شهادات ومذكرات

محمد أحمد عبيد: د. إبراهيم طلبة سلكها.. حين تصير الفلسفة خُلُقًا والعلم رسالة

ليست العظمة -كما يتوهم بعض الناس- في غزارة المؤلفات وحدها، ولا في كثرة الألقاب والمناصب، ولا في الأسماء اللامعة التي تتردد في القاعات والمنابر؛ إنما العظمة الحقة أن يلتقي العقل الراجح بالقلب النبيل، وأن تتصالح الفلسفة مع الأخلاق، وأن يتحول العلم من سلطة معرفية إلى رسالة إنسانية.

وهنا تحديدًا يطل اسم الدكتور إبراهيم طلبة سلكها لا بوصفه أستاذًا جامعيًا فحسب؛ بل قيمة أخلاقية وفكرية تمشي على الأرض!

لقد سلك الدكتور إبراهيم طلبة طريقًا وعرًا قلّ سالكوه؛ طريق الفلسفة حين تُنزَع عنها غطرسة التجريد، ويُعاد إليها دفء الإنسان، فكان فيلسوف الأخلاق والأدب، لا بالتصنيف الأكاديمي الجاف؛ بل بالممارسة اليومية، والسلوك المتجسد، والقدرة النادرة على أن يُقنعك أن الفكر ليس نقيض الرحمة، وأن العقل لا يخاصم التواضع.

علم من أعلام الفلسفة في الوطن العربي

يُعد الدكتور إبراهيم طلبة واحدًا من أبرز الأكاديميين المتخصصين في الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الوطن العربي، وقد شغل مناصب علمية وإدارية رفيعة؛ فهو أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ووكيل الكلية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وقد سبق له أن كان رئيسًا لقسم الفلسفة.

غير أن هذه المناصب -على أهميتها- لم تكن يومًا غايته؛ بل كانت عنده وسيلة لخدمة العلم والإنسان.

وفي زمنٍ استحالت فيه بعض المواقع الأكاديمية إلى منابر للسلطة المعرفية الجافة؛ ظل الدكتور إبراهيم طلبة وفيًّا لصورة الأستاذ الحق؛ معلّمًا قبل أن يكون إداريًا، ومربيًا قبل أن يكون رئيسًا.

ولم يكن حضوره في قاعات الدرس حضور الملقِّن؛ بل حضور المرشد العقلي والوجداني، يفتح الأسئلة ولا يغلقها، ويُعلّم طلابه كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون.

مؤلفات تشهد للفكرة والمنهج

إن له من المؤلفات والدراسات العلمية ما يدل على عمق اشتغاله بقضايا الفلسفة والأخلاق والفكر المعاصر، حيث لم تكن كتاباته حبيسة التنظير المجرد؛ بل كانت دائمًا منحازة للإنسان، مشتبكة مع الواقع، حريصة على الإصلاح.

وقد اتسمت أعماله بالجمع بين الدقة المنهجية واللغة الرصينة، وبين الهمّ الحضاري الذي يرى في الفلسفة أداة نهضة لا ترفًا ذهنيًا.

فلم يكتب ليُقال إنه كتب، ولم يُنظّر ليُشار إليه بالبنان؛ بل كتب لأنه كان يؤمن -يقينًا- أن الفكرة الصادقة مسؤولية، وأن السكوت عن الخلل الفكري والأخلاقي نوع من المشاركة فيه.

صاحب مدرسة في الوسطية والإصلاح

لعل من أبرز ما يميز الدكتور إبراهيم طلبة أنه صاحب مدرسة منهجية وفكرية عميقة، اهتمت بالوسطية، والإصلاح، وترسيخ الاعتدال في عالمنا المعاصر، في مواجهة موجات التطرف والغلو، سواء في الفكر أو في السلوك.

وقد أشرف فضيلته على أكثر من ثلاثين رسالة علمية ماجستير ودكتوراه، تناولت قضايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، والنهضة، والتقدم، وتجديد الخطاب الديني، ونبذ التطرف، وتعميق ثقافة الاعتدال.

