قراءات نقدية
كريم الوائلي: بنية النص وفاعلية التلقي
إضاءة: ليس النص الأدبي مجرّد بناء لغوي من الكلمات والتراكيب، ولا هو محض مرآة تنعكس عليها التجربة الذاتية للكاتب أو الواقع الموضوعي من حوله؛ بل هو كيان مركّب، تتداخل فيه أبعاد اللغة والتجربة، الشكل والمضمون، والذات والموضوع، والشعور والوعي، والزمان والمكان، إنَّ هذا البحث يسعى إلى مقاربة هذا الكيان المعقد مقاربةً شمولية تستنطق النص من داخله، وتلاحق إشاراته من خارجه، في آن معًا، إذ تتوزع مباحثه على جملة من المحاور التي تقف عند جوهر النص وطبيعته، وعلاقته بالذات المبدعة والمتلقية، فضلاً عن التفاعل بين مكوناته الداخلية والعوامل الخارجية المؤثرة فيه.
ينطلق هذا من رؤية أنَّ الإنسان، بفطرته، مدفوعا نحو استكشاف الغامض والتفاعل مع العالم من خلال الرموز والصور والتجارب، وهو ما يمكّنه من تشكيل وعي مركب بذاته وبالآخرــ في هذا السياق ـــ يُنظر إلى الفن بوصفه مظهرًا من مظاهر هذا الوعي الإنساني، لأنه يمثل قدرة الإنسان على الإفصاح عن تجربته وتبادلها مع بني جنسه، ولعل الفن الأدبي، بما في ذلك الشعر والنثر، يُعدّ من أعمق هذه الفنون، لأنه يرتكز على اللغة، هذه الأداة التي هي أكثر أدوات التعبير شحنًا بالتراث والمعنى.
تتمايز الفنون على أساس مادتها: بين الفنون: المكانية كالنحت والرسم، والفنون الزمانية: كالموسيقى والشعر. وفي هذا التقسيم، يحظى النص الأدبي بموقع خاص، إذ يرتكز على اللغة التي تحمل طبيعة مزدوجة: فهي من جهةٍ أصوات ومفردات "مادية"، ومن جهة أخرى رموز ودلالات " ذهنية "، ولا يمكن اختزال النص الأدبي إلى مجرد لفظ منطوق أو شكل من أشكال الكلام، لأن الشعرية لا تتحقق في المفردات ذاتها، بل في طريقة تشكلها وانسجامها، في إيقاعها الداخلي والخارجي، وفي التوتر الذي ينشأ بين الإشارة والإيحاء، بين قول وقول اخر.
إنَّ النص الأدبي ليس نقلًا مباشرًا أو شفافًا للتجربة الشعورية، وإنما هو تشكيل خاص لهذه التجربة، قد يشوّهها أو يعمقها أو يحرفها، بحسب قوانين اللغة وحدودها وإمكاناتها. ولأنَّ اللغة ليست أداة محايدة، بل كيان مشبع بالتراث الجمعي، فإنها كثيرًا ما تفرض على الأديب قيودًا تُبعد النص عن التجربة الأصل، وتجعل النص ذاته كيانًا مستقلاً يستدعي قراءة مستقلة ومركبة.
ولا ريب أنَّ هناك فجوة بنيوية قائمة بين ما يشعر به الأديب في أعماقه، وما يُقدَّم على الورق في شكل نص، وبين ما يُقصد من المعاني وما يُتلقّى منها. وهذه الفجوة ذات بعدين: أحدهما داخل النص، بين قصدية الكاتب وتشكيله، والآخر خارجه، بين النص والمتلقي، إذ إنَّ القارئ لا يتلقى التجربة ذاتها التي مر بها الأديب، بل يتلقى تمثلاً لغويًا لها، وهو تمثل غير أمين، ويتلوه تمثل آخر خاص بالمتلقي نفسه، فتتعدد القراءات، ويصبح لكل قارئ نصه الخاص.
وفي الإطار ذاته، فإننا نناقش القراءات المتنوعة للنص الأدبي، ونقف على الفرضيات التي تصوره إما كمرآة للواقع أو كذات لغوية مغلقة على بنيتها، ويرفض كلا الاتجاهين بوصفهما قاصرين عن الإحاطة بماهية النص، فالنص، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي ولا تعبيرًا عن نفس فردية فحسب، بل هو "كائن ثالث" بين الاثنين، إنه كشفٌ يتجاوز الواقع والذات معًا، وله بنيته المستقلة التي يجب تحليلها من داخلها، مع عدم إغفال العلاقات الخارجية التي تربطه بالمؤلف والسياق التاريخي والقرائي.
وتتجلى ماهية النص كذلك من خلال بنيته التكوينية: علاقة المكونات بعضها ببعض، تأثير الموقع والتجاور، وظائف العناصر داخل السياق، والتغييرات التي تطرأ على المعنى والدلالة بحسب ترتيب الكلمات ونظامها، فالقصيدة ليست مجرد كلمات، بل نسق من العلاقات الجمالية التي تتولد بفعل التضام والسياق، كما أن الكلمة الشعرية – وإن كانت مأخوذة من المعجم – فإنها تتحول إلى دلالة جديدة تمامًا داخل النص، وقد تتغير وظيفتها الجمالية والإيحائية وفق موقعها فيه، وهي بذلك تتحول إلى كيان عضوي داخل منظومة شعرية لا تكتمل إلا بها.
ويحتل الجانب الإيقاعي حيّزًا مهمًا من هذا المشروع، ليس من جهة الوزن فحسب، بل من جهة الإيقاع الداخلي للكلمات، وانفعالاتها، وموسيقاها التي تنشأ عن تراصف الأصوات والتكرار والتوازي، وهذا ما يجعل النص الأدبي – وخصوصًا الشعر – كيانًا حيًا، يتفاعل فيه الصوت مع المعنى، ويتضافر فيه الحس بالزمن مع الحس بالدلالة.
ولا يغفل البحث حضور المتلقي ودوره في توليد المعنى، مؤكدًا أن كل قراءة هي خلق جديد للنص، وكل قارئ يضيف إلى النص ما لم يكن فيه أصلاً، لأن التفاعل مع النص هو تفاعل مع اللغة بما تحمله من تاريخ، وذاكرة، وإيحاءات، وطبقات من المعنى.
وإجمالًا، فإنَّ هذا لا يعني تقديم إجابة قاطعة ونهائية عن سؤال "ما النص الأدبي؟"، بقدر ما يسعى إلى فتح مسارات جديدة للتفكير فيه، وإعادة تأمل ما يبدو مألوفًا وبديهيًا، وكشف التوترات الكامنة في صلب العملية الإبداعية، إنه محاولة لتقديم رؤية نقدية وفلسفية تشتبك مع مفهوم النص بوصفه وجودًا ديناميًا يتغير بتغير الزوايا التي ننظر من خلالها إليه، ويتجدد مع كل قراءة، ان ماهية " النص الأدبي" لا يتناول النص كجسد لغوي فحسب، بل كنصٍّ حيٍّ نابضٍ بالتجربة، وبالتحوّلات، وبالدلالات المتفاعلة، وبالأسئلة التي لا تنتهي.
1
لا شك أنَّ الإنسان مهيأ بفطرته لاستكشاف الغامض والمجهول، مما يؤدي به إلى وعي ذاته والعالم من حوله، وعِبْرَ هذا السعي، فانه يلبي للإنسان حاجةً معينةً في نفسه، لتحقيق الكمال، ليصبح أفضل مما هو عليه، بمعنى آخر" يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلًا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا".[1]
ويبدو أنَّ هذا التكامل لا يتحقق عِبْرَ وعي التجارب الفردية التي يمر بها الإنسان فحسب، بل يمكن الوصول إلى "هذه الكلية إذا حصل على تجارب الآخرين، وهي التجارب التي يمكن أنْ تكون تجاربه في المستقبل... والفن يمثل قدرة الإنسان غير المحدودة على الالتقاء بالآخرين، وعلى تبادل الرأي والتجربة معهم ".[2]
يفرق المفكر الألماني إفرايم ليسينغ بين الفنون بناءً على الوسائط المستخدمة، إلى مجموعتين: الأولى: هي الفنون التشكيلية التي تعتمد المكان، مثل العمارة والنحت والتصوير، والثانية: هي الفنون الإيقاعية التي تعتمد الزمان، مثل الموسيقى والشعر[3]، وهذا يعني أنَّ الفنون المكانية تشغل حيزًا محددًا في المكان، مما يعكس الوجود الموضوعي للعمل الفني التشكيلي ــ على سبيل المثال ـــ يتجسد النحت عِبْرَ كتلة الحجر التي قام النحات بتشكيلها، محولًا إياها من مجرد كتلة حجرية صماء لا تحمل معنى، إلى عمل فني يحمل دلالاته المعرفية وقيمته الجمالية.[4]
تستند الفنون الإيقاعية في أحد مكوناتها إلى الجانب الحسي المتمثل في الزمن، إذ تمثل الأصوات المادة الأساسية التي تعتمدها هذه الفنون، ويتدخل الإنسان في توزيع هذه الأصوات بطريقة معينة، مما يحولها من مادة خام تفتقر إلى الأبعاد الفنية والجمالية إلى عمل فني متكامل، ومن ثم، تتكون الموسيقى من " تكرار ضربة او مجموعة الضربات بشكل منظم على نحو تتوقعه الاذن، كلما آن اوانها ".[5]
في هذا السياق، يتضمن الإيقاع عنصرين أساسيين هما: الحركة والتنظيم، إذ يميز ابن فارس بين صناعة الموسيقى وصناعة العروض، إذ تُقسّم صناعة الموسيقى الزمن بالنغم، بينما تُقسّم صناعة العروض الزمن بالحروف المسموعة[6]، وجدير بالإشارة أنّ فؤاد زكريا يحد الايقاع في الموسيقى بأنَّه " تنظيم لحركة اللحن بحيث يتناوب عبر هذه الحركة عنصر التأكيد المتوتر وعنصر اطلاق هذا التوتر وتحقيقه "[7]، ومن هنا، يتجلى الجانبان المادي والروحي؛ فالحركة تعبر عن الجانب المادي، بينما يعبر التنظيم عن الجانب الذهني والروحي.[8]
وإذا كانت الفنون تتميز بخصوصية المادة التي يستخدمها الفنان، فإنها تُستقبل من المتلقي عِبْرَ حاسة إنسانية معينة، وهي البصر في الفنون التشكيلية المكانية، فلا يمكن تذوق النحت والرسم إلا عِبْرَ العين التي تراقب الكتلة والفراغ في حالة النحت، أو تلاحظ الألوان وكيفية تشكيلها وتحديد أبعادها وظلالها في حالة الرسم، وبهذه الحالة، يمكن إدراك هذه الفنون في كليتها دفعة واحدة، إذ يمكن رؤية التمثال أو الصورة بشكل كامل في آن واحد، لأنَّ ذلك لا يتطلب وقتًا لإتمام عملية المشاهدة.
