عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

حاتم حميد محسن: جوانب من فلسفة المنظّر أنطونيو غرامشي

كان الماركسي والصحفي والقائد السياسي والمنظّر الاجتماعي انطويو غرامشي (1891-1937) رجلا مصابا بمرض مزمن وهو ينحدر من بيئة فقيرة جدا في سردينيا. هو أيضا صرّح بشأنه المدّعي العام الفاشي الإيطالي تصريحا شهيرا "نحن يجب ان نمنع هذا الدماغ من العمل لمدة عشرين عاما". في عام 1926 اُعتقل غرامشي وسُجن وهو في عمر 35 عاما، قبل ان يعلن موسوليني امبراطوريته في افريقيا بعشر سنوات . اثناء الفترة التي سُمح له بها استخدام الورقة والقلم في زنزانته، كتب غرامشي ملاحظات غزيرة في 33 دفتر مدرسي. سجّل غرامشي أفكاره حول النظرية والاستراتيجية، التي تتناول قضايا التاريخ والسياسة والفلسفة والثقافة.

هذه الكتابات ستصبح عمله الرئيسي، دفاتر السجن Quaderni delcarcere. في كلمات للمنظّر السياسي جون شوارتزمانتل، "في جوهر النص السياسي" لدفاتر السجن يفحص "القوى التي تعمل لإبقاء وتغيير طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي".

غرامشي كان يكتب بوجه انهيار الآمال الثورية للعشرينات وبداية الثلاثينات من القرن الماضي. لكنه رفض التفكير الماركسي السائد في أيامه. هو يرى ان الماركسية الكلاسيكية كانت مادية بشكل مفرط وقدرية، ترى التاريخ يندفع الى الامام عبر تحويل هياكل الإنتاج الاقتصادي.غرامشي اقترح نسخة اكثر إنسانية للماركسية. هو اكّد على الكيفية التي يمكن ان يصبح فيها الناس جهات فاعلة واعية في عمليات التاريخ. هو ركز على الدور التاريخي المهم لمعركة الأفكار. هذه المعارك، كما يرى، يمكن ان تقود الى تحولات ثقافية – تحولات ضرورية قبل إمكانية حدوث تحولات ثورية ناجحة.

في الفلسفة السياسية، العلاقات الدولية، علم الاجتماع، الدراسات الثقافية وغيرها، ادواته المفاهيمية جرى تكييفها واُعيد توظيفها لإلقاء الضوء على موضوعات تتراوح من الاقتصاد السياسي الدولي الى علاقات القوة القائمة على النوع (الجندر). وكما يلاحظ شورتزمانتل، ان غرامشي حفز التفكير حول المجتمع المدني كـ "مجال للتنوع وتعدد سمات المجتمع الديمقراطي الليبرالي" و "ميدان للصراع ضد حكم الحزب الواحد في الأنظمة الشيوعية".

ربما من المثير، ان غرامشي نظرا لتوجهاته اليسارية الراسخة، اصبح أيضا مصدرا للافكار والاستراتيجيات لليمين المتطرف الصاعد.

سنتان حمراوان

التحق غرامشي الشاب المعجب بحركة الطبقة العاملة في تورينو، بالحزب الاشتراكي الإيطالي عام 1913. وبعد الحرب العالمية الأولى اصبح شريكا مؤسسا ومحررا للصحيفة البارزة L’ordine nuovo (النظام الجديد)، حيث نشر جدالات مطالبا العمال تعليم انفسهم وتنظيم وتشكيل اتحاد مع المزارعين. اكثر من نصف مليون إيطالي قُتل في المعارك الضارية للحرب العظمى. الاستياء العميق على هذه الخسائر وطموحات الثورة الروسية في أكتوبر 1917 التقيا في الرؤية بان "نظام جديد" وُلد حقا. غرامشي لعب دورا رائدا في خضم موجة الاضطرابات وعمليات احتلال مصانع سيارات فيات في تورين التي حدثت اثناء (السنتين الحمراوين) 1919-1920. في عام 1921، تشكّل حزب شيوعي إيطالي جديد: الحزب الشيوعي الإيطالي the partito comunista italiano. اصبح غرامشي عضوا في اللجنة المركزية.  الاضطرابات السياسية العنيفة أعقبها  رد فعل فاشي – حيث استولى موسوليني على السلطة عام 1922. " الصناعيون فقدوا أيمانهم في الدولة الليبرالية واصبحوا متقبلين لتدابير سياسية من طراز مختلف تماما. المؤرخ جون ماكاي كاميت لاحظ ان. "ساعة الفاشية قد حانت".

