يتتبع فيلم «خمسة وجوه» عودة خمسة إعلاميين عراقيين إلى وطنهم بعد غياب طويل في المنافي، تراوحت مدته بين 22 و30 عامًا في رحلة لا تبحث في أسباب الغياب بقدر ما ترصد وقع الوطن في عيون العائدين، ولقاء الأهل والأصدقاء، وما تفجِّرهُ الذاكرة من مشاعر وحكايات. وتقوم البنية الأساسية للفيلم على سؤال واحد طرحه المخرج رعد مشتت على الشخصيات الخمس بمن فيهم هو شخصيًا: «ما أول شيء تريد أن تراه في العراق؟». فجاءت الإجابات على وفق التسلسل الآتي الذي ورد في المقدمة التمهيدية Prologue: (البيت، المدينة، البلدة، الأم، وقبر الأب) ولكن المخرج سيقدّم (قبر الأب) ويضع (الأم) في الترتيب الخامس بحسب تتابع الشخصيات في متن الفيلم.
بعد أيام قليلة من سقوط صدام حسين في 9 نيسان 2003، وصل العائدون إلى بغداد، بينما راحت كاميرا رعد مشتت توثق لحظة العودة. لكن فرحة اللقاء بالوطن اصطدمت بمشهد الخراب الذي أصاب بغداد والمدن والبلدات العراقية؛ حدائق غائبة، وأبنية هرمة، ودبابات أمريكية تتجول في شارع أبي نواس الذي كان يومًا فضاءً للمطاعم والمقاهي والبارات.
حنين المكان وفجيعة العائلة
يُحسب للمخرج رعد مشتت توظيفه للتعليق الصوتي في الكشف عن جوانب من حياة الشخصيات لا تظهر في الصورة. وكانت البداية مع الصحفي والإعلامي أحمد المهنا، الذي غادر العراق لأسباب سياسية عام 1979 وهو في الرابعة والعشرين، فعاش نصف عمره في الوطن ونصفه الآخر في المنفى. كان أول ما يريده أن يرى أهله وبلدته المحمودية، فانطلق من بغداد بحثًا عن شقيقته الصغرى انتصار، مستعينًا بخريطة لعنوان منزلها، قبل أن يقوده طفل صغير إلى المكان. وفي مفارقة ساخرة، اكتشف أن المدرسة التي تدرّس فيها شقيقته تقع في (حي صدام).
كان شوق المهنا إلى المحمودية حنينًا إلى المكان الأول الذي ظل حيًا في ذاكرته، غير أن البلدة التي وجدها كانت مختلفة عن تلك التي غادرها؛ فقد شاخت ملامحها وتشوّه عمرانها وفقدت الكثير من جمالها وحدائقها وآثارها. وحتى بيت طفولته بدا أصغر مما يتذكر، قبل أن يكتشف أن المنزل القديم انقسم إلى منزلين صغيرين. وبين الأزقة والبيوت، استعاد ذكريات الطفولة والشباب، ولقاءاته بأصدقاء الدراسة، وذكريات والده الذي كان شديد التعلق بجمال عبد الناصر.
ولا تقتصر رحلة المهنا على استعادة الأمكنة، بل تمتد إلى استحضار مأساة أسرته. فقد هُجّر والد أحمد الجبوري (ابن شقيقته) عام 1982 إلى إيران مع خمسة من أبنائه بعد اتهامه بأنه من أصول إيرانية، فيما أودع أحمد الجبوري السجن وهو في سن الثامنة عشرة لأنّ الشبان في مثل هذه الحالات كانوا يُحجزون خوفًا من تجنيدهم لمصلحة إيران أيام حرب الجارين. وبعد سنوات من الانتظار والمعاناة، توفيت والدته قبل أن ترى الإفراج عن ابنها أو عودة أسرتها. وعندما عاد أحمد المهنا من منفاه وجد شقيقته خديجة بعد 24 عامًا من الغياب، ثم زار بيت العائلة الذي شهد وفاة والديه، قبل أن يختتم المخرج حكايته بحضوره مناسبة زفاف ابنة صديق طفولته، لتتحول عودته إلى فرح شخصي وجماعي.
