شهادات ومذكرات
عبد الحسين الطائي: شخصية نادرة من جيل الموسوعيين (1)
في زمنٍ تتسارع فيه التقنيات المعرفية وتتشعب مسارات الفكر، وتتخصص العقول في مسارات ضيقة تبرز بعض الشخصيات كمناراتٍ مضيئة، تجمع بين عمق التأمل ورهافة الحسّ، وبين صرامة العقل وجمال الروح، حيث يطلّ علينا د. إبراهيم العاتي الأكاديمي الشاعر والأديب المتخصص في الفلسفة، بوصفه نموذجاً مختلفاً للمثقف الذي يُعد من جيل الموسوعيين الذي لا يرى في الفلسفة برجاً عاجياً ولا في الشعر ترفاً لغوياً، بل تمكن من الجمع بينهما في مشروع فكري وأدبي متجانس، واستطاع أن ينسج من الفكر والشعر نسيجاً فريداً يزاوج بين الحكمة والإبداع.
صدر حديثاً، في نهاية 2025، عن أكاديمية الكوفة موسوعة الموسم الهولندية المجلد (208) بجزئين مكرسة لسيرة وآثار الأُستاذ الدكتور إبراهيم العاتي الحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة عين الشمس – القاهرة، والمبدع في نظم الشعر وكتابة البحوث في مختلف الدراسات الفلسفية والدينية والاجتماعية. أشرف على تحرير وتوثيق المجلد الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة.
رصد المجلد الأول مراحل الطفولة والنشأة الأولى في بيئة النجف المدينة المقدسة الثرية في ميادين العلم والمعرفة، لقد أثرت البيئة الدينية الثقافية في نشأته، وساهمت في تحفيز وتشكيل وعيه المبكر بأكثر فنون المعرفة والبحث الرصين، حيث أظهر، منذ سنواته الأولى، شغفاً بالقراءة والاطلاع في مختلف المجالات، مما أهّله لاحقاً ليصبح شخصية موسوعية تجمع بين تخصصات متنوعة. كان والده يحثه على حفظ الشعر العربي بمختلف أصنافه ومراحله، كشعر المتنبي والشريف الرضي وغيرهم من شعراء العصور القديمة والمعاصرة. وقد تعززت ثقته بنفسه من خلال حضوره ومشاركته في الندوات الأدبية الخاصة التي انتشرت في النجف أواسط الستينات.
وقد أفرد الأُستاذ الطريحي، في المجلد الأول، حيزاً كبيراً لسيرة والد د. إبراهيم العلامة الشيخ عبد الزهرة العاتي، الذي كان متألقاً في مجالات الأدب والعلوم الدينية والشعر الملتزم. وعندما انتُدب الشيخ العاتي من التعليم وعين مديراً للمكتبة العامة في النجف عام 1960، تهيأت فرصة ثمينة إلى إبراهيم العاتي ليتبحر في عالم المعرفة ويطلع على الكثير من الكتب والدوريات والمجلات القديمة والجديدة التي عززت من إهتمامه بالدراسات الفلسفية وكتب الفكر الإسلامي، جنباً إلى جنب من إهتماماته الأدبية.
وتضمن المجلد الأول مقدمة الموسوعة ولمحات من سيرة الدكتور إبراهيم العاتي، ومراحل التعليم الجامعي والدراسات العليا، وتأثير الأساتذة والمدارس الفكرية المختلفة في تشكيل منهجه العلمي. وكذلك ترحاله للدراسة والتدريس في سوريا، مصر، الجزائر، ليبيا، وبريطانيا. شهدت تلك المحطات إنتاجه الغزير وتألقه في مجالات المعرفة الإنسانية، فتمكن من وضع بصمات مؤثرة في مجال الفلسفة بوصفها فعلاً نقدياً وسؤالاً مفتوحاً، فتميزت كتاباته الفلسفية بقدرتها على الجمع بين العمق النظري والوضوح القريب من هموم الإنسان واسئلته الكبرى بعيداً عن التعقيد.