وفي نفس السنة، ذهب غرامشي الى موسكو كممثل إيطالي للّجنة التنفيذية للاممية الشيوعية. وعندما عاد الى إيطاليا عام 1924 جرى انتخابه للبرلمان واصبح الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي – الحزب الثوري يعمل في دولة فاشية. اعتقد غرامشي انه مؤهل للحصانة كعضو منتخب في البرلمان. لكنه اعتُقل وعوقب من جانب "المحكمة الخاصة للدفاع عن الدولة". هو كان ضعيفا نتيجة لعجز فيزيقي نتج عن الإصابة بمرض مزمن . ظروف السجن القاسية ستؤدي بالنهاية الى توقف جسم غرامشي عن العمل، وطوال 11 سنة في السجن، تدهورت صحته تدريجيا حتى مات وهو في عمر 46 عاما. طوال السنوات التي أمضاها في السجن، "هذا الدماغ" استمر بالعمل بمستوى عالي.

الهيمنة Hegemony

النظرية الماركسية الكلاسيكية فشلت في التنبؤ في الثورة في الاقتصاد الزراعي الواسع في روسيا. المنظّر الماركسي فشل أيضا في التنبؤ بتطور جديد آخر: الفاشية.

في دفاتر السجن، يحاول غرامشي ان يفهم لماذا لم تنتشر الثورة الى ما وراء روسيا ومنْ المسؤول عن  ظهور موسوليني والفاشية. لماذا يفضل الناس الفقراء جدا مثل الناس الذين تربى معهم في سردينيا، الفاشية على توسيع نطاق الديمقراطية من المجال السياسي الى المجال الاقتصادي، شيء اعتقد انه متوفر في نموذج "الدولة البروليتارية" الجديد.

غرامشي قام بتوضيح أفكاره الرئيسية عبر تحليل دقيق للاحداث التاريخية. وبالذات، هو نظر في العملية المعقدة لتوحيد إيطاليا عام 1861. هو كتب وعينه مفتوحة على تطوير ستراتيجيات معارضة يمكن تبنّيها بواسطة أحزاب ثورية تعمل في الدول الغربية الديمقراطية الليبرالية.

الابتكار الرئيسي كان نظريته في الهيمنة "hegemony"، التي وصفها الباحث الماركسي ديفيد ماكليلان كـ "احد اهم المفاهيم في النظرية الاجتماعية المعاصرة". "الهيمنة" مشتقة من الفعل اليوناني "يقود". غرامشي استعملها ليشير للطريقة التي تحافظ بها الطبقة المهيمنة سياسيا على موقعها الحاكم ليس بواسطة القوة او التهديد بالقوة، وانما أيضا بالموافقة. الطبقة التي تستخدم الاكراه الصريح او المستتر من خلال سلطة الدولة لفرض ارادتها ، يمكن القول انها تكتفي بالسيطرة على المجموعات الاجتماعية الأخرى لكنها تصبح مهيمنة عندما توفر أيضا القيادة الفكرية والأخلاقية للمجموعات المتحالفة معها في المجتمع المدني.

طبعة إيطالية من مذكرات السجن

جادل غرامشي ان النظام التعليمي، الصحافة، والاعلام الشعبوي، والادب والفنون واتحاد العمال والكنائس والمثقفون كلهم يلعبون أدوارا حيوية في تحديد تصورات الناس وفهمهم. طالما ان معركة السلطة تحدث جزئيا خارج النظام السياسي، ستكون هناك حاجة للأحزاب الثورية للتغلب على مصادر السلطة المهيمنة ضمن المجتمع المدني. تحوّل الدول الرأسمالية يتطلب تحولات في العملية الثقافية من خلالها تعزز الجماعات المهيمنة سلطتها. غرامشي اعتبر التعليم، على سبيل المثال، شيئا قد يصبح ، وفق تعبير شوارتزمانتل،"قوة ديمقراطية .. وسيلة لتفكيك الفوارق الطبقية بدلا من تعزيزها".

هو أيضا أكد على دور المثقفين الذين يراهم ليس كأكاديميين في أبراج عاجية، وانما كعمال معرفة. المثقفون، طبقا لغرامشي، يؤدون نوعا خاصا من الوظيفة: هم يساهمون في مناخ الأفكار، ومن ثم في  صيانة وشرعنة النظام القائم. البعض يرتبط مباشرة بالدولة، لكن العديد من الاخرين يدعمون الهيمنة في مستوى المجتمع المدني.

المثقفون، عموما، رغم ان رؤاهم تدعم منظور التيار السائد، هم ربما أيضا يساعدون في تحويل الاشتراكية الى وجهة نظر الحس العام. بالنسبة لغرامشي، ما كان في العادة يُعتبر "حسا عاما" كان بمثابة قبول واسع النطاق للظلم الاجتماعي – على سبيل المثال، قبول اللامساواة الهامة في الثروة وانحدار الديمقراطية.

