تأتي اللحظة بلا استئذان.. ودون أن تدري لماذا تأخرت كل هذا الوقت. تكتشف فجأة أن البطل الذي ظللت تبحث عنه بين صفحات الكتب والروايات لم يكن هناك قط. كان يسير على الرصيف المقابل طوال الوقت. أو كان يجلس في المقهى نفسه كل صباح، يشرب قهوته في صمت، ثم يدفع ثمن الخبز ويمضي.
هذا هو الشعور الغريب الذي ينتابك حين تدرك، في ومضة عابرة، أن الأشخاص الاستثنائيين حقاً هم أولئك الذين ينسحبون من المشهد بهدوء مخيف، تاركين خلفهم أثراً يأبى أن يمحوه الزمن.
هكذا هو الكاتب الصحفي.. الشاعر.. الإنسان محمد حربي، كما عرفته .
بينما يفيض عالمنا بالأدعياء.. وصار لقب (مثقف) عباءة فضفاضة يرتديها كل من أجاد فن الثرثرة فوق الكتب دون أن يكلف نفسه عناء فتحها.. وباتت الصحافة حرفة من لا حرفة له، كما تساقطت القصائد كلمات مبعثرة على شاشات لا يتجاوز عمرها عمر فراشة ربيعية.. في هذا العالم بالتحديد، تقف أمام محمد حربي وكأنك تكتشف كائنا حياً ينتمي إلى عصر انقرض منذ زمن طويل. يمشي بيننا.. ولا نراه.
هناك سؤال يلح عليك كلما أعدت قراءة سيرته، سؤال يبدو بسيطاً لكنه زلق كقطعة صابون في حوض استحمام كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع بين نقيضين دون أن يسقط في فخ الحلول الوسطى التي تقتل الروح ببطء؟!
تسمع أن الصحافة مهنة قاسية. طاحونة لا تعرف معنى الرحمة، تمضغ الوقت وتلفظه، تبتلع المشاعر ثم تتجشأها، تطحن الأحلام كأنها بودرة ناعمة تذروها الرياح. وأن الصحفي كائن يعيش في سباق محموم مع الزمن، يطارد الخبر كما يطارد صياد جائع فريسته في غابة موحشة آخر الليل. لا وقت للتأمل هنا.. لا متسع لانتظار الإلهام المتقلب المزاج. الخبر لا ينتظر أحداً، والتقرير يجب أن يصل قبل أن يولد الخبر نفسه، والقارئ -ذلك المخلوق النهم- يريد المعلومة عارية من كل زخرفة، عارية تماماً.
أما الشعر؟ .. الشعر يا عزيزي شيء آخر تماماً.
الشعر هو ذلك الفعل الفريد الذي يبطئ الزمن في عصر السرعة اللعينة. هو الكيمياء السحرية التي تصنع من الألم نغما حزينا، وتجعل الصمت لغة مفهومة، والغياب حضورا لا يغيب أبداً.
الشاعر يكتب لأن ثمة شيئاً يحترق في أعماقه ولا يطفئه غير الكلمات. يحتاج إلى عزلة الراهب في مغارته، إلى تأمل الحكيم فوق جبله، إلى ذلك الفراغ المثقل بالصمت حيث تولد القصائد كما تولد النجوم في أحشاء الكون المظلمة.
فكيف لفرد واحد -مسكين وضعيف- أن يحمل هذين العالمين المتناقضين في صدره الواحد دون أن ينقسم على ذاته انقساماً مميتاً؟
ربما كان الجواب كامناً في كلماته التي كان يرددها كتعويذة: (أنا من تراب يهم بالكلام، لكن النار تفرض سطوة الدخان.)
لقد كان يعرف.. اللعنة كان يعرف منذ البداية أن الكلمات -سواء ولدت خبراً عاجلاً في صحيفة صفراء أو قصيدة خالدة في ديوان- تنبع كلها من نبع واحد هو الرغبة العارمة المحمومة في فهم هذا العالم الملتبس، في الإمساك بمعنى يهرب من بين أصابعك كما يهرب الماء، في ترك أثر ما قبل أن يبتلعنا الدخان فلا يبقى منا شيء.
الصحفي يسأل سؤالاً واحداً بائساً ماذا جرى؟ أما الشاعر فيسأل سؤالاً آخر أكثر بؤساً ما معنى ما جرى؟!
ومحمد حربي.. كان يسأل السؤالين بصوت واحد متماسك، دون أن يصاب بتمزق الروح الذي يصيب أمثالك. أليس هذا ضرباً من ضروب المعجزة الصغيرة في زمن انقرضت فيه المعجزات؟!
في قلب العاصفة
تصور نفسك تقف هناك.. في واحدة من أعرق المؤسسات الصحفية في الشرق الأوسط. مبنى (الأهرام).. ذلك الصرح الشامخ الذي تختلط فيه رائحة الورق العتيق بعرق العمال وصرخات الحاضر المتوترة. أنت شاب يافع، تحمل فكراً لا يعرف الخوف بعد، تؤمن -يا للسذاجة- بأن الصحافة رسالة تكاد تكون صلاة!.
ثم تأتي اللحظة المؤلمة.. لحظة الانكشاف المرير. عندما تكتشف أن المؤسسة -أي مؤسسة- لها قانونها الخاص الذي لا علاقة له بالعدالة أو المنطق. قانون لا يعترف بالحقيقة ولا بالجرأة ولا بالإبداع ولا بأي من هذه الشعارات البراقة التي يرددونها في احتفالات التخرج. إنه قانون البقاء فحسب. لعبة المصالح المعقدة، حسابات الربح والخسارة الباردة. تجد نفسك فجأة أمام خيارين أحلاهما مر كالعلقم، إما أن ترضخ وتذوب في القطيع مثل قطعة سكر في فنجان شاي، وإما أن تقول (لا) وتتحمل كل التبعات التي ستأتي!.
محمد حربي اختار أن يقول (لا).
رفض أن ينشر رسوماً لرسام صهيوني (مع رفيق دربه الفنان والرسام المصري أنس الديب). ليس عداء أعمى لحرية التعبير كما زعموا، بل لأنه كان يعرف في أعماقه -في تلك المنطقة المعتمة من الروح حيث تسكن القيم النقية-أن ثمة حدوداً أخلاقية لا يجوز تجاوزها أبداً. وأن ثمة قضايا لا تقبل المساومة ولا تحتمل أنصاف الحلول. فجاء العقاب سريعاً.. بارداً.. كالنصل في خاصرة الليل؛ اتهامات بالتطرف، تهميش ممنهج، مطاردة ناعمة تدفعك دفعاً إلى الهامش حيث لا يراك أحد.
وهنا.. في هذه اللحظة الحرجة بالذات.. ينكشف المعدن النادر للمثقف الأصيل كما ينكشف الذهب في النار. المثقف الزائف -وقد رأينا منهم ما يكفي لإغراق سفينة- يستسلم فوراً. يساوم على مبادئه كأنه يساوم على سجادة قديمة في سوق الجمعة. يقنع نفسه الضائعة المسكينة بأن الخضوع حكمة، وأن الانحناء مرونة، والصمت فهم عميق للواقع. أما المثقف الضمير الحي، مثل محمد حربي، فيفعل النقيض تماماً؛ يغادر. بكل بساطة. يغادر.
لم يكن المنفى الاختياري إلى الخليج هروباً من المواجهة كما قد يظن السطحيون. كان شكلاً آخر من أشكال المقاومة الصامتة. كان يقول بلسان الحال -دون كلمة واحدة-: إذا كانت المؤسسة لا تتسع لضميري، فسأصنع عالمي الخاص. إذا كانت الصحافة تخون نفسها، فالشعر باق. الشعر لا يخون.
ولادة الشاعر
ثمة حقيقة قاسية يعرفها كل من جرب الكتابة الفاعلة الواضحة، حقيقة مرة كالدواء؛ أن الألم هو المادة الخام للإبداع. ليس معنى هذا أن المبدعين مازوشيون يعشقون العذاب -حاشا لله- لكنهم يدركون، بغريزة لا تخطئ كغريزة الطيور المهاجرة، أن في المعاناة.. في الغربة.. في الفقد.. تكمن شرارة الخلق الأولى. وكأن الروح، حين تسلب كل شيء، أو حين تجرد من كل زينة، لا يتبقى لها غير الكلمات تنوح بها في الظلام.
في منفاه الخليجي المؤقت، بعيداً عن صخب القاهرة المجنون وضجيجها الذي يصم الآذان، بدأ محمد حربي يكتب شعره المطبوع . شعراً لا يساوم.. لا يجامل.. لا يبحث عن استحسان أحد. شعراً يخرج من قلب العتمة كما تخرج النبتة الخضراء اليانعة من تحت الركام والدمار.