ويطرح الفيلم، إلى جانب ثيمة المنفى والعودة والذاكرة، موضوعات سياسية واجتماعية عديدة، من بينها قضية التهجير والتبعية الإيرانية، التي تظهر بوضوح في عائلتي أحمد المهنا ونجاح محمد علي. كما يثير الفيلم سؤالًا أعمق عن علاقة الإنسان بالمكان وآثاره؛ فهدم البيوت والآثار لا يمحو الحجر وحده، بل يطمس جزءًا من الذاكرة والروح الحضارية للمدينة.
الوطن الذي تسكنه الوجوه
لم أكن أعرف الإعلامي علي السامرائي من قبل، لكن التعليق الصوتي الأول يعرّفنا بحكايته. غادر علي العراق سنة 1981، وكان في سن الخامسة عشرة من عمره، ولم يعد إليه طوال أربعة وعشرين عامًا. أكمل دراسته وبدأ حياته العملية في بريطانيا، ثم انتقل إلى أبو ظبي عام 1998، حيث أصبح رئيسًا لقسم الإنتاج في قناة أبو ظبي.
خلال سنوات الغربة تفرقت أسرته بين بلدان عدة، وتوفي والده في العراق، ولم يبقَ لعلي في بغداد أحد من من ذويه. وبعد بحث، اهتدى إلى بعض خالاته، فكان لقاؤه بهن في الحارثية مفاجأة مثيرة للشجن.
كان علي يتوقع لحظة محرجة بعد كل هذه السنوات، لكن ما إن دخل الدار حتى اندفعت خالاته نحوه واحتضنّنه، وانهالت الأسئلة عن أمه وإخوته. وفي دقائق قليلة سقطت المسافة التي صنعتها أربعة وعشرون عامًا من الغياب.
وكما يحدث في معظم البيوت العراقية، حضرت السياسة في ذلك اللقاء العائلي. حتى الأطفال لم يكونوا بعيدين عن ذاكرة تلك السنوات. قالت إحدى الحاضرات عن طفلة رضيعة إنها لم تعرف زمن صدام، فردت عليها امرأة حامل: (أما التي في بطني فهي أسعد، لأنها لم ترَ صدامًا أبدًا).
ولم تكن الرياضة بعيدة عن السياسة أيضًا. فعندما سأل علي خالته، الدكتورة وداد المفتي، أستاذة التربية الرياضية في جامعة بغداد، عن حال الرياضة العراقية، أكدت أن مستواها تراجع كثيرًا بسبب تدخل عدي صدام حسين في شؤونها، حتى أصبح الرياضيون يخشون الخسارة وما قد يترتب عليها من عقوبات همجية.
طوال سنوات الغربة كان علي يسأل نفسه: لماذا أنا هنا ولست في العراق؟ وحين اقتربت لحظة العودة، لم يكن يعرف ما الذي ينتظره. لكنه، عندما وجد نفسه بين أهله وأقاربه، أدرك شيئًا لم تكن المسافة قادرة على محوه؛ أنه بين أحضان وطنه العزيز.
فالوطن، في النهاية، ليس مكانًا فقط؛ إنه وجوه وذاكرة وألفة تستطيع أن تهزم سنوات الغياب.
قبر الأب وذاكرة المنفى
يتميز المخرج رعد مشتت عن زملائه بقدومه من عالم الأدب الإنكليزي والشعر، قبل أن يضيف إليهما الإخراج السينمائي والتلفازي. عاش 24 عامًا في المنافي بين إيطاليا والجزائر وبريطانيا وأبو ظبي، وتمكن عام 1994 من تهريب والدته وإخوته الخمسة إلى بريطانيا، فيما شاركه شقيقه السادس سعد رحلة المنفى. وحين عاد إلى بغداد، كان الوصول إلى شقيقته ربيعة، التي أخفت العائلة خبر أخويها المطلوبين أمنيًا، لقاءً حافلًا بالدفء والمشاعر. وفي منزلها استعاد رعد جانبًا من ماضيه، بعدما عاش وأسرته سنوات الخوف والملاحقة في ظل نظام البعث.