تناول المجلد مجموعة كبيرة من بحوث د. إبراهيم في المرجعية والتعليم الديني عند الشيعة الإمامية ومشكلات التعليم الديني ومشاريع الإصلاح، ومواضيع متنوعة تعكس العمق المعرفي حول: الوجود والإنسان عند محي الدين ابن عربي، والأخلاق الإسلامية ودورها في حياتنا المعاصرة، ودور الفكر الفلسفي في مواجهة النطرف، والمرأة المسلمة في الغرب بين مشكلات الهوية ومقتضيات الحقوق والواجبات، ورحلة الحضارة من المشرق إلى المغرب. وتطرق إلى الثقافة العراقية وآفاق المستقبل وما رافقها من اشكالات مؤكداً على أن الثقافة العراقية ليست أمراً طارئاً أفرزته ظروف العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب في العصر الحديث، وإنما هي قديمة تنتمي إلى حضارات قديمة كالسومرية والبابلية والآشورية وما تلاها. وعلق على بدايات تأسيس الحكم الوطني في العراق سنة 1921، وتجربة الحكم الملكي ومساحة الحرية التي لم تتوفر في الجمهوريات العسكرية التي حملت شعارات الوطنية ومكافحة الاستعمار.
وتضمن المجلد الأول عرض لكتاب من مؤلفات العاتي بعنوان: (أحمد الصافي النجفي - غربة الروح ووهج الإبداع)، الذي تعرف عليه بدمشق، وكان يقضي أغلب أوقاته معه في المقاهي الدمشقية، التي كانت بمثابة بيته الحقيقي الذي يلتقي فيه كل محبيه من الأصدقاء والأُدباء والشعراء. تمكن العاتي من الإطلاع على تجربته الشعرية وعالمه الفني المتعدد الجوانب والأغراض، وخصص له هذا الكتاب كثمرة من ثمار معرفته الشخصية المباشرة بالشاعر، حيث جسد فيه خلاصة تجربة فكرية تقاطعت فيها المعرفة الأكاديمية مع الحسّ التحليلي العميق في فضاء البحث الرصين الذي يسعى إلى مساءلة المفاهيم وإعادة بناء الرؤى وفق منهجية تجمع بين التأصيل النظري والانفتاح على الأسئلة المعاصرة. تناول فيه مواضيع متعددة تتعلق بفلسفة الصافي النجفي والمزايا الفنية والجمالية في شعره.
كان حضور بعض الشخصيات الدينية أمثال الشهيد السيد محمد باقر الصدر وغيره من وجهاء النجف من الرموز الدينية والثقافية له الأثر الهام في توجهات العاتي المستقبلية، حيث جذبت انتباهه واهتمامه كتب الفلسفة. وبعد اقامته في دمشق وحصوله على شهادة الليسانس في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، ومن بعدها سافر إلى القاهرة التي أكمل فيها دراسته العليا، تلك المحطات فتحت له آفاق التعرف على عدد من الأدباء المثقفين والمفكرين الكبار الذين تأثر بهم وبنتاجهم الفكري المتنوع، فتوسعت آفاق المعرفة لديه بقراءة المزيد من الكتب الأدبية والتاريخية والدينية والاجتماعية والسياسية ومختلف صنوف الثقافة الأُخرى من الدوريات والمجلات والصحف التي أكسبته صفة المثقف الموسوعي.
إمتاز د. إبراهيم العاتي بملكة الحفظ وسعة المعارف والانفتاح على الآخر المختلف وبقدرته على تجاوز الحدود التقليدية، فاستطاع إعادة الاعتبار إلى المثقف الموسوعي في زمن التخصصات الضيقة، فالفلسفة لديه ليست مجرد تنظيرٍ جامد، بل تجربة إنسانية راقية تتجلى في لغته الشعرية ورؤيته الأدبية، لا يكتفي بتحليل الأفكار، بل يعيد صياغتها في قوالب جمالية تمنح المتلقي متعة عقلية ووجدانية في آنٍ واحد، بحيث تعكس أنماط التفاعل مع التحولات التاريخية والفكرية.
عُرِف عنه بعمق قراءاته واتساع افقه المعرفي، استلهم روافد معرفته من التراث الفلسفي القديم والحديث على حد سواء، تمكن من الخوض في طرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والمعنى والإنسان بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والأبعاد الإنسانية. ففي شعره، تتداخل الصور البلاغية مع المفاهيم الفلسفية، لتحول قصائده إلى فضاءٍ للتأمل، بحيث تصبح الكلمة بكل أبعادها التعبيرية في نتاجه الإبداعي جسراً بين العقل والقلب، بين التراث والحداثة، وبين النقد الصارم والخيال الخلّاق. استلهم من الفلسفة أفقها التأملي، ومن الشعر طاقته التعبيرية، ليقدّم خطاباً ثقافياً معاصراً يجمع بين العمق والوضوح، وبين الرصانة والابتكار.
