شهادات ومذكرات

عبد السلام فاروق: عبد الرحمن بدوي.. عبقرية لا وريث لها

في تاريخ الفكر العربي الحديث تقف سيرة عبد الرحمن بدوي بوصفها علامة مضطربة على مأزق الفيلسوف في هذه المنطقة من العالم: عبقرية مشعة لكن محاصرة، موسوعية ثرية لكن معزولة، وصوت عميق لكنه يتردد في فراغ بلا صدى. فقد كتب الرجل أكثر من مئة وخمسين كتابًا بين تأليف وترجمة وتحقيق، جمع فيها بين الفلسفة اليونانية والإسلامية والغربية المعاصرة، حتى بدا وكأنه مكتبة تسير على قدمين. ومع ذلك، ظل أثره يتبدد خارج أسوار الجامعة، ولم يتحول إلى تيار فكري حي أو مدرسة ذات تلاميذ.

هذه المفارقة، بين الغزارة والعزلة، بين الذكاء المتقد والخذلان الثقافي، تجعل من عبد الرحمن بدوي نموذجًا لفيلسوف أراد أن يحرس المعبد وحده، فأغلق أبوابه على نفسه. لقد عاش غريبًا متنقلًا بين مصر وليبيا وفرنسا والكويت وإيران، ومات غريبًا في باريس عام 2002، تاركًا وراءه مكتبة ضخمة لكنها بلا امتداد. ومن هنا ينهض السؤال: هل مصير الفيلسوف العربي أن يكون عبقريًا بغير ورثة؟ أم أن العزلة قدر يختاره بنفسه حين يعجز عن مد الجسور بين الفكر والحياة؟

إن قراءة سيرة بدوي ليست مجرد تأمل في حياة فردية، بل هي قراءة في أزمة الثقافة العربية مع الفلسفة ذاتها، بين الحاجة إلى المفكر الحر والخوف من أن يظل أسير ذاتيته.

فارق عظيم بين مدرستين

منذ أطروحته للدكتوراه "الزمان الوجودي"، بدا واضحًا أن بدوي يسعى ليكون رائدًا للوجودية في العالم العربي قبل أن تصبح تيارًا عالميًا في باريس. لكنه، على خلاف أساتذته وزملائه، لم يشأ أن يكون "أبًا لمدرسة"، بل "آخر الفلاسفة".

على الجانب الأخر: بنى زكي نجيب محمود جسورًا بين الفلسفة والجمهور، ورسخ عاطف العراقي أسئلته في تلاميذه. اختار بدوي أن يحاور الموتى: نيتشه، هايدجر، وابن سينا. لم يرد أن يتنازل عن لغته المعقدة أو أن يبسط عبارته لغير المختص. لهذا، لم يترك وراءه تلاميذ يحملون شعلة فكره. وحين رحل، رحلت معه فلسفته دون وريث.

عبقرية تائهة فى عزلتها

هل كُتب على الفيلسوف العربي أن يجمع بين العبقرية والخذلان؟ كيف لرجل كتب أكثر من مئة وخمسين كتابًا أن يتحول إلى ظل بلا امتداد؟ عبد الرحمن بدوي، الذي ملأ المكتبة العربية بفلسفة وجودية وتراثية وترجمات لا تحصى، ترك وراءه لغزًا مؤلمًا: أيهما أشد قسوة على المفكر، أن يهزم في معركة الأفكار، أم أن يهزمه صمته الاختياري فيتحول إلى جدار صامت داخل مكتبة لا قارئ لها؟ لقد بدا بدوي كمن يضيء سماء الثقافة العربية بشهاب عابر، ثم ينطفئ قبل أن يترك أثرًا متجددًا. كان عبقريًّا بغير ورثة، وفيلسوفًا بنى حصنه في عزلة، ليبقى شاهدًا على أزمة الفلسفة في العالم العربي: عبقرية تتوه في العزلة، وفكر يترفع عن الامتداد.

لا أحد يشك في أن بدوي كان "مكتبة تمشي على قدمين". فقد ألف أكثر من 150 كتابًا بين الفلسفة الإسلامية والتراث الغربي والوجودية والتحقيق والترجمة. ترجم نيتشه وهايدجر وسارتر، وحقق نصوص ابن رشد وابن سينا والغزالي، وألف "تاريخ الإلحاد في الإسلام" و"دفاع عن محمد ﷺ" و"دفاع عن القرآن".

لكنه كتب كمن يسابق الزمن، فغلب الكم على البناء. كان أشبه بعامل وحيد في ورشة ضخمة، ينجز أعمالاً هائلة لكنها متفرقة، بلا مشروع مؤسسي جامع. وبقدر ما أسس مكتبة شخصية شاهقة الجدران، فقد أغلق أبوابها، حتى بدت إنجازاته كصرح معزول، أشبه بضريح أكثر منه مدرسة.

تناقض خلاق وقلق مثمر

شخصية بدوي كانت شبكة من المفارقات: مؤلف "تاريخ الإلحاد في الإسلام" هو نفسه من كتب دفاعًا عن النبي ﷺ والقرآن! الوجودي المولع بهايدجر هو نفسه الناقد للفلسفة اليونانية التقليدية. المتأثر بالغرب كان في الوقت نفسه مدافعًا عن التراث العربي ضد المستشرقين.

هذه التناقضات ليست ضعفًا بقدر ما تعكس عقلًا متشعبًا يحارب في أكثر من جبهة: التراث، والغرب، والواقع العربي. لكنها جعلت مشروعه موزعًا بين اتجاهات متنازعة، فبدت كتاباته كمعارك متوازية لم تنتج تيارًا واحدًا راسخًا.