وإذا كانت حاسة البصر هي الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون المكانية، فإنَّ حاسة السمع تُعد الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون الزمانية، مثل الموسيقى والشعر، فالإيقاع يجمع بين الحركة والتنظيم، كما أشرنا سابقًا، إذ تتكون الموسيقى من أصوات متعاقبة بطريقة معينة وتحدث في زمن محدد، مما يجعلها فنًا زمنيًا يتطلب وقتًا للاستمتاع به، وتكون الأذن هي الحاسة التي يعتمد عليها البشر في تلقي هذه الفنون، كما أن اللغة بشكل عام والشعر بشكل خاص يتبعان حاسة السمع، إذ يُعرّف ابن جني اللغة بأنها " اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم "[9]، هذا التعريف المتقدم يسلط الضوء على الطبيعة الرمزية للغة، لأنها تعتمدها الأصوات التي تمثل جانبها المادي، وفي الوقت نفسه تعبر عن الدلالات والمعاني، ومن هنا، تختلف اللغة كأداة تعبيرية للأديب عن كتلة الحجر بوصفها مادة خامًا للنحات، إذ إنَّ اللغة تختلف عن الحجر، لأنها مشحونة بالتراث الثقافي،[10]ومن ثم فإنَّ كتلة الحجر أكثر مرونة وقابلية للتشكيل على وفق إرادة الفنان، على عكس اللغة التي تتسم بالثبات، فتحمل الكلمات دلالاتها لسنوات طويلة.
وتحمل اللغة طبيعتها المزدوجة بوصفها اداة للتواصل والتعبير في آن واحد، كما يصفها آرنست فيشر بأنها ادراك حسي للشيء وتجريدًا له[11]، وفي هذا السياق، يهيمن العقل عليها بشكل كبير، ولا يمكن الاستغناء عن التعبير في الشعر، لأنَّ الشاعر يعبر عن كل شيء على وفق معايير الجمال، مما يتطلب رؤية فنية خاصة.[12]
2
يسعى الأديب عِبْرَ إبداعه الشعري إلى تقديم تجربته الانفعالية، التي لا يمكن أن توجد بشكل موضوعي إلا بعد تجسيدها في صياغة لغوية، ومن ثم، يتم تذوق هذه التجربة وفحص عناصرها ومكوناتها عِبْرَ هذا الوسيط اللغوي الذي يتميز بخصائصه الأسلوبية، أما ما يدور في ذهن الأديب في أثناء عملية الإبداع أو قبلها، فهو أمر يصعب على الناقد تتبعه[13] ما لم يتشكل العمل الإبداعي لغويًا، وهذا الجانب له خصوصيته التي تهم غير النقاد.
بذل الأدباء جهودًا كبيرة ليكون النص الأدبي معبرًا عن التجربة الانفعالية وشاملاً لجوانبها المتعددة وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ هذا الأمر لا يتحقق دائمًا، إذ تتحول اللغة أحيانًا إلى عائق يمنع الأديب من التعبير عن تجربته الانفعالية بكل شموليتها وكليتها، لذا، نلاحظ شكاوى الأدباء التي تشير إلى وجود معيق يحول دون التعبير عما يريدون إيصاله، مما يجعل التجربة تبدو غير واضحة وغير مكتملة، وعندما يحاول الأديب التعبير، يتشتت الوضوح ويتبدد التكامل.[14]
إن تجربة الأديب الانفعالية ذات طبيعة كلية تامة قبل تشكيلها اللغوي، يحس بها الأديب ويعيها ويسيطر عليها، وحين يعمد إلى تقديمها عِبْرَ سياق " زماني/ لغوي " يضطر الى اخضاع تجربته الانفعالية الكلية الشاملة الى المحدد والجزئي، أي إخضاع الكلي " التجربة الانفعالية " إلى الزماني الجزئي " التشكيل اللغوي "، لأنَّ الاخير لا يتحقق وجوده إلا بترتيب الكلمات وانتظامها بكيفية معينة، فالتجربة الانفعالية خاضعة لقوانين اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ويحاول الأديب التحرك في إطار ما سبق خلقه، أي أنه يحاول تقديم تجربته التي تتسم بكونها مطلقة وكلية وفردية عِبْرَ جبرية اللغة، أي عِبْرَ جبرية مفردات وتراكيب لم يخلقها الأديب، وقوانين لم يسهم في تأسيسها أو توليدها، ولذلك يخضع الكلي والمطلق للمحدد والجزئي.[15]
وفي هذا السياق، يبقى التشكيل اللغوي غير قادر على نقل ما يسعى الشاعر إلى تقديمه، لكنه مضطر لقبوله، إذ لا توجد لديه وسيلة أخرى سوى التعبير عن هذه الصورة التي تعكس عالمه الخاص، ومن هنا، يشعر الأديب بوجود فجوة بين تجربته الانفعالية وما يقدمه في النص الأدبي كمعطى يعكس تلك التجربة، ويبقى النص كيانًا لا يعبر بدقة عن تجارب الأدباء.[16]
إنَّ الأديب في أثناء خلقه النص الأدبي يتفاعل مع المفردات بكيفيات خاصة، أقول مجازًا يتفاعل، ليس بوصفها أحجاراً، وإنما بوصفها مخلوقات، وكأنه يحاول إعادة خلقها من جديد، ومن ثم تتلون المفردات والتراكيب في ضوء: رؤيته، و تجربته، وإن المفردة تشع وتوحي بإيحاءات خاصة لدى الكاتب، ولا يمكن لهذه الإيحاءات أن تتماثل أبدًا مع إنسان آخر، بسبب المخزون النفسي ـــ وهو مخزون فردي خاص قطعًا ـــ ولما يتصل بهذا المخزون من رواسب فردية يتصل جزء كبير منها باللاشعور، إن حدثًا واحدًا أمام شخصين يترك آثارًا متفاوتة فيهما، بسبب كيفية تفاعلهما معه من ناحية، وبسبب تفاوت العالمين الداخليين لهما من ناحية أخرى، ويرجع ذلك إلى تلك الكوامن القارة في أعماق كل واحد منهما، وهي التي تتفاعل مع الحدث، ومن ثم تؤثر في التعبير عنه.[17]
إنَّ المتلقي يتفاعل مع التشكيل اللغوي، وليس مع تجربة الشاعر الانفعالية، وبما أن النص ليس أمينًا في نقل هذه التجربة يحدث أول سوء فهم لتجربة الشاعر بسبب النص، أي بسبب التشكيل اللغوي،[18] وإذا كان المبدع له خصوصيته في تجربته وكيفية إبداعه فإنَّ المتلقي هو الآخر له خصوصيته الفردية وله كوامنه الخاصة المستقرة في أعماقه، وحين يلتقي بالنص فإنه يتفاعل بكيفية خاصة معه، إنَّ أثر النص يتشكل ويتلون بحسب المثيرات اللغوية التي تترك إيحاءات خاصة لدى المتلقي[19]، ومن ثم تخلق تجربة انفعالية جديدة لديه، وهي قطعًا ليست التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ المتلقي لا يتفاعل مع تجربة الأديب الانفعالية وإنما يتفاعل مع وسيط لغوي غير الأمين في نقل تجربة الأديب، وأكثر من هذا أنَّ المفردات والتراكيب عند الأديب في هذا النص توحي بإيحاءات خاصة، ولذلك اختارها هو، ولكنها عند المتلقي توحي بإيحاءات أخرى خاصة به ،لا يمكنها أنْ تكون هي بأي حال من الأحوال، ولذلك فإنَّ تلقي التجربة الانفعالية الجديدة يبتعد مرتين عن أصل التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ كل قراءة للنص هي فهم جديد له، ولذلك فنحن لسنا إزاء نص واحد إلا بوصفه موجودًا فيزيقيًا، ولكننا إزاء أعداد لا حصر لها من النصوص المقروءة، لأنَّ القراءة تحول الوجود الفيزيقي إلى نص آخر، ليس هو الوجود الفيزيقي ـــ قطعًا ـــ وليس هو تجربة الأديب الانفعالية، وإنما هي تجربة جديدة أثارها النص في المتلقي، ومن ثم تتفاوت طبيعة النص بتفاوت المتلقين، وبتعددهم وتكرارهم .
3
إنَّ هناك قراءات متعددة تتفاعل مع النص، وكل واحدة منها تحاول التركيز على جانب منه، غير إنَّ هذه القراءات يمكن تصنيفها إلى قسمين:قسم لا يرى في النص إلا وجوده اللغوي، وقسم: لا يرى فيه إلا كونه صورة لما يقع خارج النص، وكلتا القراءتين ليست سليمة ـــ كما يقول أدونيس ـــ إذ " لا تصح قراءة العمل الشعري بما هو خارج عنه، ولا بمجرد نصيته المحضة، فقراءته بعناصر من خارجه إلغاء له، وقراءته بعّده نصًا وحده إلغاء لتاريخيته أو لاجتماعيته، فليس العالم الشعري مجرد انعكاس نفسي ـــ ذاتي، كما أنه ليس مجرد انعكاس واقعي ـــ اجتماعي، إنه قبل كل شيء كشف، أعني أنه ليس وثيقة عن المعطى، وإنما هو اختراق وتجاوز"[20].
وعلى الرغم من ذلك فإنَّ النص يتميز بسمات ثلاث: كليته، وعضويته، وتكامله، كما يشير إلى ذلك يوري لوتمان، وأن طبيعته لا تتحدد في مجرد" جمع إلى للعناصر التي تؤلفه، وإن تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجود إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي "[21].
وعلى الرغم من صحة إمكان دراسة النص ودراسة بنيته وفقا لقوانينه الداخلية فإنه ليس مستقلًا أو منفصمًا عن بنى أخرى، تتوازى وإياه، أو تتقاطع معه، أو يتأثر فيها: نصوص، وواقع، وذوات، إن وجود النص تحكمه مقومات داخلية تُحدد زمانيته في إطار إبداعه وتلقيه على السواء، إذ لا يمكن إبداعه وتلقيه مرة واحدة بسبب زمانية اللغة، وانه لا وجود له إلا بها، وان الكشف عن بنيته، وهو مجرد افتراض تجريدي، لا يعني الكشف ـــ حقيقةً ـــ عن ماهيته.