(سبعة عشر عاماً لاصطياد غيمة)
تأمل هذا العنوان جيداً.. أرجوك. سبعة عشر عاماً كاملة من العمر! كل هذا العمر لاصطياد شيء بهذه الهشاشة.. بهذا الزوال.. بهذا الجمال المستحيل الذي لا يمسك أبداً. أليس هذا هو التعريف الدقيق للشاعر؟ ذلك الكائن الغريب الأطوار الذي ينفق عمره كله بحثاً عن لحظة جمال عابرة، عن ومضة معنى في بحر من العبث اللامتناهي؟
ثم جاءت دواوينه تباعاً: "الرمل إذا غوى"، و"يوميات شيطان متقاعد". في هذا الديوان الأخير، يبلغ محمد حربي ذروته الفنية والفلسفية. إنه الشيطان الذي تقاعد عن الشر.. ليس لأنه تاب أو اهتدى أو وجد النور، بل لأن شرور العالم صارت أضخم وأبشع من قدرته على المجاراة! إنه الشيطان الذي اختار أن يكون شيطاناً على طريقته الخاصة، أن يحرق بالأسئلة لا بالنار، ويضيء بالمعنى لا بالشرر.
أليس هذا هو حال المثقف المصري في زماننا الرديء؟ شيطان متقاعد، ينظر إلى ما حوله نظرة يملأها العجب، فلا يجد مساحة لشره الخاص، لأن شرور العالم صارت أكثر تفاهة، أكثر سطحية، أكثر خواء من أي معنى يمكن تخيله؟
بإمكاننا هنا أن نتوقف قليلاً عند علاقته الملتبسة بالشاعر محمد عفيفي مطر. كان عفيفي مطر أستاذاً.. قامة شامخة في الشعر العربي الحديث.. شاعراً يكتب بالفكر المشتعل، يبني القصيدة كما يبنى المعبد القديم، بهندسة متقنة وفلسفة عميقة. وكان مثل أغلب جيله، لا يثق بقصيدة النثر.. ربما رآها خروجاً على النظام المقدس، تمرداً على الوزن والقافية دون مبرر كاف.
وحربي.. التلميذ النجيب.. كان يكتب قصيدة النثر في الخفاء. في السر التام.
تخيل هذا المشهد في رأسك؛ شاب يخفي قصائده عن أستاذه كما يخفي الابن المراهق سجائره عن أبيه المتزمت. ليس خوفاً من العقاب المادي، بل شيئاً أعمق وأشد إيلاماً؛ خوف من أن يخذل من أحب، خوف من أن يخون إرثاً يقدسه ويضعه في أعلى عليين.
لكن.. هل كان عفيفي مطر على حق في رفضه المبدئي؟ أم أن محمد حربي كان على حق في تبنيه الجريء؟
ربما، إذا تأملنا الأمر من منظور التاريخ الطويل، سنجد أن هذه المعارك الدامية بين الأجيال هي قدر الإبداع ذاته. جيل يبني صرحاً شامخاً بعرق الجبين، وجيل آخر يهدمه حجراً حجراً ليبني غيره. جيل يؤمن بالشكل إيماناً مطلقاً، وجيل يؤمن بالمضمون وحده.
لكن الغريب حقاً أن كليهما -مطر وحربي- كانا يبحثان عن الشيء نفسه في النهاية، يبحثان عن القصيدة التي تحمل معنى يستحق العناء، وعن الشعر الذي يقاوم القبح في العالم، والكلمة التي ترفض أن تكون مجرد زخرف أجوف. الاختلاف كان في الوسيلة لا في الغاية. وهذا ما يجعل العلاقة بينهما مأساوية بحق؛ فهما جنديان في خندق واحد، يخوضان الحرب نفسها ضد العدو نفسه، لكن كلاً منهما يحمل سلاحاً مختلفاً تماماً.
ثمن الحقيقة
دعنا نتوقف لحظة ونسأل السؤال الصعب.. السؤال الذي يزعجك في الثالثة صباحاً وهو لماذا نشعر بإعجاب غامض نحو المثقفين الذين يقولون (لا)؟! ولماذا تنتابنا نشوة سرية مخجلة حين نقرأ عن مفكر خسر وظيفته بسبب موقف، أو شاعر رفض التطبيع، أو كاتب اختار المنفى ومرارة الغربة؟!