برز العاتي في الحقل الأكاديمي، فأصبح مثالاً للباحث الجاد الذي يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، لا يكتفي بتلقين المعرفة، حضوره العلمي مقرونٌ بتواضعٍ فكري وشغفٍ أصيل، مما يجعله مصدر إلهامٍ لمن يقترب من عالمه الفكري. يرى بأن التعليم رسالة تتجاوز حدود القاعات الدراسية، أسهم في إلهام طلابه وزملائه، ليس فقط بما يمتلكه من علم، بل بما يتحلى به من سمو التواضع الفكري وشغف الإندفاع الدائم في إروقة البحث واكتشاف الحقائق، مؤمناً بأن الفلسفة ليست أجوبة نهائية، بل رحلة دائمة نحو الفهم.
ليس حضوره مجرد تراكم معرفي أو إنتاجٍ علمي، بل هو تجربة فكرية متفردة تنبض بالأسئلة الكبرى، وتتحرك في فضاءات التأمل العميق، ففي كتاباته الفلسفية، لامس جوهر القضايا الوجودية والإنسانية بلغةٍ دقيقةٍ رصينة، تحترم العقل وتستفزّه في آنٍ واحد. أما في شعره وأدبه، فتتحول الفكرة إلى إيقاع، ويتحوّل المفهوم إلى صورٍ جمالية، حيث تمتزج وتتلاقى اللغة مع الرؤية في تناغمٍ نادر.
فالحديث عن شخصية د. إبراهيم العاتي هو حديث عن توازنٍ نادر بين العقلانية وبين المنهجية الأكاديمية وحرية الإبداع. فهو شاهدٌ على أن الفلسفة يمكن أن تُكتب بروح الشعر، وأن الشعر يمكن أن يُقرأ بعين الفيلسوف؛ وأن المثقف الحقيقي هو من يحوّل المعرفة إلى أثرٍ حيٍّ في الوعي الإنساني. فتجربته رائدة تمثل نموذجاً متفرداً للمثقف الذي تمكن من خلق روحية التوازن بين الصرامة العلمية والحسّ الإبداعي، منح الفلسفة روحاً شعرية، ومنح الشعر عمقاً فلسفياً، وجعل من الكلمة حين تتكئ على الحكمة تصبح قادرة على إضاءة العقول وإثراء الأرواح.
تكمن أهمية هذه السيرة في كونها وثيقة تاريخية في مجلدين عملاً موسوعياً يجمع بين العمق العلمي والأسلوب الأدبي، ويقدم نموذجاً لكيفية توثيق حياة الأكاديمي بوصفها رحلة معرفية وإنسانية متكاملة. فهي لا تسرد مسيرة فرد فحسب، بل تعكس أيضاً تحولات الفكر والمجتمع عبر عقود من البحث والإبداع، وتعكس تطور الحياة الأكاديمية والثقافية خلال فترة زمنية طويلة، كما تُعد مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بأكثر مجالات المعرفة الإنسانية، لما تتضمنه من شهادات لشخصيات أكاديمية معروفة ومتميزة، أمثال د. إبراهيم بحر العلوم، د. عبدالجبار الرفاعي، د. قيس العزاوي، د. محمد ياسين الشكري، والأُستاذ علي المؤمن، الذين أشادوا بمكانة العاتي الاجتماعية والأدبية والفلسفية والمعرفية وبما قدم من إبداع فكري بمختلف المجالات من خلال بحوثه الرصينة التي تضمنت تحليلات نقدية لكثير من التجارب الحياتية. وقد كُتب الكثير عن كتب العاتي من بعض الباحثيين الأكاديميين أمثال د. رشيد الخيُّون، والأُستاذ عدنان حسين أحمد، والأُستاذ أحمد بهجت، ود. نضير الخزرجي.
اعتمدت سيرة د. إبراهيم العاتي، في المجلدين، على مصادر متعددة، منها الوثائق الشخصية والمراسلات العلمية والشهادات المعاصرة، مما منحها بعداً علمياً دقيقاً بحيث تكون مرجعاً للباحثين في تاريخ الفكر والمؤسسات الأكاديمية.
***
د. عبد الحسين صالح الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا






