عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

عدنان حسين أحمد: فيصل الأول.. باني العراق ومُؤسس دولته الحديثة

على الرغم من شحّة المصادر والوثائق الدامغة لا تشعر المخرجة العراقية الدؤوبة إيمان خضيّر باليأس والقنوط وتلجأ، في الأعم الأغلب، إلى تقنيتيّ الدكيودراما والتعليق الصوتي الـ Voiceover أو التعليق المكتوب الذي يظهر حرفًا حرفًا Type-on Text والذي يمكن أن نسمّيه بالـ Text Reveal لتعوّض النقص الحاصل في الوثيقة والأرشيف.

وربما يكون موضوع فيلمها المعنون (فيصل الأول - ملك العراق) هو دليل دامغ على تحدّي النواقص الأرشيفية المُشار إليها سلفًا ولكنها تجاوزتها بإعادة تمثيل العديد من المَشاهد التي تحتاجها قصة الفيلم الوثائقي لهذه الشخصية الإشكالية التي تحوّلت بسرعة خاطفة إلى (رمز عراقي) ينتمي إلى بلاد الرافدين وليس إلى الحجاز أو الجزيرة العربية.

لم يعش الملك فيصل الأول حياة طويلة فقد وافتهُ المَنيّة وهو في سن الثامنة والأربعين (1885- 1933) لكنه عاش حياة عريضة متداخلة ومكتنزة بالأحداث بدءًا من تنصيبه ملكًا على سورية لأربعة أشهر من (8 آذار / مارس 1920 ولغاية 24 تموز / يوليو 1920)، مرورًا بتتويجه ملكًا على العراق في23 آب / أغسطس 1921 حتى وفاته في 8    أيلول / سبتمبر 1933. لم تكن فترة حُكمه سلسة يسيرة كما يتخيلها البعض وإنما تخللتها الكثير من الصعاب والمشقّات والمواقف العسيرة حيث أحاط به الأعداء من كل حدبٍ وصوب، فالفرنسيون من سورية، والأتراك من الشمال، والكورد من الشرق، والعجم يدّسون له الدسائس، وابن سعود يهددهُ بالإخوان من الجنوب، ناهيك عن المندوب السامي بيرسي كوكس الذي يلمِّح له، بين أوانٍ وآخر، بإمكانية خلعه عن العرش. ومع ذلك فقد كان يقول في السرِّ والعلن: (مَنْ لي غير الإنگليز؟). أمّا صراعات الداخل العراقي فهي كثيرة ولا يمكن أن تُحصى وتُعدّ.

مَن يتابع أفلام المخرجة العراقية إيمان خضيّر التي جاوزت العشرة أفلام حتى الآن سيُدرك بسهولة تركيزها الواضح على البحث في موضوعات وثيمات أفلامها ومحاولة إحاطتها من جميع الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ولعلها أفادت كثيرًا من وجودها وعملها مع (قناة الجزيرة الوثائقية) وهي قناة مهنية تخلق نمطًا من المخرجين المُحترفين في مجال الفيلم الوثائقي الذي يزوِّد المُتلقين بالمتعة والمعرفة والثقافة البصرية بمعناها العام.2682 faisal

البحث.. عصب الفيلم الوثائقي

وكلما كثُرت التعليقات الصوتية والمكتوبة على الشاشة فهذا يؤكد بالدليل القاطع شحّة الوثيقة وندرتها ومحاولة تعويضها بأشياء أُخر أبرزها التقنية الدكيودرامية التي أشرنا إليها سلفًا. أمّا البحث فهو عصب الفيلم الوثائقي الذي يحاول فيه المخرج أو شخص متخصص آخر تُسنَد إليه هذه المهمة ليسدّ بها الفراغ الكبير الذي يكتنف هذا الفيلم الوثائقي أو ذاك.

ما يهمنا في هذا الفيلم (فيصل الأول - ملك العراق) هو البوح الجماعي لخمسة عشر باحثًا ومتخصصًا بينهم الصحفي، والكاتب السياسي، والمؤرخ، وعضو مجلس النواب، والأكاديمي، والآثاري، والمثقف، والباحث الأمني وما إلى ذلك. وقد بلغ عدد المتحدثين الذي أفرغوا كل ما في جُعَبهم في هذا الموضوع المتعلق بحياة فيصل الأول، ملك العراق 15 متحدثًا تناولوا حياته الشخصية والأُسرية، وعرّجوا على أدواره السياسية والفكرية، وانتهوا بموته الغامض الذي أثار غابة من الأسئلة المتناقضة لدى الدارسين والباحثين الذين أدلوا بدلائهم طوال مدة الفيلم التي تجاوزت الـ 53 دقيقة بـ 36 ثانية لا غير.