كان لقاء رعد بخاله مفاجأة مؤثرة، إذ لم يتوقع الأخير أن يرى ابن أخته مجددًا، فراح يفاخر به وبأشقائه الستة، منتقدًا في الوقت نفسه ممارسات النظام الذي صادر البيوت وطارد المواطنين وغيّب أبناءهم. وبين الحين والآخر كان رعد يعود إلى كتبه القديمة، مستعيدًا أيامًا عصيبة من حياته. ومن أشد ذكرياته إيلامًا اكتشافه، بعد ثلاث سنوات، وفاة والده الذي أخفى الأهل خبر رحيله عنه خوفًا على مشاعر الابن الرقيقة. وكان والده بالنسبة إليه أبًا ومعلّمًا وصديقًا ومناضلًا سياسيًا، لذلك كانت زيارة قبره في النجف من أهم أولوياته، في مشهد غلبت عليه الدموع الغزيرة والمشاعر الجيّاشة.
كما عاد رعد إلى أماكن ارتبطت بذاكرته، فزار الإعدادية المركزية التي درس فيها، واستعاد أمجادها القديمة بعد أن أنهكتها السنوات. وجلس في مقهى أم كلثوم ببغداد مستعيدًا ذكريات أيام الجامعة، ثم ختم يومه بزيارة الجامعة المستنصرية التي تخرّج فيها، فوجدها خالية من طلابها، وقد أثقلت سنوات العراق العجاف ملامحها، رغم بقاء شيء من جمالها القديم.
ثلاثون عامًا من الحنين
غادر جاسم العزاوي العراق عام 1973 وهو في السابعة عشرة من عمره لغرض الدراسة، إذ كان يطمح إلى دراسة الطب لكنه حصل على بكالوريوس في الكيمياء عام 1980. انتقل بعدها إلى ألمانيا ثم إلى الولايات المتحدة، وعاش فيها 14 عامًا، قبل أن يعود إلى لندن، ويستقر منذ عام 1999 في أبو ظبي. ولم يكن هناك سبب سياسي يمنعه من العودة، غير أن الحرب العراقية -الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات، ثم اندماجه في المجتمع الأمريكي، جعلا العودة تتأجل طويلًا. لذلك عاد إلى العراق وهو يحمل شعورين متناقضين: الخوف من وطن قد تغيّر كثيرًا، والحنين إلى أمه وأسرته ومدينة كركوك وأصدقاء الطفولة.
في الطريق من بغداد إلى كركوك، التي غادرها قبل نحو ثلاثين عامًا، رأى جاسم مشاهد الاحتلال الأمريكي وسيطرته على الأجواء والطرقات، كما لاحظ ما أصاب بغداد من خراب وتشوّه، مع احتفاظ بعض أبنيتها القديمة بشيء من جمالها الخلّاب وأناقتها الفاتنة. وكان السؤال الأهم: هل سيتعرف على بيته بعد ثلاثة عقود من الغياب؟ لكن اللقاء مع الأم والأخوات سرعان ما بدّد قلق الغربة، وتحولت حديقة المنزل إلى فضاء عائلي جمع أفراد الأسرة الذين تفرقوا في أنحاء كركوك.
ومن خلال لقاءاته العائلية، يكتشف جاسم التحولات الاجتماعية التي طرأت على العراق خلال سنوات غيابه، ولا سيما انتشار الزي الإسلامي بين النساء، بعد أن كان المشهد الاجتماعي في سبعينيات القرن الماضي أكثر تنوعًا وانفتاحًا. كما يلتقي شقيقه الأكبر مهدي، الذي كان بعثيًا ومديرًا في شركة نفط الشمال، والذي مرّ في شبابه بأفكار واتجاهات متعددة قبل انتمائه إلى حزب البعث عام 1976.
وحين يسأل جاسم شقيقه عن حصيلة تجربة الحكم البعثي، يعترف مهدي بوجود حسنات وسيئات؛ فهو يرى أن من سيئاته القمع ومُصادرة الحريات، لكنه يعدّ استتباب الأمن من حسناته الجوهرية. ويأتي رد جاسم مقتضبًا لكنه بالغ الدلالة: الأمن مستتب دائمًا في الأنظمة الستالينية. وهكذا تتحول عودة جاسم من مجرد استعادة للأسرة والمكان إلى مواجهة هادئة مع التحولات التي طرأت على المجتمع والذاكرة السياسية للعراق.