وكان إشرافه العلمي -كما شهدنا- إشرافًا تربويًا قبل أن يكون إجرائيًا؛ يعلّم الباحث الأمانة قبل المنهج، والصدق قبل التوثيق، والمسؤولية قبل الطموح.

وكان دائمًا يردد -بالفعل قبل القول- أن:

الباحث الحق هو من ينتصر للحقيقة لا لذاته، وأن العلم لا يزدهر إلا في بيئة أخلاقية نظيفة.

شيخ الأساتذة.. وأب القلوب

أما على المستوى الإنساني، فهنا تتعثر الكلمات، ويضيق البيان.. لقد عايشته، وتتلمذت على يديه، فرأيت أدبًا جمًّا، وأخلاقًا عظيمة، وحسن سلوك، وانضباطًا أكاديميًا نادرًا، حتى ليغبطه أقرانه قبل طلابه على ما حباه الله من سمو الخلق وجمال الشمائل.

فكان حضوره هادئًا، وصوته رصينًا، وكلمته موزونة، لا يعرف الفظاظة سبيلًا إلى حديثه، ولا التكبر منفذًا إلى نفسه.. وكأنه متمثل في قول الشاعر:

إنَّما الأُممُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ .. فإن هُمُ ذَهَبَتْ أخلاقُهُم ذَهَبُوا

مكتب مفتوح.. وقلب أوسع

فما رأيته -والله- ردَّ سائلًا دخل باب مكتبه قط، ولا لجأ إليه طالب حاجة إلا وقضاها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. فكان مكتبه ملاذًا للطلاب، وملجأً للمحتاجين، ومساحة أمان لكل من ضاقت به السبل. إنه لا يفرّق بين طالب متفوق أو متعثر، ولا بين صاحب شأن أو طالب بسيط؛ الجميع عنده سواء في حق الاحترام والإنصات.

وكان في ذلك كله أبًا روحيًا للجميع، وقلبًا لطيفًا، ووجهًا بشوشًا، وهي صفات ندر اجتماعها في زمنٍ ازدحم فيه الناس بالمظاهر وخلت القلوب من الرحمة!

ويخيل إليك -وأنت تجالسه- أنك أمام رجل فهم الفلسفة على حقيقتها؛ لا بوصفها جدلًا عقليًا، بل تهذيبًا للنفس، وترقيةً للإنسان.

وقفة إجلال في زمن الغرور الأكاديمي

إننا اليوم -وأكثر من أي وقت مضى- بحاجة إلى أن نقف احترامًا لهذه النماذج التي تندر في العصر الحديث، ولا سيما في البيئة الأكاديمية التي غشا بعض رجالها غرور المعرفة، وكبرياء المنصب، وجهالة التقاليد.

في زمنٍ صار فيه العلم سلعة، والجامعة سُلَّمًا، والمنصب غاية، يظل الدكتور إبراهيم طلبة شاهدًا حيًا على أن الأستاذ الحقيقي لا تصنعه اللوائح، بل تصنعه القيم.

وكأن حاله يردد قول الشاعر:

تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا.. وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ

وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ .. صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْجَحَافِلُ

وَإِنَّ صَغِيرَ الْقَوْمِ إِنْ كَانَ عَالِمًا.. كَبِيرٌ إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ الْمَحَافِلُ!

كلمة وفاء لا تُوفي

ولا يسعني في هذا المقام -وقد خانني البيان، وضاق بي التعبير- إلا أن أقول كما قال الشاعر، معترفًا بالعجز أمام الفضل:

إذا المرءُ لم يَشْكُرْ صنيعَ صديقِه.. فليسَ له في المكرماتِ نصيبُ

غير أن المعروف -هنا- قد وُضع في أهله، والعلم قد استقر في صدرٍ نقي، والأخلاق قد وجدت من يجسدها قولًا وعملًا..

فطوبى لك دكتور إبراهيم طلبة، علمًا نافعًا، وخُلُقًا رفيعًا، وأثرًا باقيا..

وستبقى -في وجدان تلاميذك ومحبيك- درسًا لا يُنسى، ونموذجًا يُحتذى، وشاهدًا على أن الفلسفة حين تسكن القلب تصير حياة.

***

د. محمد أحمد عبيد

 

في المثقف اليوم