يتضمن موضوع الفيلم أكثر من 30 محورًا ومادة فرعية تشكّل الهيكل المعماري العام لنسيجه الداخلي المتشابك الذي يجمع بين السيرتين الذاتية والموضوعية. وعلى الرغم من أنَّ (الفلاش الباك) أو الاسترجاعات الذهنية تعود بنا إلى اليوم الأول الذي رأى فيه النور حيث يقول في مذكّراته: (وُلدتُ في الطائف في العشرين من أيار عام 1885 ثم أرسلني أبي إلى قرية (رِحاب)، وأنا هناك تُوفيت والدتي، وعندما كبُرتُ تزوجتُ من ابنة عمّي خُزيمة التي أنجبتْ لي ثلاث بنات وصبي ولم أتزوج غيرها). ولعل العبرة من إرساله إلى قرية بدوية هي التعوّد على حياة التقشف، وقسوة المعيشة، وتعلّم الفروسية والصيد وفنون القتال وإحاطته بالقيم والتقاليد البدوية المعروفة بين القبائل العربية آنذاك.

لا يمكن تتبّع حياة الملك فيصل الأول بخط مستقيم ولا بد من قفزات زمكانية مُبررة، ولعل القفزة الأولى الأولى أخذت أكثر من ثلاثين عامًا حيث انتقلت بنا المُخرجة مباشرة إلى عام 1916، وهي السنة التي اشترك فيها الملك فيصل الأول في الثورة العربية الكبرى، وحرّر فيها دمشق، وتُوِّج عليها ملكًا لأربعة أشهر لا غير قبل أن يطردهُ الفرنسيون في معركة (ميسلون) الشهيرة ويخرج منها بخفّيّ حنين كسيرًا مدحورا. وتزامن مع اندحاره انطلاق الثورة العراقية التي قادها شعلان أبو الچون عام 1920 لرفض العراقيين للاحتلال البريطاني الأمر الذي وضع لندن أمام معضلة كبيرة. فكيف يمكن الاحتفاظ بالعراق من دون سيطرة عسكرية وهم الذين يرفضون الانتداب ولا يطيقون الهيمنة الأجنبية؟ وبما أنَّ الثورة عراقية وأنَّ مُفجِّريها عراقيون فلماذا يأتون بحاكم غير عراقي من الحجاز ليقود العراقيين؟ فلا غرابة أن نسمع تساؤلًا منطقيًا مُفاده: هل عَقُمَ العراق من الرجال؟  يدافع الشريف علي بن الحسين الذي ينتمي إلى العائلة المالكة نفسها ويرى أنَّ هذا التقليد معمول به في المغرب وتونس فلماذا لا يُعمَل به في العراق؟ بينما يرى الصحفي معاذ عبدالرحيم أنَّ العراقيين لا يستجيبوا لشخص من أبناء جلدتهم وربما يعود السبب إلى المكونات العديدة التي يتألف منها الشعب العراقي كالعرب والكورد والتركمان والسنة والشيعة والمسيحيين والصابئة المندائيين الأمر الذي دفعهم باتجاه الشريف حسين لأن يأتي بفيصل ليكون ملكًا على العراق فهو سُني، وهذا ما يُرضي السُنة، وهو من أحفاد آل البيت وهذا ما يُرضي الشيعة.2681 faisal

