عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

قاسم المحبشي: المشي والفلسفة مع مدني صالح.. ذكريات لا تنسى

(آش لونها بغداد؟ أجابني: سقطت والحياة مستمرة)

التحضير لندوة مدني صالح فيلسوف العراق المتميز المزمع انعقادها مساء اليوم الموافق 3 يونيو 2026م في منبر حوار التنوير جعلني أستعيد الكثير من الذكريات والمواقف مع الاستاذ مدني ومنها: بتاريخ 23 سبتمبر ٢٠٠٤م ناقشت أطروحة الدكتوراه الموسومة؛ فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر؛ ارنولد توينبي موضوعًا) بإشراف الأستاذ الراحل مدني صالح في قسم الفلسفة بكلية آداب جامعة بغداد باب المعظم. ناقشتها بعد قرابة عام من الحرب والاجتياح الشامل للعراق في ظروف بالغة القسوة والتردي العربي العام.

اتذكر أنني اتصل بالاستاذ مدني من دمشق اتصلت بالأستاذ المشرف مدني صالح وتلك كانت المرة الوحيدة التي كلمني بها عبر الهاتف الأرضي بعد السلام والتحية قال قال لي: شلونك قاسم؟ هل إنجزت الأطروحة؟ قلت له: كيف الوضع في بغداد قال لي سقطت والحياة مستمرة؟ تعال ناقش اطروحتك. كانت هذه المكالمة أشبه بنجدة من السماء وهي التي جعلتني اتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، إذ قررت العودة إلى بغداد وأخبرت زملائي بقراري وفي غضون ثلاثة أيام حزمت أمتعتي وركبت على بغداد البعيدة.

قطعت تذكرة على باص شركة براق الصحراء. صعدت في مقعد قريب من السائق. كانت النقاشات بين الركاب محتدمة طوال مدة الرحلة عن علي ومعاوية والحسن والحسين والمهدي المنتظر وأهل العترة وآل البيات وسقوط نظام صدام واشياء واشياء كثيرة أخرى. كنت الصامت الوحيد في تلك الجلبة وحاولت أخفي هويتي. ولكن الشخص القاعد بجانبي سألني في منتصف تلك الليلة الظليمة من أين أنت يا معود؟ قلت له: من اليمن. رد يا هلا بأهل اليمن؛ أنتم أرق قلوب وآلين أفئدة! وأضاف المهدي المنتظر سوف يطلع من اليمن! هو الحوثي عجّل الله فرجه! أحسست بحالة من الحصار والاختناق وتلعثمت ولا ادري ماذا اقول له؟. قال لي: اش بيك معود ما تحكي.. أنت من اتباع علي أو معاوية؟ قلت له: علي ومعاوية من قريش وأنا من اليمن لا دخل لي بصراعاتهم .. وسألته؛ متى نصل بغداد؟ محاولا أن اتجاوز هذه الموقف الملغوم رد عليّ؛ بعد المسافة طويلة.. ربما قطعنا نصف الطريق. بتلك الحيلة الاستفهامية البريئة حولت مجرى الحدث من القرن الأول الهجري إلى اللحظة الراهنة. استجابة محدثي فتحت لي الباب للحدث عن العراق وعن تاريخ العراق العظيم منذ جلجامش وعشتار وأنت طالع.. حاولت أن اوصل له رسالة بأنني لست مهتم بالدين والسياسة.. فهمها وصمت. بعد ٢٤ ساعة من السفر ببراق الصحراء وصلنا بغداد المدمرة. كان شارع السعدون مظلما والمدينة موحشة.

من الذكريات مع الاستاذ مدني انه سألني قبل موعد المناقشة بثلاثة أيام. كنت امشي بجانبه من باب قسم الفلسفة حتى بوابة الكلية الخارجية على الشارع العام قال بصوته الهامس : ها هي هانت ! اين ساكن قاسم؟ قلت له في شارع حيفا: توقف عن السير فجاء والتفت الي؛ ايش بيك مخبل! شارع حيفا خطر.. اطلع حالا من شارع حيفأ إذا اردت مناقشة أطروحتك في موعدها. ودعته ومضيت . كان ذلك اليوم سبتا الموافق 20 سبتمبر 2003م وصلت الى ساحة الطلائع في شارع حيفاء، بالكرخ، تمام الساعة الواحدة والنصف، بدت لي الساحة مقفرة، خالية من السيارات والمارة، على غير العادة. أحسست بحالة من القلق والتوجس بأمر ما وشيك الحدوث! لم أجد نزار العاني في بقالته، ذهبت وطرقت باب منزله فتح لي وصرخ في وجهي مستغربا؛ ايش بيك معود تجي هسا.. مو شايف الشارع خالي من الحركة، الأمريكان جايين بعد قليل. قلته له ارجوك أن محتاج مصاري ضروري عندي مناقشة بعد غدا الثلاثاء. صمت لبرهة واسرع يجري تجاه الدكان في زاوية ساحة الطلائع على الشارع مباشرة. انطلقت بعده فرحاً. فتح الكشك بلمح البصر واخرج لي الأمانة ثلاثمائة دولار فقط، كل راسمالي حينذاك. مدها لي بسرعة وقال لي:: اختفي بسرعة .. الكلاب وصلوا! واختفي ولم اراه بعد ذلك ابدا. التفتت الى خلفي وشاهدت أربع مدرعات جند وأربع دبابات إمريكية عملاقة فإذا باصوات الرصاص والقناصات تنهمر عليها من كل مكان من العمارات الهولندية المحيطة .لا ادري كيف وجدت نفسي ادلف بوابة أحد العمارات، حيث كان بعض السوريين البعثيين يسكنون، دخلت ووجدت رجل سوري في الستين من عمره. قلت له اريد احتمي من نيران المعركة.كان رده قاسياً ولن أنساه ما حييت! قال لي بوجه نحاسي ممنوع الدخول هنا.خرجت مسرعا وذهبت الى العمارة المجاورة، دخلتها ولم أجد احد هناك. كانت أصوات القذائف تقترب من مكان مخبئي نزلت البردوم وإذا بشظية تأتيني من كوة صغيرة في جداره. طلعت منه محاولا البحث عن أحد يؤنسني، صعدت درجات العمارة حتى الدور الثالث وافترشت ارضية أحد الدرجات. فإذا بشلال من الماء يتدفق علي من الطوابق العليا، حيث إصابت القذائف خزانات الماء في سطح العمارة. بعد نصف ساعة سمعت صوت امرأة صاعدة من الطابق الأول، سيدة في الخامسة والعشرين من عمرها تحمل طفلة صغيرة هي ابنتها. كانت تصرخ وتبكي من شدة الخوف والفزع حينما رأتني، كفت عن الصراخ.

جلست بالقرب مني وتعارفنا ؛ اسمها كريمة واسم طفلتها أمل هي زوجة حارس العمارة الذي خرج قبل مجيء القوة الأمريكية لزيارة أحد أقاربه.. استبشرت خيرا من اسمها وأسم طفلتها أمل وكان كل ما يشغل بالي هو كيف انجو من الموت بعيدا عن أهلي لاسيما وقد شاهدت الكثير من القتلى مجهولي الهوية ملقي بهم في شوارع بغداد وربما اكلت جثثهم الكلاب! عرفتها بنفسي، طالب دكتوراه في جامعة بغداد كلية الآداب باب المعظم من اليمن.. وحينما سمعت أسم اليمن صرخة مولولة باللهجة العراقية : ياويلي ياويلي ومن اليمن يا معود! شنو اللي جابك بهذه الوكت! الأمريكان يبحثون على الأجانب هنا في شارع حيفاء، لو علموا بوجودك انتهيت! أفزعني كلامها ولكني لم اظهر لها مدى فزعي. قلت لها؛ هم يبحثون عن الصغار بالسن الشباب الخطرين.. الذين يقولون عنهم إرهابيين وقد سبق وأنا داهموا شقتنه في ليلة حصار الكرخ وتمشيطها قبل أيام واعتذروا لنا حينما لم يجدوا فينا ما يبحثون عنه. حاولت اهدي من روعها وأتمنى من الله أن تعدي هذي الأزمة بسلام، بعد ثلاث ساعات بدأت تهدى المعركة وتنفست الصعداء فإذا بكريمة تسمع صوت زوجها يناديها من أسفل... فرحت وقالت: باللكنة العراقية هاهي خلصت المعركة .. راجالي جاء .. أكيد انسحبت القوات. نزلت معها وصافحته وشكرته وأخذت رقم هاتفه وتوادعنا على أن نتواصل.. كنت ساكنا على بعد نصف كم٢ في وسط الشارع حيفاء العمارات الهولندية ذات الخمسة عشر طابقا. أخذت سيارة كيه واتفقت معه بان يأخذني الى الوزيرية شقة زميلي الدكتور عادل عوض الطاهر من السودان الشقيقة. الوزيرية وضعها الأمني أفضل من شارعنا الذي لم تهدى فيه المعارك طول مدة مكوثنا فيه .كان موعد مناقشتي بعد يومين، وكان الدرس الذي تعلمته من ساحة الطلائع شديد الأثر في نفسي، إذ بتحفيز منه وعلى عجل من أمري حزمت ما استطعت من أمتعتي وركبت السيارة الى الوزيرية، وكان افضل قرار اتخذته إذ تم إغلاق الشارع بعد أن تحركت سيارتنا مباشرة. والحكاية بقية. وليس هناك ما هو أخطر من سقوط الدول وموسساتها العامة في مجتمع معلول بالأمراض الطائفية المزمنة.