ربما لأننا، في أعماقنا المظلمة، نعرف الحقيقة البشعة، أن معظمنا لا يملك هذه الشجاعة، أن معظمنا يساوم كل يوم. يبرر. يجد الأعذار الواهية. أو يقبل بالوظيفة المريحة ويقنع نفسه بأنه "سيغير النظام من الداخل" -يا للكذبة السمجة- ثم يموت قبل أن يغير شيئاً. معظمنا يختار السلامة والعافية، ثم يشعر بوخز الضمير المؤلم في منتصف الليل، ثم يخفي هذا الوخز خلف إعجاب سري بمن كانوا أكثر شجاعة منا.
نشر محمد حربي صورة الشهيد (الحسيني أبو ضيف) تحت عنوان بسيط وقاتل: (الحسيني قال لا). كانت هذه هي القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير. تمت إقالته فوراً. بلا إنذار. بلا مقدمات. وظيفة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة للوظائف التي خسرها بسبب مواقفه.
فهل كان محمد حربي يبحث عن الشهادة؟ هل كان يريد أن يكون بطلاً تراجيدياً؟
لا أظن ذلك أبداً. الذي أفهمه من مواقفه ومشواره الصحفي والإنساني أنه كان، بكل بساطة، رجلاً لا يستطيع أن يفعل غير ما فعل. كان صادقاً مع نفسه إلى حد الأذى، إلى حد تدمير الذات. لم يكن يملك موهبة النفاق -تلك الموهبة الأساسية التي لا يمكنك بدونها أن تبقى طويلاً في أي مكان في هذا البلد. وهنا تكمن المفارقة الموجعة حقاً،لأن أولئك الذين لا يملكون موهبة النفاق، ينتهي بهم المطاف غالباً إما في المنفى، أو في الفقر المدقع، أو في النسيان التام. وربما في الثلاثة مجتمعة دفعة واحدة.
أين هم المثقفون اليوم؟
لننتقل الآن إلى سؤال يفرض نفسه كاللعنة أين نجد مثقفين من طراز محمد حربي في أيامنا هذه المنحطة؟
علينا أن نواجه الواقع المر وجهاً لوجه، دون مواربة لقد تغير العالم يا صديقي. تغير بشكل جذري مرعب. كما تغيرت شروط الإنتاج الثقافي من الأساس. لم يعد المثقف هو الشخص الذي يقرأ ألف كتاب لكي يكتب كتاباً واحداً يغير وعي جيل كامل!.
اليوم.. المثقف هو من يملك أكبر عدد من المتابعين على وسائل التواصل. والشاعر هو من تنتشر كلماته كالنار في الهشيم على الشاشات. الصحفي هو من يجيد صناعة "الترند" وصيد اللايكات. في زمن وسائل التواصل، تحول كل شيء -كل شيء- إلى بضاعة رخيصة؛ الثقافة بضاعة، والأدب بضاعة، وحتى التمرد صار بضاعة يمكن تسويقها بذكاء.
لقد رأينا كثير من المثقفين يبنون لأنفسهم صوراً زائفة على أساس أنهم متمردون، لكنهم في الحقيقة يقدمون تمرداً مستأنساً مدجناً، تمرداً لا يهدد شيئاً، تمرداً يمكن بيعه وشراؤه في المولات التجارية!.
محمد حربي ليس من هذا الطراز أبداً. تمرده أصيل عضوي، ولذلك كان ثمنه باهظاً مفزعاً. لم يبحث عن الشهرة، فبقيت شهرته محدودة جداً. لم يسعَ إلى الظهور، فبقي اسمه متداولاً بين الخاصة فقط. في عالم يقدس السطح ويعبده، اختار حربي الأعماق السحيقة، ودفع ثمن هذا الاختيار نقداً.
لكن هل يعني هذا أن الظاهرة قد انقرضت تماماً؟
لا أعتقد ذلك. فمازال هناك مثقفون أحياء، لكنهم يعملون في الظل بصبر. ما زال هناك شعراء يكتبون شعراً لا يصلح للاستهلاك السريع. وما زال هناك صحفيون يبحثون عن الحقيقة لا عن الإثارة الرخيصة. لكنهم، مثل محمد حربي اختاروا الصمت.. اختاروا ألا يكونوا جزءاً من القطيع النافر.. اختاروا أن يكونوا (شياطين متقاعدين) في زمن لا يؤمن إلا بالملائكة المزيفة ذات الأجنحة البلاستيكية.