الأهواء والتقلبات السياسية

لم تكن العلاقة بين فيصل الأول ووالده طيبة فقد خرج الابن عن سيطرة الوالد وأصبح مُستقلًا إلى حد ما  وشرع باتخاذ قرارات تكتيتكية واستراتيجية بعيدًا عن هيمنة والده الذي لم يكن راضيًا على تنصيب ابنه ملكًا على سورية لأن ذلك يُضعف محاولاته الدؤوبة لتشكيل دولة عربية موحدة ومستقلة حيث اعتمد على الوعود البريطانية ولم يتعامل مع الأمر الواقع لتغيير الظروف السياسية فخسر مملكة الحجاز بينما تعلّم الابن أن يكون مرنًا وأدرك بأنّ السياسة هي فن الممكن بخلاف والده الذي أصرّ على المطاليب المبدئية التي وسّعت الهوّة بينهما. ومع ذلك فقد رفض الملك فيصل الأول أن يكون بيدقًا بيد البريطانيين. يتفق د. عصام الفيلي، أستاذ التاريخ في الجامعة المستنصرية بأنّ الشريف حسين صدّق كل وعود بريطانيا تجاه الدولة العربية الموحدة ويُرجع السبب إلى طبيعته الشخصية المختلفة فهو أمير نشأ في بيئة دينية بمدينة الحجاز إضافة إلى شخصيته البدوية بما تحمله من قوة ونقاوة الصحراء التي لا تتلاءم مع الأهواء والتقلبات السياسية التي يعرفها العاملون في هذا المضمار. فالسياسي عليه أن يناور حينًا، ويكذب حينًا آخر، ويساوم تارة، ويتخلى تارة أخرى أو يتمسك بالشيء الأبعد. فالسياسة من وجهة نظرهم لا ربّ لها.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ الصحف العراقية نشرت خبر تتويج فيصل الأول ملكًا على العراق قبل أن يُقرّ الأمر الذي دفعهُ للإبحار من ميناء جدة في 12 حزيران عام 1921 فخرج الأهالي عن بكرة أبيهم لاستقباله احتفالًا بمقدمهِ حيث ألقى كلمة جاء فيها: (إني والله لا أرغبُ أن أرى في المقامات العليا غير مَنْ تجمع عليه الأمة، وأقسم بشرفي وتربة أجدادي، وبقبر جدنا الرسول (ص) أنني أول من يُبايع الرجلَ الذي تتفقُ عليه الأمة جميعًا). وخاطبَ الطوائف المسيحية واليهودية برفعهِ شعار (الدين لله والوطن للجميع). وأصرّ الملك فيصل على إجراء انتخابات شكلية من قبل شيوخ العشائر ووجهاء المدن بطريقة المضابط فحصل على نسبة 69% تقريبًا الأمر الذي يكشف عن وجود معارضة له وخاصة بمدينة الموصل.

يؤكد التعليق الصوتي الرابع بأنّ أهم نجاح حققهُ الملك هو حصوله على بيعة المرجع الأعلى والزعيم الروحي محمد مهدي الخالصي حيث نسمع ما كتبهُ ابن الخالصي في مذكراته حيث يقول في مشهد تمثيلي: (جاء الملك إلى بيتنا وهو يحمل قطعة من ستار الكعبة وقدّمها هدية لأبي فوافقَ أبي بشرط أن يكون ملكًا مستقلًا وبعيدًا عن أي سلطة أجنبية). ثم نُشرت البيعة في اليوم الثاني في غالبية الصحف وسبقتهُ بيعة للسُنة وأخرى لليهود.

لا ينسى د. عامر فيّاض شروط إقامة الدولة العراقية التي تتضمن وجود مؤسسات سياسية أولها المجلس التأسيسي والدستور والتعددية الحزبية والصحافة الحرة التي تستطيع أن تلامس القضايا الحساسة في المجمتع العراقي برمته.

نسمع في تعليق صوتي تالٍ بأنَّ الملك قد استأجر دار (شعشوع) وأختار يوم الغدير في 18 من ذي الحجة 1339 وهو اليوم الذي عاهد فيه الرسول محمد (ص) بالخلافة للإمام علي(ع) والذي يُصادف 23 آغسطس / آب عام 1921 حيث ألقى الزهاوي قصيدة جاء فيها:

(إنّا مُحيّوك فاسلم أيها الملكُ  

   وما أصطفوكَ لعرشٍ شأنهُ الفلكُ

*

عَرشُ الملوك ضمانٌ للعراق  

    وفي تأييدهِ الشعبُ والأحزانُ تشتركُ

*

الناسُ في فرحٍ إذ جئتَ ترأسُهم

   من بعدِ ما بكوا من يأسِهم ضَحِكوا)

