللغة والإعلام وتمظهرات الفعل السياسي والديني في الحالات الإعلامية المتشابكة، يراكم ابتعاثا جديدا للفكر الإعلامي الذي يخاطب الوجدان القيمي للمتعاقدين والنشيطين فيه، ويوفر هامشا ديناميكيا من التفاعل مع المعارف المتاخمة، كالتاريخ والعلوم الاجتماعية وعلم النفس التربوي وغيرها.

واعتبر المتدخل نفسه، أسئلة الكتاب راهنية واستراتيجية، كونها تلامس الإشكالات الكبرى للحياة العولمية الجديدة، وانتقالاتها المتسارعة عبر كل هذه الفوضى التي بها تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.

أما مداخلة الباحث والإعلامي الدكتور عبد الصمد الكباص، فاشتغلت على مستويات الجذب الثقافية والإعلامية لموضوعة الكتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة"، معتبرا توقيتها حسما سوسيوثقافيا لمظاهر ومظان الاختلالات والعشوائيات التي باتت تبرمج حالات الانهيار القيمي للعالم الرقمي ومفعولاته.

وأكد الكباص على أهمية الدراسة كفكر وكامتحان سوسيولوجي، في تحديد انشغالات عالمنا الكوني الجديد، مشددا على أنه "رغم تسارع انفراط القيمة الأخلاقية والاجتماعية للمعلومات والبيانات، في عالم يضج بمتاهات التجذيف والاختزالية والتواطؤ والانحراف المهني"، حسب المؤلف، فإن أنشطة المجال الرقمي الآن، في حاجة إلى إعادة قراءة وتقصي ، على اعتبار البيئات الجديدة للشبكيات الرقمية، وحمولاتها الأيديولوجية والثقافية المتقاطعة.

وأبرز الدكتور الكباص، أدوار الإعلام السوسيولوجي في تحليل الخطابات وتضمينها ما يتراكم زمنيا وموضوعاتيا، مع مخلفات الشبكات الاجتماعية وتوازياتها ومضمراتها، مشيرا إلى المناطق المعززة في المؤلف، الذي تحاول توتير مفاهيم التأويل والارتدادات القيمية والأخلاقية، في "مواجهة الكمية والنوعية الكثيفة التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي، لدرجة الإغراق والإسفاف والابتذال".

آخر القراءات، جاءت على لسان السوسيولوجي الدكتور ادريس ايتلحو، الذي التقط رسالات كتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة" انطلاقا من الأسئلة الحارقة، التي طرحها المؤلف، من خلال قراءاته الاستبطانية لأسباب وخلفيات استنباث الجذور البعيدة، في أفق الإعلام الوسيط واشتغالاته، في مضمار مليء بالغموض والارتدادات المفاهيمية المتداعية .

وتقاطعت المفاهيم الفلسفية والسوسيولوجية، وفق المتحدث عينه، مع ما يعتلق من تبعات لهذه المفاهيم والإشكالات، لأبعاد وعلاقات الإعلام الرقمي ومنصاته العائمة في الأكوان الزرقاء البعيدة، مستنتجا أن قراءة غلمان لواقع الإعلام الآن، هو مغامرة محفوفة المخاطر، حيث يحتاج السوسيولوجي الإعلامي إلى مجرات وأشكال بيداغوجية جديدة لتأطير الخطاب.

وخلص ايتلحو، إلى أن مقاربة غلمان لهذه العوالم المتشاكلة، كان بدافع قيمي أصيل، يروم الدفاع والاستشعار بمدى قابلية المجتمع لتخوم هذه التحولات، وارتباطاتها بالأنماط الاجتماعية والثقافية الجديدة.

كلمة المحتفى به وكتابه الدكتور مصطفى غلمان، قاربت الفورة الكبيرة لعالم جديد يتشكل تحت نيران الحروب والفوضى الاقتصادية والثقافية المتلاطمة، مبديا قلقه الأنطولوجي، من تسارع توحش بروبجندا الإعلام الرقمي وتغوله في الشتات القيمي والأخلاقي. ونبه غلمان من تأثير ذلك على جيل كامل من أبنائنا، مناديا بتصحيح فهومنا لاستعمال الوسائط الاجتماعية ومنصاتها الرجيمة، داعيا إلى تحويل مشتل المدرسة والجامعة إلى ورش لتدبير أسئلة التكنولوجيا الرقمية المتسارعة، وقدرتنا على مواجهة آثارها في الوجدان القومي والإنساني والحضاري.

اللقاء شهد في الأخير نقاشا مفتوحا حول مضامين الكتاب، وثق تكريم المحتفى بها الباحث والإعلامي د مصطفى غلمان مع تنظيم حفل توقيع كتابه موضوع الملتقى، كما جرى أيضا تكريم المفكر الفلسطيني الأستاذ إياد البرغوثي، وسط حضور كثيف من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والطلبة، الذين تلقوا حضور العلم الفلسطيني والمغربي جنبا إلى جنب والتفاعل مع نشيديهما الوطنيين، بكثير من الاستحسان والقابلية.

***

 

الصفحة 1 من 7

في المثقف اليوم