ولو تصورنا أنَّ نصًا يتكون من مكونات جوهرية أساسية هي: أ، ب، ج، فإنَّ هذه العناصر لوحدها لا يمكنها أن تحدد ماهيته، لأنَّ تحديد ماهية النص وبنيته ليست مقتصرة على تحديد مكوناته الجوهرية التي لا يتم وجود النص إلا بها، فحسب، وإنما يتحدد في ضوء مواقع هذه المكونات من ناحية وعلاقاتها ببعضها من ناحية ثانية، وبالبناء الكلي من ناحية ثالثة، أي وظيفة كل كلمة في التركيب وأثرها في الكلمة الأخرى بالتركيب نفسه .
إنَّ هذه الأشكال الثلاثة ليست واحدة على الرغم من أنها مكونة من العناصر نفسها، غير إنَّ مواقع هذه العناصر مختلفة، كما أن العلاقات التي تصل بين هذه المكونات مختلفة، ومن ثم تغير من ماهية الشيء، ولا ريب في أن ترابطًا عضويًا بين هذه المكونات يحدد طبيعة النص، وان تغير أحد المكونات أو تغير موقعه، أو تغير علائقه يؤثر قطعًا في المكونات الأخرى، بمعنى أن ماهيته وبنيته تتأثران قطعًا في هذه التغيرات، إن طبيعة المكون ستختلف إن أخرجت من سياقها إلى سياق آخر، فلو تصورنا أننا أخذنا صورة رأس حصان من لوحة فنية وأخرجناها من سياقها في هذه اللوحة الفنية ووضعناها في سياق لوحة أخرى لإنسان ـــ مثلًا ـــ موقعًا وعلاقة، لا ريب في أن هناك تغيرًا جوهريًا سيحدثه هذا العنصر في تحديد ماهية اللوحة وماهية بنيتها، ولو غيرنا موقع هذا المكون وعلاقته فإنه سيترك أثرًا مختلفاً، ويكون له تأثير كلما كان الموقع الذي وضعناه فيه بالغ الأهمية، والعلاقة التي تؤديها مؤثرة. وهذا هو الذي أكده كلود ليفي شتراوس اذ قال " أن البنية ذات طابع عضوي، لأنَّ علاقة العناصر المكونة لها تقتضي أن يكون تغيير أي عنصر مفضيًا بذاته إلى تغيير بقية العناصر"[22] .
وقد نبه على ذلك عبد القاهر الجرجاني في قوله: " لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادًا ومجردة عن معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد أعمال فعل فيه وجعله فاعلًا له أو مفعولًا ... فقل في:
قفا نبك من ذكر حبيب ومنـزل
" من نبك قفا حبيب ذكر منـزل «ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟[23].
إن للنص خصوصيته واستقلاليته، غير إنَّ المادة التي يتشكل منها النص ـــ الكلام بالمنظور السوسيري ـــ[24] ليست مجرد مادة هامدة كالحجر أو اللون ـــ كما اشرنا ـــ ولكنها تتميز بأنها من صنع الإنسان ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي كما يرى رينيه ويليك[25]، وإذا كانت مواد الفنون الأخرى ـــ كالحجر واللون ـــ تظل خاملة من الناحية الاجتماعية حتى تقع في يد الفنان[26] فإنَّ اللغة " تتميز بفاعلية اجتماعية عالية "[27]، وفي هذا السياق ينبغي ألا ّ ينظر إلى النص الشعري بوصفه كيانًا يتماثل في خصائص جزئية مع الموسيقى والنحت، ليس بسبب التغاير في المواد المستخدمة فحسب، وإنما بسبب طبيعة التشكيل أيضاً، لأنَّ الكلمات ـــ وهي مادة الأدب ـــ على الرغم من أنها تشتمل على دلالات ومفاهيم معجمية، فإنها في أثناء التشكيل تتفجر دلالات جديدة ودلالات مصاحبة، وتولد أنماطًا من الشعور، ويسهم التناوب والتكرار والتوازي ـــ في الشعر بخاصة ـــ في توليد دلالات مصاحبة وينبئ عن مستويات تعبيرية وانفعالية .
إنَّ النص لا يتكون بدون كلمات، والكلمات تتميز أولاً باستقلالها الموضوعي لكونها تتألف من وحدات صوتية متضامة بكيفية معينة، وتشتمل على دلالة ما، مهما كان نوعها، في حدود وجودها المعجمي، أعني خارج أي سياق، وإذا كان القول بأنَّ استخدام هذه الكلمة في سياق جديد يعني إضافة إليها، بحيث تتلون دلالتها وفقًا لعلاقتها، بما قبلها وما بعدها أولاً، وبسياق النص ثانياً، أو على حد تعبير فيرث " إن كل كلمة حين تستخدم في سياق جديد تكون كلمة جديدة "[28] غير إنَّ هذا لا يلغي الثوابت الكائنة في الكلمة التي تبقى محافظة عليها، مهما استخدمت في سياقات مختلفة، وان التغاير الكائن فيها يمكن تسميته بالمتغيرات التي تنتاب هذه الكلمات، هذا فضلًا على القول بأن " الكلمات المستقلة في قصيدة ليست مجرد رموز ضمن أوضاع سياقية، بل هي نفسها أيضا سياقات كل منها للآخر، يعدل كل منها الآخر وينضم كل منها للآخر لتثير استجابة متصلة "[29]، إنَّ معنى قصيدة ليس حاصل مجموع دلالات الكلمات مستقلة، بل هناك دلالات يولدها السياق، ويولدها إيقاع الكلمات، سواء في خصائصها المنفردة، أم في أثناء تضامها مع بعضها، أم بهما معا .