2683 faisalتحت الإقامة الجبرية

تعتبر إستانبول التي عاش فيها الأمير فيصل الأول (تحت الإقامة الجبرية) عاصمة كوزموپوليتانية ففيها التركي والعربي واليوناني والمسلم والمسيحي واليهودي ولكنه لم يكن يفرّق بين المذاهب الإسلامية فقد كان شخصية مُجددة وكان مبهورًا بالتقدم الذي شهدته العاصمة آنذاك حيث عاش فيها 13 سنة بين عاميّ 1896- 1909ودرس فيها اللغة التركية والإنگليزية وشيئًا من الفرنسية والتاريخ كما علّمه والده القرآن. وإذا كان الأمير قد أتقن اللغة التركية قراءة وكتابة لكنه فشل في تعلّم اللغة الإنگليزية ويكفي أن نشير إلى المقطع الذي يتحدث فيه في هذا الفيلم لنثبت بالدليل القاطع بأنّ لغته الإنگليزية كانت متدنّية إلى أبعد الحدود خلافًا لأشقائه الذين كانوا ضليعينَ بها. وهذا الأمر ينسحب إلى اللغة الفرنسية التي مرّ عليها مرور الكرام.

تكشف مُخرجة الفيلم الثغرات التي حصلت في أول وزارة أُسست في العراق وهي وزارة عبد الرحمن النقيب التي تألفت من 21 وزيرًا لم يكن فيها سوى شيعي واحد هو محمد علي بحر العلوم. وجدير ذكره أنَّ رجال الدين الشيعة هم الذي منعوا المكوِّن الشيعي بفتاوى مُلزِمة من الانخراط في مؤسسات الدولة كما أن نسبة المتعلمين الشيعة كانت قليلة ولا تعدو أكثر من خرّيجي المدارس الدينية فلا غرابة أن تكون أقلية سُنية تحكم أكثرية شيعية وهذا الأمر ليس نتاج هذه المرحلة حسب وإنما نتاج الدولة العثمانية التي سعت جاهدة إلى بثّ الفِرقة والشقاق بين أبناء العراق فخلقت نخبة وأقليّة متعلّمة تقابلها أكثرية مظلومة وغير متعلّمة. ولعل ندرة النخب الشيعية المتعلمة كانت من أخطر الإشكاليات التي واجهت الملك فيصل الأول في حينه الأمر الذي دفعهُ للاستعانة برستم حيدر، الشخصية الشيعية اللبنانية التي أسندَ إليها رئاسة البلاط الملكي ثم وزارة المالية والاقتصاد والمواصلات.

يذهب الدكتور شفيق المهدي إلى الإشادة بوزير المالية العراقي ساسون حسقيل الذي أسس لاقتصاد نفط بكلمة غولدن حينما حدّد سعر برميل البترول بثلاثة سنتات ذهب حافظ فيها على الاقتصاد العراقي وبقي العراق في عهده يأخذ ويطالب خلافًا للوقت الراهن الذي لا يُطالب فيه العراق ولا يأخذ.

رفض الانتداب والاستشارة

أصرّ الملك فيصل الأول برفض كلمتيّ (الانتداب والاستشارة) إلّا أنَّ البريطانيين رفضوا التعديل فآزره العراقيون حينما خرجوا بمظاهرات صاخبة كانوا يمْلون فيها شروطهم من موقع قوي رغم التهديد التركي بأخذ ولاية الموصل وتركه وحيدًا يواجه المطامع التركية. لقد عيّن البريطانيون مستشارًا لكل وزارة مهمة مثل الدفاع والداخلية والمالية وبقية الوزارات الأخر وكانت معاهدة 1922 في حقيقتها هي انتداب آخر وربما اعتبرها البعض أخطر من الانتداب نفسه. وإذا لم يوقِّع الملك هذه المعاهدة فإن الموصل ستذهب إلى تركيا إلى الأبد علمًا بأنَّ مساحة ولاية الموصل تشمل أكثر من 180, 000 كم2 ، أي أكثر من ثلث مساحة العراق التي تبلغ 438,317 كم2 وتشمل ليس الموصل وحدها وإنما كركوك وأربيل والسليمانية ودهوك.

سقط الملك فيصل مريضًا بشكل مفاجئ فحاول المندوب السامي بيرسي كوكس استغلال الموقف وجاء ليوّقعهُ على إبعاد الوطنيين العراقيين إلى جزيرة هنجام () بعد المظاهرات الصاخبة التي اندلعت فيه لكن الملك رفض التوقيع وأُجريت له العملية فاستغل كوكس غيابه وأصدر قرارًا بنفي الوطنيين إلى تلك الجزيرة وأغلق حزبيّ (النهضة) و (الوطني) ولمّح بإمكانية خلعه عن العَرش فوافقَ في فترة نقاهته على المعاهدة المذكورة تحت ضغط الأعداء الذين يحيطون به من كل حدبٍ وصوب. فالبريطانيون سيرحلون إن عاجلًا أم آجلًا لكن إن رحلت الموصل فإنها لن تعود إلى الأبد. ومما زاد الطين بِلّة أنَّ المرجع الشيعي محمد مهدي الخالصي قد نقض البيعة التي جاء فيها: (بايعنا فيصل ليكون ملكًا على العراق بشروط وقد أخلّ بتلك الشروط فلم يعُد له في أعناقنا وفي أعناق الشعب العراقي أية بيعة).2684 faisal

لم يكن فيصل الأول قادرًا على مواجهة البريطانيين والشارع العراقي معًا فكان يستعين بالصحفيين من طرف خفي وهذا ما أكده الباحث والمؤرخ شامل عبدالقادر الذي أشار إلى استمالة الصحفيين الكبار أمثال المرحوم سامي خندة ويستدعيه إلى القصر ليعرض أمامه المشاكل التي يعاني منها الملك ولا يستطيع حلّها مع المندوب السامي البريطاني الذي كان بمثابة مستشار للملك فكانت الصحافة تلعب دورًا مهمًا للكشف عن الحقائق التي يريد الملك طرحها أمام الرأي العام العراقي. فقد كانت الصحافة العراقية توجع البريطانيين على اختلاف مناصبهم وكانو يشتكون إلى نوري السعيد من تصرفات الملك الذي يستعمل الصحفيين العراقيين للضغط عليهم وتمرير مخططاته الوطنية بعد أن تحوّل إلى رجل عراقي قلبًا وقالبًا وصار يبحث عن مصلحة الشعب العراقي بعيدًا عن المصالح البريطانية.

أُفتتح المجلس التأسيسي يوم 27 آذار 1924 وألقى الملك أول كلمة أمام أول مؤسسة تشريعية مُنتخَبة في تاريخ العراق المُعاصر وأُنتخب عبد المحسن السعدون كأول رئيس له بالأغلبية.

تشير د. أزهار الشيخلي، عضو مجلس النواب بأنَّ المجلس التأسيس كان يتألف من 100 عضو ينتمون إلى مختلف المحافظات العراقية وكانت مهمتهم إقرار المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1922 وإقرار القانون الانتخابي والدستور. وكان العراقيون يطّلعون أول مرة على آليات ديمقراطية مثل مسألة الانتخابات والعلاقة ما بين مجلس الوزراء ومجلس الأمة، والهيأة التشريعية والتنفيذية. وكان يُفترض أن يكون الملك عامل توازن بينهما لكن إذا تحرّينا الدقة من الناحيتين العلمية والأكاديمية فسنرى أن هناك تركيزًا للسلطة بيد الملك وكان بإمكانه أن يسحب الثقة ويحلّ البرلمان. بينما يعترف الملك في مذكراته بأنّ (يوم تأسيس المجلس الوطني العراقي كان بمثابة يوم ميلادي)!

كثيرة هي منجزات الملك فيصل الأول كما يشير د. شفيق المهدي، فقد أسس معهد الفنون الجميلة أمام البلاط الملكي وكان يحيّي الطلاب كل مساء من بوابة البلاط وأول عميد لمعهد الفنون الجميلة هو الشريف محي الدين حيدر الذي يعتبر من أعظم العازفين على آلتيّ البيانو والكمان. وبحسب رواية الفنان العراقي فائق حسن الذي يقول: (كنتُ صبيًا في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة وكنت أرسم بالفحم على ورقة وإذا بجلالة الملك أمامي حيث سألني: ما هذا يا ولدي؟ فقلت له: أرسم. فضحك وقال: أرسمني. فخططتهُ من بعيد، فنظر إلى الورقة وقال: ابعثوه إلى فرنسا).