هذه العلاقات الاقتصادية والبرجوازية الاجتماعية يتم استيعابها كـ "طبيعية" عبر عملية التنشئة الاجتماعية. هذا يقود الى موافقة المحكومين بشكل فعال على اضطهادهم ومشاركتهم فيه. هذا "الحس العام" له تأثير في تقليل حاجة الدولة الرأسمالية لتطبيق قوة وحشية – شيء هم يرغبونه، ومع ذلك لاتزال تُستعمل في أوقات الكوارث. انها تحافظ وتحجب هيمنة الطبقة خلف أفكار "النظام الطبيعي" و "التناغم الاجتماعي".

غرامشي في خدمة اليمين الراديكالي الجديد؟

الفترة التي أمضاها غرامشي في الاتحاد السوفيتي قادته للخوف من ان الدولة الاشتراكية ما كانت تؤسس موافقة بين مجموعات واسعة من السكان وكانت تتجه نحو مسار سلطوي. في دفاتر السجن، هو كان يحاول فهم ما يسميه المنظّر الاجتماعي ستيفن لوكس بـ "مشكلة القبول الديمقراطي وكيف تربحه لأجل الاشتراكية".

اعتقد غرامشي ان هذا يتطلب تنظيم سياسي وتعبئة، بالإضافة الى تطوير ثقافة مناهضة للهيمنة. هذا يتعارض مع العديد من الرؤى الماركسية المهيمنة في القرن العشرين والتي كما وصفها لوكس، مالت الى "اعتبار ان تعليق الحريات الديمقراطية البرجوازية في المجتمعات لا يتعارض مع المشروع الاشتراكي".

في العقود الأخيرة، حصل اليمين الراديكالي على أرضية حول العالم في معارضته لما يسمى"العولمة الليبرالية". دراسة حديثة تجادل بان هذا اليمين الجديد يتبع الى الديمقراطية، لكنه "غير ليبرالي او ضد الليبرالية في رؤيته العامة وطموحاته التحولية".

ان تأثير غرامشي يمكن رؤيته في اوربا حيث، على سبيل المثال، حكومة جيورجيا ميلوني في إيطاليا وضعت وزراء ثقافة متعاقبين تعهدوا بالاطاحة بـ "الهيمنة الثقافية لجناح اليسار". في هنغاريا، حكومة فيكتور اوربان غير الليبرالية التي اطيح بها مؤخرا شجبت تأثيرات ما اسمته بـ "الماركسية الثقافية". حتى ان اوربان كتب رسالة ماجستير استخدمت أفكار غرامشي لتحليل حركة التضامن البولندية في أعوام الثمانينات.

ان تأثير غرامشي يبدو واضحا في الولايات المتحدة الامريكية، في الكيفية التي سعت بها حركة ترامب "اليمين البديل" والجماعات المتحالفة في إعادة صياغة المناخ الثقافي والفكري في البلاد. وعلى غرار الحركات الاوربية المماثلة، هم خاضوا حروبا ثقافية لا تنتهي، حشدوا الناس وأسسوا مراكز أبحاث ومؤسسات تعليمية وبيوت نشر.

مفهوم غرامشي في الهيمنة واستراتيجياته ربما اثّرت على محاولات اليمين في تشكيل المناخ الثقافي والفكري. لكن هذه مفهوم مبسط "للهيمنة الثقافية". هم يتصرفون وكأن معارك الأفكار او الحروب الثقافية هي كل ما في الامر. هذا يشير الى فهم فقير لمفهوم غرامشي المتميز الذي اعتبره كشيء "يتكشف في آن واحد عبر المجالات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية". بكلمة أخرى، نحن دائما نحتاج الى فهم سلطة الثقافة وهي مرتبطة بالسلطة الاقتصادية. في كتابه الأخير (أبناء هايك غير الشرعيين)، فحص المؤرخ كوين سلوبوديان الارتباط بين الليبرالية الجديدة واليمين الشعبوي. هو يشير الى انه على الرغم من كل الضجيج والضوضاء السياسية سيكون من الصعب ادخال ورقة سجائر نحيفة بين اليمين الجديد والنخبة القائمة (عدم وجود اختلافات بينهما) حول قضايا مثل اللامساواة في الثروة وضرائب الشركات والقوة الاحتكارية وتمويل الاقتصاد.

في اشارته الى غرامشي، فشل هذا اليمين الجديد في ان يتعمق بجدية في فهم الدوافع التي دفعته الى ربط الثقافة بالاقتصاد السياسي. حتى في الديمقراطيات المؤسسة جيدا، مشاكل التفاوت المتزايد وتراكم رأس المال المذهل يمكن فقط ان يركز السلطة بطريقة تحرم المواطنين وتتجاهل المؤسسات، الثقافية والسياسية – بما في ذلك تلك التي يدّعي اليمين الراديكالي الاهتمام بها.

***

حاتم حميد محسن

..........................

The conversation, July 10, 2026

في المثقف اليوم