ويمكن توضيح ذلك بنصين على سبيل المثال، الاول لأبي نؤاس، والثاني لجحظة البرمكي، أما النص الاول الذي ترد فيه كلمة " ايضًا " فانَّ هذه الكلمة في الاستعمال العادي لها دلالة ضامرة تفيد التوصيل ليس غير، كأن تطلب وأنت على مائدة الطعام: من فضلك اعطني قدحًا من الماء أيضا، إن هذه الكلمة " أيضًا " لا تدل على أكثر من أنك تطلب شيئًا آخر ولكنها عند أبي نؤاس[30] في قوله:
وَلَستُ بِقائِلٍ لِنَديمِ صِـدقٍ
وَقَد أَخَذَ النـعاسُ بِوجنتيه ِ
*
تَنـــــــاوَـلها وَإِلّا لَـــم أَذُقــها
فيشربها وقد ثَقُلَت عَلَيـهِ
*
وَلَكِنّي أُصـــدُّ الكَأسَ عَنهُ
وَأَصــــــــرِفُها بِغَمزَةِ حاجِبَيهِ
*
وَأَحبِسُها إِلى أَن يَشتَهيها
وَآخُـــــــذُها بِرِفقٍ مِن يَدَيــهِ
*
وإن مُدّ الوساد لنوم سكرٍ
مددت وسادتي أيضًا إليه
تحمل دلالة أخرى، لا يمكن أن تكون نفسها التي ألفيناها في السياق السابق " إنَّ عمل الكلمة في سياق فني ليس هو عملها نفسه في استخدامات الحياة اليومية "[31]، ولذلك فإنَّ كلمة أيضًا ليست كلمة رديئة أو حسنة، كما أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى ليست شعرية " ليس ثمة كلمات سيئة أو كلمات جيدة، هناك كلمات في مواضع رديئة أو مواضع جيدة "[32].
وإن للواو العاطفة دورًا دلاليًا وجماليًا في آن واحد، فهي تخلط المعطوف بالمعطوف عليه، بحيث لا يبقى قيمة لمتقدم على متأخر، فيشتركان في القيمة، كما أنّ واو العطف " يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية " يعذب " فيها الأداء ويحلو، لا سيما أنّ السياق ينبئ عن لون من الانبهار والإعجاب في المثل الذي استشهد به ابن جنّي لتعزيز رأيه في بيتي جحظة البرمكي[33]:
إذا ما ظَمِئتُ إِلى ريقـــِهِ
جَعَلتُ المُدامَةَ مِنهُ بَديـــــلا
*
وَأَينَ المُـــــدامَةُ مِن ريقِهِ
وَلكِن أُعَلِّلُ قَلبــــــاً غَليــــــــلا
يقول ابن جنّي: " ولو قال: " أين المدامة من ريقه " لم يكن له ماء الواو ولا رونقها"[34]."
إن التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات نفسها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت في ضوئه، لأنَّ للتقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقات، أو في إطار سياقات أخرى .
وإذا كان دي سوسير قد حدد الكلمة في إطار بنيتين متلاحمتين معًا هما: البنية الصوتية والبنية الدلالية، وهما متلاحمتان، ولا يمكن الفصل بينهما[35]، فإنَّ الإيقاع في حقيقته ليس وليد إحدى هاتين البنيتين، وإنما هو يتولد منهما معا، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ قيمة الكلمة الجمالية وطبيعة موسيقاها لا تحددهما هاتان البنيتان ـــ الصوتية والدلالية ـــ لنفسيهما، إذ يسهم السياق في تحديد جماليات الكلمة وإيقاعها، إذ يؤكد ويليك أن الكلمات ليس لها و هي منفردة " في ذاتها صفات أدبية خاصة، ولا توجد كلمة قبيحة أو جميلة أو قبيحة في ذاتها أو من طبيعتها أن تبعث على اللذة أو عدمها، ولكن لكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة طبقًا للظروف التي توجد فيها "[36]، كما أن اللفظ القبيح كما يرى إليوت " هو اللفظ الذي لا يلائم السياق الذي جاء فيه"[37] ويؤكد عبد المنعم تليمة أنه ليست هناك «كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وليست هناك لغة شعرية ـــ أو شاعرة ـــ وأخرى غير شعرية، وإنما يتعامل الشاعر مع كلمات اللغة العادية، لكنه لا يتعامل مع النظام العادي لهذه اللغة "[38]، إن جمال الكلمات أو قبحها ليس ذاتيًا وإنما هو وليد موقعها في السياق، كما أن إيقاع الكلمة يتحدد على ضوء علاقاتها بما قبلها وما بعدها، من ناحية، وبموقعها قي سياق النص من ناحية أخرى .
وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك ألفاظًا ثرية أو فقيرة في دلالاتها وإيحاءاتها، ويبدو بعضها أكثر دورانًا وترددًا وبعضها أقل وروداً، بسبب إمكاناتها الصوتية، وبسبب بعض القوانين اللغوية التي تتحكم بها، ويشير ويليك إلى هذه الظاهرة في أثناء تحدثه عن " كلمات ملساء مشذبة وأخرى وعرة غير مشذبة " وهذا يعني " أن بعض الكلمات نتيجة لطول الاستعمال قد أصبح مجاله أضيق من مجال غيره "[39].
وفي ضوء هذا فإنَّ شعرية النص تتحكم فيه أبعاد متفاعلة، أعني: الخصائص الكامنة التي تشتمل عليها المكونات الصوتية والدلالية للكلمة، وموقعها في سياقها الدلالي والإيقاعي، بمعنى أن شعرية النص لا تنفرد بها خاصية واحدة: الكلمة منفردة، أو السياق وحده، أو الإيقاع بمفرده، وإنما تتفاعل هذه المكونات جميعا، إن السياق لا يؤثر في تحديد دلالة الكلمة فحسب، وإنما يؤثر في استحضار هالة من المترادفات التي يوحيها السياق، وتتفاوت هذه المترادفات بحسب طبيعة السياق، ويسهم الإيقاع في التأثير في تحديد شعرية النص، ويؤثر في تحديد دلالة النص، ولذلك «فالموسيقى الشعرية تعّد إحدى الوسائل المرهفة التي تملكها اللغة للتعبير عن ظلال المعاني وألوانها علاوة على دلالة الألفاظ والتراكيب اللغوية "[40]، كما أن الإيقاع الكلي للقصيدة يسهم هو الآخر في إضفاء دلالات مرافقة ومصاحبة للتشكيل اللغوي للنص .
ان التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات ذاتها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت على ضوئه لأنَّ التقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة وغيرهما من شأنها أن تحدث آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقاتها، أو في اطار سياقات أخرى.
ونخلص من هذا كله الى أنَّ ماهية النص الادبي لا تتحدد الا عبر خاصية التشكيل اللغوي التي توصف بأنها منظومة لا تختلف عن بقية المنظومات الأخرى، بعناصرها الجوهرية التي تتكون منها، وبمواقع هذه العناصر، وبالعلاقات بينها، وهذا يعني، أيضا، ان ماهية النص الادبي تتجلى عبر كلية النص الادبي ،وتكامله، وعضويته التي تؤكد تلاحم مكوناته، وكأنها كائن حي.
ان النص الادبي، والحالة هذه، له خصوصيته واستقلاله، على الرغم من ان المادة التي يتشكل منها معروفة ومحددة ،لأنه يتكون من كلمات تتميز باستقلالها الموضوعي، ولا تتجلى ــ في ذاتها ــ بخصائص أدبية، وانما تتخلق الخاصية الأدبية عبر تضامها بكيفية معينة، وهذه الكلمات بعد تضامها في سياق، ليست هامدة تمامًا وإنما هي مشحونة بالتراث الثقافي من ناحية، وتعبر عن الخصوصية الفردية للمبدع، ولذلك، فإنَّ لغة النص الادبي تتسم بفاعليتها الخاصة في اطاري التراث من ناحية، والخصائص الفردية من ناحية ثانية .
***
د. كريم الوائلي
........................
[1] كريم الوائلي، الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، نور للنشر، 2018م، ص 13 .
[2] فيشر (آرنست)، ضرورة الفن، ترجمة ميشال عاصي، دار الحقيقة، بيروت، د. ت. ص 15 .
[3] يُنظر: أميرة حلمي مطر، مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، دار المعارف، مصر، 1989 م، ص 87 ـــ 88 .
[4] يمكن أن ينطبق هذا على التشكيلات التي تخلقها الطبيعة نتيجة لعوامل التعرية، إذ يواجه المتلقي تشكيلات من الحجر والصخور التي تتمتع أيضًا بخصائص جمالية، ومع ذلك، هناك فرق جوهري بينهما، إذ إنَّ تشكيلات الطبيعة تحدث بشكل عفوي دون نية لإثارة الجمال، بمعنى أنَّ الطبيعة لا تخلق الجمال بوعي، على عكس ما يقوم به الإنسان الذي يسعى بإرادته ووعيه إلى التعبير بهدف التأثير في المتلقي. ويؤكد زكريا إبراهيم هذا المعنى، إذ يشير إلى أن" المادة الخام لا تكتسب صبغة فنية فتصبح مادة استطيقية إلا بعد إنَّ تكون يد الفنان قد امتدت لها فخلقت منها " محسوسا جماليا " نشعر حين نكون بإزائه انه قد اكتسب ليونة وطواعية بفعل المهارة الفنية " زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت. ص 38 .
[5] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، مكتبة مصر، القاهرة ،1956م، ص 20.
[6] ابن فارس (أحمد)، الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1977 م، ص 467 .
[7] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 20، وينظر كتابنا: الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، ص 337 .
[8] نفسه، ص 61 .
[9] ابن جني (عثمان)، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952 ــ 1956 م. 1/ 33. وأكد هذا المعنى القاضي الجرجاني في وساطته، حين يقول:" وإنما الكلام أصوات محلها من الاسماع محل النواظر من الابصار " الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1386 هـ ــ 1966 م، ص 412 .