المس بيل.. صانعة الملوك

ثمة إشادة بالمس بيل، صانعة الملوك ودورها في بناء المتحف العراقي وحفاظها على الآثار العراقية المكتشفة. يعتبر المتحف العراقي خامس متحف في العالم ليس من حيث السعة وعدد الآثار وهي كثيرة جدًا ولكن ثمة خاصية مهمة جدًا في المتحف العراقي وهي احتوائه على حلقات متسلسلة ربما لا نجدها في أي متحف آخر تبدأ من عصور ما قبل التاريخ وتنتهي بالعصور الإسلامية. وجدير ذكره أنَّ الملك فيصل الأول كان يأتي كل صباح ليشرف بنفسه على بناء هذا المتحف الكبير.

يشير الدكتور قيس حسين، رئيس هيأة الآثار العامة بأنَّ المس بيل حينما واجهت قدرها المحتوم عام 1926 تركت مبلغًا قدره 50.000 ألف جنيه إسترليني كسلفة أو وديعة لبناء المتحف العراقي وتوسعته. ويرى حسين أن امرأة من هذا النوع يُدين لها العراقيون قاطبة بالفضل الكبير لأنها كانت حريصة على العراق وربما هي أكثر حرصًا من العراقيين قاطبة لأنها تركت لنا هذا الصرح الخالد.

لم تترك المخرجة حدثًا عراقيًا مهمًا إلّا وتناولته مثل اتفاقية فيصل- وايزمان ببنودها الستة المعروفة. وكما يشير الباحث شامل عبد القادر أنَّ لقاء وايزمان بفيصل هي مسألة مصالح قيام دولة عربية على أساس وعد بريطاني يسمّى (وعد مكماهون) وقيام دولة يهودية على أساس وعد بريطاني يسمّى (وعد بلفور). فما الذي سيخسره فيصل الأول أو سيربحه وايزمان من خلال هذا اللقاء. فكلا الرجلين يسعيان إلى بناء دولتين؛ الأول يسعى لبناء دولة يهودية، والآخر يسعى لبناء إمبراطورية عربية وليس دولة واحدة.

لا شكّ في أنَّ فقرة تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت تثير الكثير من الشكوك والمخاوف لدى الملك فيصل الأول ووالده الذي يطمح لبناء إمبراطورية إسلامية كبيرة فكيف يسمح بإختراق مملكته المُنتظرة بهذا العدد الكبير من المهاجرين؟

لم يكن الملك فيصل الأول رجلًا غشيمًا فقد إطلّع على نفوذ الصهاينة ومُداولاتهم ومُراسلاتهم مع السلطان عبد الحميد. وكان يعرف، هو ووالده، كم بذل اليهود من جهود وأموال لانتزاع اعتراف من السلطان عبد الحميد لتأسيس هذه الدولة؟ وعلى الرغم من جهل الملك فيصل الأول باللغة الإنگليزية إلّا أنه كان ينتبه إلى أهمية الوثائق المُتَرجَمة من لغة إلى أخرى، ولكي يتفادى الوقوع في إشكالية ما كان يُذيّل مثل هذه الوثائق بتوقيع يقول فيه: (لا تُعتَبر هذه الوثيقة نافذة ما لم ينل العرب استقلالهم) لكي يسد الباب على كل الهواجس والتكهنات التي قد تُثار من بعده في هذا الاتجاه.2680 faisal

تعاظم صلاحيات الملك

لا تجد الدكتورة أزهار الشيخلي بُدًا من التأكيد على أنّ المجلس التأسيس لم يكن حرًا بالمطلق في عمله فقد كان مُقيدًا بغلبة الملك وإعطائه المزيد من الصلاحيات على حساب مجلس النواب الذين يجدون صعوبة بالغة في تغيير بعض الكلمات التي كُتبت بقطرات من الحبر لكنها تحتاج في يوم من الأيام إلى نهر من الدماء لإزالتها أو محوها من الدستور.