ويعد مدني صالح من المشائين ليس من باب تقليد أرسطو بل من تجربة الحياة الشخصية

وكل من عرف مدني صالح أو رافقه يعرف عن ماذا اتحدث. كتب طه جزاع " كان مدني صالح، في حضوره اليومي، أقرب إلى نصّ يمشي على قدمين. تراه عابراً مقبرة الإنكليز بين أكاديمية الفنون وكلية الآداب، مسرعاً، صامتاً، خافض البصر، متأبطاً جريدة مطوية حتى تبدو بحجم علبة سكائر. وقد يواصل طريقه من الوزيرية إلى شارع المغرب، فالأعظمية، فجسر الأئمة، ثم إلى الكاظمية، ومنها إلى الغزالية، كأنه في رحلة يومية بين الفلسفة والمدينة، بين التأمل والزحام، بين الصمت والضجيج ومن مفارقات حياته أنه ترك سيارته المرسيدس موديل 1975 في مأرب بيته حتى نبتت الحشائش تحتها وتسللت إلى محركها ومقاعدها، لأنه قرر فجأة، في سنوات الحصار، أنه لم يعد يقود سيارة، بل " يسوق سكراباً ". وهذه ليست حادثة طريفة فحسب، بل مفتاح من مفاتيح شخصيته : رجل قادر على أن يهجر الشيء حين يتحول من وسيلة كرامة إلى عبء رمزي، ومن أداة استعمال إلى علامة زائفة"

بالنسبة لي على مدى اربعة سنوات أمضيتها في بغداد لم ارى الاستاذ مدني إلا ماشيا كنا (عادل الطاهر، ومحمد فاضل وطارق خميس وأنا) نطلع من القسم بصحبته حتى جراج باب المعظم وهناك تفرق كتب علي حسين " يقال دائما ان الفلسفة ولدت مع المشي، وان فعل التفلسف يتوافق مع التأمل، وكان الراحل مدني صالح يحب ثلاثة اشياء " المشي مسافات طويلة.. والصمت الطويل.. والصيام بلا انقطاع عن الطعام مدة أيام طويلة"

وحينا قرأت كتاب (المشي فلسفة للفرنسي فريدريك غرو تذكرت تلك الأيام المدنية الحانية فالمشي ليس رياضة جسدية، بل تحرر من الأشياء ومن الأدوار والهويات الزائفة. المشي يخفف ثقل العالم عن الروح، ويمنح الإنسان فرصة للإنصات إلى ذاته وإلى الزمن . مدني صالح جسد هذه الفكرة على نحو نادر إذ بدى لي كأن الكتاب لم يكن يتحدث عن نيتشه أو روسو أو كانط أو رامبو، بل عن ذلك الأستاذ العراقي النحيل الذي كان يعبر شوارع بغداد الطويلة صامتًا، متأبطًا جريدة مطوية، وماضيًا في طريقه كما لو أنه يحاور العالم بصمته إذ لم يكن المشي عنده استراحة من التفكير، بل كان شكلًا من أشكال التفكير ذاته.

واليوم، بعد أكثر من عقدين على تلك الأيام العصيبة، أستعيد صورة أستاذي الراحل وهو يمضي في شوارع بغداد بخطواته الهادئة. أراه يعبر المدينة التي أنهكتها الحروب، لكنه لا يتوقف عن المشي. وكأن فلسفته كلها كانت تختصر في هذه الحركة البسيطة: أن تواصل السير مهما سقطت المدن، ومهما تبدلت الأزمنة.

«سقطت… والحياة مستمرة».

كانت تلك الجملة التي قالها لي ذات يوم عبر الهاتف أكثر من وصف لحال بغداد. كانت خلاصة فلسفة كاملة في الحياة.

فلسفة رجل عرف أن المدن قد تسقط، والدول قد تنهار، والأفكار قد تتبدل، لكن الإنسان يظل مطالبًا بأن يواصل السير. فالمشي، في أعمق معانيه، ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل إصرارٌ على المضي في الوجود نفسه. وحين تتهاوى المدن وتتعثر الحضارات، يبقى الإنسان بخطوته التالية شاهدًا على أن الحياة لم تستسلم بعد. لذلك لم تكن حكمة مدني صالح أن يتأمل الخراب، بل أن يعبره؛ وأن يثبت، بخطواته الهادئة، أن معنى الإنسان لا يُقاس بما يسقط حوله، بل بقدرته الدائمة على مواصلة الطريق.

***

ا. د. قاسم المحبشي