درس أخير
في النهاية.. ماذا تعلمنا من مشوار محمد حربي؟
تعلمنا أن المثقف ليس بالضرورة من يكتب كثيراً، بل من يقرأ بصبر وأناة. ليس من يتكلم بصوت عال، لكن من يصمت بعمق. ليس من يظهر في كل مكان وزمان، إنما من يختفي بمهارة خلف كلماته.
تعلمنا أن الشجاعة ليست في قول (لا) مرة واحدة في لحظة حماسة عابرة، بل في الاستمرار في قولها رغم كل شيء. أن تخسر وظيفة، ثم أخرى، ثم ثالثة، وتظل تقول (لا) كالببغاء العنيد. أن تتهم بالتطرف واليسار والرجعية وكل التهم المتناقضة، وتظل تقول (لا). أن يخذلك الأصدقاء واحداً تلو الآخر، ويتخلى عنك الزملاء جماعات، وينساك القراء تدريجياً، وتظل تقول (لا) في وجه العاصفة.
تعلمنا أن الشعر والصحافة يمكن أن يلتقيا في روح واحدة، شرط أن تكون هذه الروح صادقة إلى الحد الأقصى. فالصدق، في نهاية المطاف، هو الذي يوحد كل شيء.. هو الذي يجعل الصحفي شاعراً، والشاعر صحفياً، والإنسان إنساناً بحق.
وتعلمنا أن المؤسسة، أي مؤسسة، ليست سوى أداة. مجرد أداة. وعندما تتوقف الأداة عن خدمة الغرض النبيل، يجب تركها دون تردد. ليس هناك وظيفة في العالم تستحق أن تبيع مبادئك من أجلها، ولا منصب يستحق أن تخسر نفسك لتحتفظ به.
وقبل كل شيء.. تعلمنا أن الكلمة -تلك التي نكتبها ونهمس بها في العتمة الدامسة- هي أثمن ما نملك على الإطلاق. إنها الشيء الوحيد الذي سيبقى بعد أن نتحول جميعاً إلى دخان. لذلك، يجب أن نصونها، أن نقدسها، أن نرفض أن نجعلها مجرد وسيلة للكسب أو للشهرة.
ضوء وحيد في العتمة
عميد الأدب العربي طه حسين قال في لحظة صفاء: "إن التاريخ ليصنع الرجال أحياناً، ولكن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ دائماً."
ومحمد حربي، في هدوئه الذي يشبه العاصفة، وفي عناده الذي يشبه الإيمان، صنع تاريخه الخاص. تاريخاً صغيراً، ربما، لكنه حقيقي صلب. تاريخاً لم يكتب في العناوين الكبرى، لكنه محفور في ذاكرة من عرفوه، ومن قرأوه، ومن تأثروا به في صمت.
اليوم.. ونحن نعيش في عصر الثقافة السائلة.. في عصر المثقفين الذين يشبهون الوجبات السريعة في قيمتها الغذائية.. يبدو محمد حربي كأنه قادم من زمن آخر تماماً. لكن ربما، لهذا السبب بالذات، نحتاج إليه أكثر . نحتاجه بشدة ليذكرنا أن ثمة طريقاً آخر.. أن المثقف يمكن أن يكون شجاعاً دون أن يكون وصولياً، وناجحاً دون أن يكون منافقاً، ومؤثراً دون أن يبيع ضميره لمن يدفع أكثر.
في النهاية.. أتخيل محمد حربي اليوم، جالساً في ركن ما ، بعيداً عن هذا الضجيج الأخرق، يبتسم ابتسامته الهادئة الماكرة وهو يرقب المشهد العبثي من حوله. ربما يكتب قصيدة جديدة.. وربما يحرقها بعد أن ينتهي منها. ربما يشعل سيجارة رخيصة ويتأمل الدخان وهو يتصاعد في كسل، متذكراً كلماته القديمة: "أنا من تراب يهم بالكلام، لكن النار تفرض سطوة الدخان."
ثم يضحك في سره.. ضحكة مكتومة.. لأن النار قد تفرض سطوة الدخان لفترة، لكن التراب يظل تراباً.. والكلام يظل كلاماً.. والحقيقة تظل حقيقة.. مهما حاول العالم إخمادها.
وما زال في العمر بقية.. وما زالت هناك كلمات.
***
عبد السلام فاروق