البصرة تستعيد أبناءها
لم يأتِ نجاح محمد علي إلى الصحافة والإعلام من باب دراسته الأكاديمية، فقد تخرّج في هندسة الكهرباء، ثم طوّر نفسه بالقراءة والممارسة حتى أصبح إعلاميًا معروفًا ومديرًا لمكتب قناة أبو ظبي في طهران. وبعد 24 عامًا من المنفى، عاد إلى البصرة مُحمّلًا بالحنين والذاكرة، فرأى مدينة أنهكتها الحروب والقمع، لكنه وجد في سقوط النظام السابق نهاية لمرحلة من الظلم، وشكر الله على عودته إلى وطنه آمنًا، داعيًا ألا يُسلَّط على العراقيين من لا يرحمهم.
كانت البصرة بالنسبة إلى نجاح مدينةً تختزن الألم أكثر مما تستعيد الذكريات. ففي جولته في أسواقها يلتقي صديقه رسول، الذي تعرض للسجن والتعذيب بتهمة تهريب شخصين إلى إيران، ويكشف عن آثار السياط وأسياخ الحديد على جسده. كما يلتقي شبانًا عوقبوا بقطع آذانهم، ومن بينهم من دفع ثمن هروبه من الخدمة العسكرية في وقت لم تكن فيه حرب، في مشهد يكشف مدى قسوة النظام وتحوّله إلى سلطة تعاقب الإنسان حتى على حياته الخاصة.
وتكشف عودة نجاح أيضًا عن تاريخ شخصي حافل بالملاحقة. فقد كان ناشطًا إسلاميًا منذ شبابه، وشارك في تحدي الحصار المفروض على المرجع محمد باقر الصدر، فاعتُقل وعُذّب، ثم ظل مُطاردًا إلى أن تمكن من الهرب إلى الكويت ومنها إلى إيران. لكن خروجه من العراق لم يكن خلاصًا لعائلته؛ فقد دفع أفراد أسرته ثمن غيابه، فسُجن إخوته وأخواته، وعُذبت والدته وشقيقاته، واختفى شقيقه عبدالكريم بعد اعتقاله وانتهى مصيره إلى الإعدام، فيما سُجن آخرون وصودرت ممتلكاتهم. وهكذا أصبح نجاح، رغم ابتعاده عن العراق، حاضرًا بصورة مؤلمة في حياة أسرته.
وعندما عاد بعد عقود، كان لقاء أمه وإخوته وأصدقائه أشبه باستعادة جزء مفقود من حياته. لم تكن عودته مجرد رجوع رجل إلى مدينته، بل عودة ذاكرة كاملة إلى مكان ظل يحمل آثار غيابه وآثار الذين دفعوا ثمنه.
وهكذا يكتمل وجه آخر من وجوه الفيلم؛ فالوطن الذي عاد إليه هؤلاء لم يكن هو الوطن الذي غادروه، والذين عادوا لم يكونوا هم أنفسهم الذين غابوا. بين الذاكرة والمكان، وبين الفرح بالعودة ومرارة ما تركه الاستبداد وراءه، يتحول (خمسة وجوه) إلى شهادة إنسانية على أن المنفى لا ينتهي بمجرد العودة، وأن الوطن قد يسكن في الإنسان طويلًا حتى حين يحاول الإنسان أن يبتعد عنه. وربما تكمن قوة الفيلم الحقيقية في أنه لا يوثق عودة خمسة أشخاص فحسب، بل يستعيد من خلالهم وجوه عراق كامل ظل ينتظر أبناءه.
ملحوظات في بناء الفيلم وشخصياته
أجرى رعد مشتت تحويرًا تناصيًا على عنوان رواية غائب طعمة فرمان «خمسة أصوات»، فأبقى على العدد (خمسة)، وحوّل المفردة المركزية من (أصوات) إلى (وجوه). ولا يبدو هذا التحويل مجرد تبديل لفظي، بل ينطوي على انتقال دلالي من تعدد الأصوات السردية في الرواية إلى تعدد الوجوه الإنسانية وتجاربها وذاكراتها في الفيلم. فإذا كان الصوت في الرواية وسيلةً للتعبير عن الشخصيات ومواقفها، فإن الوجه في الفيلم يغدو مركزًا للرؤية والتوثيق، بما يختزنه من انفعال وذاكرة وتجربة. ومن هنا يمكن وصف هذا الإجراء بـ (التناص العنواني التحويلي) (Title Intertextuality / Title Transformation / Intertextual Title Transformation)، إذ يجمع بين استدعاء العنوان السابق وإعادة تشكيل دلالته في عمل جديد.
غير أن توزيع الزمن على الوجوه الخمسة لم يكن متساويًا؛ فلم يتجاوز نصيب علي السامرائي ثماني دقائق، في حين تجاوزت حصة نجاح محمد علي وامتدت لأكثر من عشرين دقيقة. ولو وُزّع زمن الفيلم بالتساوي بين الشخصيات، لكان نصيب كل شخصية ست عشرة دقيقة تقريبًا، الأمر الذي يمنح الوجوه الخمسة مساحة متقاربة في التعبير عن تجاربها وذكرياتها.
وكان من الممكن، كذلك، توظيف تقنية التعليق الصوتي (Voice-over) على نحو أكثر فاعلية لإضاءة الجوانب الثقافية والإبداعية في سير بعض الشخصيات. ومن أبرز هؤلاء الصحفي والإعلامي أحمد المهنا، الذي أنجز أربعة كتب، صدر منها ثلاثة هي: «الإنسان والفكرة»، و«الأمر رقم 1: قصة اجتثاث البعث في العراق»، و«من لا يكره بغداد»، فيما لم يرَ كتابه «تأملات صغيرة في هموم كبيرة» النور حتى الآن. وينطبق الأمر، بدرجة أخرى، على رعد مشتت نفسه، بوصفه مخرج الفيلم وإحدى شخصياته الخمس؛ فهو خريج قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة المستنصرية، وشاعر معروف في الوسط الثقافي العراقي، أصدر أربع مجموعات شعرية هي: «الجنود»، و«السجين السياسي»، و«قصيدة تشبه اليوم»، و (شؤون عائلية) فضلًا عن كتابته عددًا من السيناريوهات السينمائية.
ولعل ما يستحق التنبيه أيضًا أن مشتت كان شحيحًا في الإشارة إلى سيرته الذاتية والإبداعية، على الرغم من أن تجربته السينمائية تقارب عشرين فيلمًا، تتوزع بين الروائي والوثائقي والدكيودرامي. وكان من المفيد أن يمنح الفيلم، ولو بإشارات موجزة، صورة أوسع عن هذه التجربة، كما كان يمكن التعريف بالمنجز الثقافي والإبداعي لبقية المشاركين، ولا سيما أن (خمسة وجوه) ينتمي إلى مجموعة من الأفلام التي وثّقت عودة المثقفين والفنانين العراقيين من منافيهم البعيدة، ورصدت علاقتهم بالوطن والذاكرة والمنفى.
وبالعودة إلى تجربة رعد مشتت السينمائية، نجد أنها تقارب عشرين فيلمًا؛ من بينها ثلاثة أفلام روائية قصيرة هي: (شهرزاد)، و(مشهد للحب وآخر للموت)، و(تنويمة الجندي)، وتسعة أفلام وثائقية هي: (خمسة وجوه)، و(الجحيم)، و(المأزق)، و(الأمر رقم 1)، و(أنفاق الخوف)، و(أفول الأصنام)، و(دروب الحرية)، و(موت مُعلن)، و(مسيل الدموع)، فضلًا عن فيلم دكيودرامي واحد هو (انتحار دولة الرئيس)، ومسلسل (قطار الموت). وهذه التجربة المتنوعة تجعل (خمسة وجوه) حلقةً ضمن مشروع سينمائي أوسع، لا عملًا منفردًا، وتفتح في الوقت نفسه بابًا لقراءة أفلام مشتت الأخرى بوصفها امتدادًا لانشغاله بالذاكرة العراقية، وبالإنسان في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية التي تركت آثارها العميقة في الفرد والمكان معًا.
***
لندن: عدنان حسين أحمد