يرى الدكتور أسامة الدوري، أستاذ التاريخ المعاصر أنَّ الملك قد تحوّل إلى دكتاتور سياسي، بل أن عبارة دكتاتور سياسي قد أصبحت عنوانًا لتقرير مُفصّل من 13 صفحة يكتبها المفوض الأمريكي إلى وزارة الخارجية الأمريكية ليكشف عن سيطرة الملك على الحكومة. وأكثر من ذلك فإنّ الملك بدأ يستعمل مصطلحات جديدة من قبيل (سياستي وحكومتي) وما إلى ذلك بينما يقول الدستور العراقي بأنَّ (الملك مَصون غير مسؤول وسلطته تنفيذية).

يعتبر الحدث الأكبر في 6 تشرين الثاني 1932 هو قبول العراق العضو السابع والخمسين في عصبة الأمم كأول بلد يتحرر من الانتداب حيث تأسست دولة جديدة بسلام بينما لم يحدث هذا الأمر في الماضي إلّا بوسائل العنف حيث أعلنَ رئيس الوفد البريطاني في مجلس العصبة قائلًا: (سنكون بلداء إذا ما فاتنا الالتفاف إلى أننا بإدخالنا العراق إلى عصبة الأمم لا نكون قد أدخلنا أحدث الدول إليها، بل أدخلنا قطرًا من أعرق الأقطار قاطبة).

سافر الملك فيصل الأول إلى بيرن في الرابع من أيلول عام 1933 لإجراء فحوصات طبية حيث كان يعاني ضعف وهزال وتسارع في دقّات القلب حسبما جاء في مذكرات طبيبه الخاص هاري أندرسون. وفي ليلة الخميس على الجمعة السابع من أيلول توقف قلبه في الساعة الحادية عشرة و خمس وأربعين دقيقة مُرددًا قبلها الجُمل القصيرة الآتية: ( أنا مُرتاح، قُمتُ بواجبي، خدمتُ الأمة بكل قواي ليسير الشعبُ من بعدي بقوة واتحاد).

الاختلاف على سبب الوفاة

من الطبيعي أن يختلف عدد من الباحثين والمشاركين في هذا الفيلم على سبب الوفاة، فكل واحد منهم يرى الحقيقة من زاوية نظره الخاصة به. فالباحث الأمني الدكتور معتز محي يركِّز على التساؤلات التي أُثيرت لدى المُحققين والقضاة من قبيل: لماذا لم تلجأ الحكومة العراقية آنذاك لتشكيل فريق عمل والذهاب إلى المستشفى لمعاينة الأجهزة الطبية، ومشاهدة المكان الذي توفي فيه الملك؟ ولماذا لم تُفحص الكؤوس، أو تُستدعى الممرضة، أو تؤخذ عيّنات من الدم في أثناء الوفاة؟

تساءل شمران العجيلي، رئيس بيت الحكمة، إذا كان البريطانيون قد نفّذوا كل البرنامج السياسي المُعدّ له فعلامَ يُسمم؟ بينما يرى الدكتور عامر فياض أنَّ الملك قد مات موتًا طبيعيًا. فيما يجزم المؤرخ شامل عبد القادر بأنه قُتل وتمّت تصفيته.

أمّا الشريف علي بن الحسين فقد اعتبر وفاته مفاجأة غير مُتوقعة رغم أنَّ صحتهُ لم تكن جيدة لكنه نفى وجود أدلة تؤكد أنه سيتوفى في ذلك الوقت. كما يجزم الدكتور محمد كامل الربيعي بأنه انتقل إلى الآخرة مقتولًا بعد أن انتهت بريطانيا منه وطُويت مرحلته. وربما يكون الدكتور أسامة الدوري أكثرهم علمية لأنه دقق في الوثائق الأمريكية واكتشف أنَّ الملك فيصل الأول كان يعاني من السل ويقول الطبيب بالحرف الواحد أنه لن يعيش أكثر من سنتين إلى ثلاث سنوات.

بقي أن نقول بأنَّ المخرجة والباحثة وكاتبة السيناريو إيمان خضيّر قد أنجزت عشرة أفلام وهي على التوالي: (د. انيس الصائغ، تاريخ طوابع فلسطين، فيصل الأول- ملك العراق، ظل الكونكريت، مقاهي بغداد الأدبية، عاملات الطابوق، صفر، الأهوار، جدارية المطر، جواد سليم وسمفونية البرونز).

***

لندن: عدنان حسين أحمد

....................

* الصور بالأسود والأبيض مأخوذة من غوغل