عام 2005، شارك فيلم "إكسباير" في مهرجان أربيل الدولي للأفلام الروائية القصيرة، وتمكّن من الفوز بجائزة أفضل فيلم، بعد منافسة مع ثمانية وأربعين فيلماً من العراق وإيران وتركيا. أُقيم المهرجان بتنظيم من شركة "أفيني فيلم"، التي يرأسها المخرج جان روزبياني. ولا تكمن أهمية هذه المشاركة في الجائزة وحدها، بل في كونها تشير إلى تجربة سينمائية تستحق الاستعادة، سواء من حيث موضوعها أو الظروف الاستثنائية التي رافقت إنجازها. وما يؤسف له أن الكتاب التوثيقي الذي أصدره موفق الطائي"الفن السابع في الموصل "عن دار الميثاق مطلع العام 2026 حول الافلام التي انتجت في الموصل، أغفل الإشارة إلى "إكسباير" ولا أملك معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الإغفال، لكن استعادة الفيلم هنا ليست مجرد تنبيه إلى عنوان غائب، أو مطالبة بإضافة معلومة إلى كتاب، بل هي دعوة إلى التعامل مع تاريخ السينما بوصفه ذاكرة ثقافية ينبغي أن تتسم بالدقة والإنصاف. فالأفلام التي لا تجد طريقها إلى التوثيق تصبح عرضة للنسيان، مهما كانت قيمتها الفنية أو الظروف التي أُنجزت فيها.
مخاطر العمل السينمائي
ولم يكن إنجاز "إكسباير" أمراً يسيراً. فقد صُوّر في ظل ظروف أمنية بالغة التعقيد كانت تعيشها مدينة الموصل آنذاك. كان حمل كاميرا والتجول بها علناً في الشوارع ينطوي على مخاطر حقيقية، في ظل تهديد الجماعات المسلحة ذات التوجهات الجهادية، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بوجود القوات الأميركية المحتلة. لذلك لم تكن صناعة الفيلم مجرد ممارسة إبداعية، بل كانت أيضاً امتحاناً لقدرة السينمائيين على العمل في بيئة تجعل الصورة نفسها فعلاً محفوفاً بالمخاطر.
وقد تناولت هذه التجربة في مقال نشرته آنذاك صحيفة "الزمان" بعنوان "كيف تصنع فيلماً في زمن الاحتلال"، متوقفاً عند المفارقة التي تجعل إنجاز عمل فني، في ظروف كهذه، فعلاً يتجاوز حدود المهنة. فحين تصبح الكاميرا معرضة للخطر، يغدو التصوير محاولة لحماية حق الذاكرة في تسجيل ما يحدث، ومقاومة لاحتمال أن تختفي الوقائع مع اختفاء الشهود والصور.
إن استعادة "إكسباير" اليوم تتيح لنا النظر إلى مستويين متداخلين: الحرب التي يواصل بطل الفيلم حملها في داخله، وواقع تاريخي جعل صناعة الفيلم نفسها مواجهة مع الخوف. وبينهما تتشكل قيمة التجربة؛ فالفيلم لا يستحق التذكر لأنه فاز بجائزة فحسب، بل لأنه ينتمي إلى ذاكرة سينمائية وثقافية لا ينبغي أن تُترك للنسيان. ومن هنا، نأمل أن يُدرج في طبعة مقبلة من كتاب موفق الطائي، حفاظاً على دقة التوثيق وإنصافاً لتجربة من تجارب السينما في الموصل، ولصنّاع اختاروا أن يواصلوا العمل في وقت كان فيه مجرد حمل الكاميرا مغامرة.
حكاية الفيلم
الفيلم يتناول حكاية جنرال عسكري أفنى حياته في الحروب، حتى غدت ساحات القتال جزءاً من تكوينه النفسي وهويته الشخصية. غير أن إحالته إلى التقاعد تضعه أمام مواجهة لم يستعد لها: كيف يمكن لرجل اعتاد الأوامر والانضباط والعنف أن يستأنف حياة يومية لا تحتاج إلى شيء من ذلك؟ فجأة، يجد نفسه خارج المؤسسة التي منحت وجوده معناه، وفي عالم يبدو غريباً عنه، لا يعرف كيف يتعامل مع هدوئه أو يملأ فراغه.
إن الحرب، وفق هذا التصور، لا تنتهي بالضرورة حين تتوقف المعارك، ولا يغادر أثرها الإنسان بمجرد ابتعاده عن ساحات القتال. فقد تظل حاضرة في عاداته ونظرته إلى الأشياء وطريقته في التعامل مع العالم. وهنا تبرز الفكرة الأعمق التي يتيحها الفيلم: ماذا يتبقى من الإنسان حين يفقد الدور الذي عاش من أجله؟ وهل يستطيع من اعتاد العنف أن يستعيد علاقته بالحياة خارج منطقه، أم أن الحرب تواصل عملها داخله، حتى في غياب أصوات الرصاص؟
في مواجهة هذا الفراغ، يلجأ الجنرال المتقاعد إلى صيد الطيور. ولا يبدو هذا السلوك مجرد هواية أو وسيلة لتمضية الوقت، بل يمكن قراءته بوصفه امتداداً مشوّهاً لعلاقته السابقة بالعالم؛ فالرجل الذي اعتاد أن يكون الصيد والقتل جزءاً من منطق الحرب، يجد في الطيور مجالاً يعيد فيه إنتاج علاقة القوة والسيطرة. غير أن انتقاله من ساحات القتال إلى الطبيعة لا يضمن تحرره من ماضيه، بل يكشف عن صعوبة التخلص من العنف حين يتحول إلى جزء من بنية الشخصية.
دلالة الفيلم
ومن هذه الزاوية، لا تنحصر دلالة الفيلم في مصير فرد واحد، بل تتسع لتلامس مصائر أناس أعادت الحروب تشكيل حياتهم، ثم تركتهم يواجهون نتائجها بمفردهم. فالمجتمع قد ينشغل بمرحلة ما بعد الحرب، فيما يظل الأفراد يحملون آثارها في دواخلهم. وما يبدو استقراراً في الخارج قد يخفي اضطراباً لا يقل قسوة عن ذلك الذي عاشوه في زمن المعارك. إن السلام، بهذا المعنى، ليس مجرد غياب للحرب، وإنما قدرة الإنسان على استعادة صلته بالحياة، وهي مهمة قد تكون أكثر تعقيداً من مغادرة ميدان القتال.
شارك في تمثيل الفيلم محمد إسماعيل وعادل العمري، والطفل ثامر غانم فيما كتب عنه الناقد العراقي عباس خلف مقالاً نقدياً ضمن دراسته لعدد من الأفلام الروائية القصيرة العراقية. وهذه الإشارات تمثل جزءاً من سجل ينبغي استكماله، كي لا تبقى الأفلام التي أنجزتها التجارب المحلية معزولة عن سياقها الثقافي والنقدي.
***
مروان ياسين الدليمي