[10]يُنظر: ويليك ( رينيه ) بالاشتراك مع ) اوستن وارين (: نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981م، ص 21.
[11] يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ص 41 .
[12]يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ، ص 4.
[13] يرى رتشاردز " أنَّ العناصر التي تتألف منها القصيدة تشمل الكثير من العناصر اللاشعورية، ولربما كانت هذه العناصر الشعورية اهم بكثير من غيرها " رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ترجمة د. مصطفى بدوي، ومراجعة د لويس عوض، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1963م، ص 69 .
[14] يُنظر: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 240 .
[15] تشبه التجربة الشعرية إلى حد كبير الرؤيا التي يراها النائم في أثناء نومه، فالرؤيا تمثل شيئًا، بينما التعبير عنها لغويًا يمثل شيئًا آخر، بمعنى آخر، نحن أمام منظومتين تتشابهان من جهة وتختلفان من جهة أخرى. إذا نظرنا إلى رؤيا يوسف، على سبيل المثال، نجد أنَّ الرؤيا تُعتبر "تصويرًا مرئيًا" وليست تعبيرًا لغويًا ، لذا بدأ النبي حديثه بقوله: "يا أبت إني رأيت " إذ يروي بتعبير لغوي عن تجربة تخيلية، أي أنه يصف لغويًا ما أدركته مخيلته أثناء النوم، كما إنَّ الصورة المرئية التي رآها النبي تعبر عن تجربة شخصية، ويعكس معادلها اللغوي وصفًا لها، مما يجعلها تنتقل من الخصوصية إلى العمومية، أي أنها تتحول من كونها تجربة خاصة بالرائي إلى تجربة يمكن للمتلقين تخيلها عبر ما توحي به وتؤديه "اللغة/الكلام": بحثنا: الاخفاء والاظهار، تأملات في سورة يوسف، مجلة شؤون اسلامية، لندن، العدد 2، 2000م .
[16] يُنظر حديثا مفصلا: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 232 .
[17] وهذا ما يؤكده رتشاردز بان" تأثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات الاخرى التي ترد هذه الكلمة بينها، فالكلمة التي يلتبس معناها وهي بمفردها يتحدد معناها حين ترد في سياق ملائم " مبادئ النقد الادبي، ص 236، وينظر: مكليش (ارشيبالد)، الذي يتحدث عن الكلمات والعلاقات فيما بينها بمعنى ،"ان القصيدة توجد كقصيدة في العلاقات بين الكلمات كأصوات " الشعر والتجربة، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، مراجعة توفيق صايغ، دار اليقظة العربية، بيروت،1963م.، ص 22 ـــ 25 .
[18] تختلف مادة الادب وهي اللغة عن مواد الفنون الاخرى، فالحجر والبرونز مادة النحت، والالوان مادة الرسم، والاصوات مادة الموسيقى ... فاللغة الادبية تكتظ بالالتباسات، ويليك( رينيه )، نظرية الادب، ص 21 ، ويقول ايضا: " إنَّ كل عمل ادبي هو مجرد انتقاء من لغة معينة" نفسه ص 179، وينظر ايضا، فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 25
[19] يؤكد ويليك ( رينيه ) أنَّ الكلمة لا تحمل معناها المعجمي بل هالة من المترادفات، ينظر: نظرية الادب، ص 181 .
[20] أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب، بيروت، 1989م، ص 28.
[21] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ترجمة محمد ابي الفتوح، دار المعارف، مصر، 1995م، ص 27 .
[22] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28 .
[23] الجرجاني( عبد القاهر )، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رضوان الداية، وفايز الداية، دار قتيبة، دمشق 1983م، ص 280 .
[24] يُنظر: دي سوسير، (فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ترجة عبد القادر قنيني، ومراجعة أحمد حبيبي، افريقيا للشرق، د. م، 1987 م، ص 23 .
[25] ويليك ( رينيه )، نظرية الأدب، ص 21 .
[26] لوتمان( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28
[27] نفسه .
[28] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ترجمة عيسى العاكوب، وخليفة العزابي ،معهد الانماء العربي، بيروت، 1996م ص 35 .
[29] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ص 47 ـ 48 .
[30] الأربلي ( الصاحب بهاء الدين) ،التذكرة الفخرية، تحقيق حاتم الضامن، دار البشائر، دمشق ،2004 م، ص 249 .
[31] نوتني ( ونفرد) لغة الشعراء، ص 50 .
[32] نفسه، ص 51 .
[33] الحموي ( ياقوت ) معجم الادباء، ارشاد الاريب الى معرفة الاديب، تحقيق: احسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993 م، 1/207 .
[34] ابن جنّي ( عثمان )، الفسر الكبير ) شرح ديوان المتنبي ) تحقيق صفاء خلوصي، دار الجمهورية، بغداد، 1389 هـ ــ 1969 م، ص 49 ويُنظر: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، ص 119 ـــ 120 .
[35] يُنظر: دي سوسير( فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ص 86 .
[36] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .
[37] محمد النويهي، قضية الشعر الجديد،، معهد الدراسات العربية، المطبعة العالمية، القاهرة 1964م ص 22
[38] عبد المنعم تليمة، مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة، القاهرة ،1978 l، ص 113 .
[39] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .
[40] محمد مندور، الأدب وفنونه، معهد الدراسات العربية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1963م، ص 29 .