في سيرته الذاتية "قصة حياتي"، بدا بدوي روحًا قلقة لا تحتمل النقد. هاجم طه حسين رغم فضله عليه، وسخر من زكي نجيب محمود، ووصف أحمد أمين بالحقود، حتى أنه خطط للاعتداء على العقاد بسبب خلاف فكري. كان يعيش توترًا وجوديًا دائمًا، تجسيدًا لفلسفته عن "القلق الكلي".

هذا القلق تجسد أيضًا في غربته. بعد خلافات سياسية وأكاديمية، تنقل بين ليبيا وفرنسا والكويت وإيران. عاش في باريس كأي مهاجر شرقي يحمل مكتبته فوق كتفيه، يكتب بلا توقف، وكأنه يهرب من موت بطيء. لكنه مات عام 2002 في مستشفى بباريس، غريبًا كما عاش. جنازته حضرها القليل، وكأن عزلة حياته امتدت إلى موته.

معارك دونكيشوتية خاسرة

في الأربعينيات خاض بدوي مواجهة فكرية عنيفة مع الماركسيين، رافضًا نزعتهم المادية ورافضًا اختزال الوجود في الاقتصاد. لكنه خسر المعركة من زاوية تاريخية: الماركسيون نجحوا في أن يجعلوا أفكارهم تيارًا جماعيًا متجذرًا، بينما ظل بدوي فيلسوفًا فرديًا يكتب من أجل مجده الشخصي. الخصوم انتصروا لأنهم غرسوا فكرهم في حركة، وهو ظل يكتب كمن يخاطب الفراغ.

من أكثر الجوانب إثارة للجدل في حياته إعجابه بالنازية وهتلر. رأى في هتلر رمزًا لمقاومة الاستعمار الغربي، وارتدى السواد يوم وفاته، معتبرًا اضطهاد اليهود استعادة لألمانيا من هيمنتهم. هذا الانبهار يعكس نزعة نرجسية جعلته يقدس القوة ويزدري الضعف، صورة أخرى من تمركزه حول ذاته، ومن افتتانه بالبطولة الفردية أكثر من انشغاله بقيمة العدالة.

العزلة مقبرة العبقرية

امتلك بدوي كل مقومات الفيلسوف الأهم في القرن العشرين: الذكاء المتقد، ثقافة موسوعية، إتقان لغات عدة، ومؤلفات غزيرة. لكنه خسر المعركة الأهم: بناء مدرسة فكرية. فبينما نجد اليوم أسماء مثل زكي نجيب محمود وعاطف العراقي حاضرة عبر تلاميذهم وأثرهم المؤسسي، يظل بدوي مجرد أثر قائم بذاته، عبقرية منعزلة لم تتحول إلى تيار.

يموت الفيلسوف مرتين: مرة حين يرحل جسده، ومرة حين تدفن أفكاره بصمت. عبد الرحمن بدوي، بكل موسوعيته، تحول إلى "حاشية" في تاريخ الفلسفة العربية، لأن العزلة التهمت مشروعه. لقد شيد صرحًا مهيبًا، لكنه تركه بلا أبواب، فصار ضريحًا بدل أن يكون مدرسة.

سيرته تذكرنا بأن العبقرية وحدها لا تكفي؛ فهي بحاجة إلى تربة خصبة تزرع فيها، إلى تلاميذ يواصلونها، وإلى جسور تمتد بين الفيلسوف وجمهوره. لقد كان بدوي كجبل شاهق يثير الإعجاب من بعيد، لكن أحدًا لم يسكن سفحه. وحين غاب، غاب معه أثره وإرثه، وبقيت كتبه كأصداء في مكتبة مهجورة تنتظر قارئًا لم يأت بعد.

المصالحة المتأخرة مع الإسلام

في أواخر حياته، كتب بدوي "دفاع عن محمد ﷺ" و"دفاع عن القرآن"، كأنه يحاول أن يقدم اعتذارًا متأخرًا عن سنوات الوجودية والإلحاد. لكنه أدرك متأخرًا أن المعركة الحقيقية ليست مع الفلاسفة الغربيين، بل مع المستشرقين الذين طعنوا في التراث. ومع ذلك، بقي هذا الدفاع فرديًا بلا أثر جماعي، لأنه بلا مريدين أو تلاميذ يواصلون المشروع.

هكذا تنتهي حكاية عبد الرحمن بدوي كما بدأت: صراع مع الذات، وجدال مع العالم، ومطاردة للمعنى بين دفاتر الفلسفة وأروقة العزلة. لكن ما ميز خاتمته أنه، بعد رحلة قلق طويل، عاد إلى السكينة التي أنكرها يومًا. ففي كتبه الأخيرة، بدا وكأنه يقدم اعتذارًا متأخرًا، لا للناس فحسب، بل لنفسه أيضًا.

هناك، عند تخوم الشيخوخة والغربة، أدرك أن المعركة الحقيقية ليست مع الأديان ولا مع التراث، بل مع الفراغ الروحي الذي يلتهم الفيلسوف حين يظن أن العقل وحده يكفي. لقد صالح بدوي ذاته بالعودة إلى الإيمان بالله، فاختتم مساره كما يختتم العابد رحلة التيه بسجدة خاشعة.

بهذا المشهد يترك لنا درسه الأخير: أن العبقرية مهما علت، تظل ناقصة إن لم تستند إلى جذور من الطمأنينة، وأن الفيلسوف، مثل كل إنسان، لا يجد سلامه الذاتي إلا حين يذعن لصوت الإيمان في قلبه.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم