قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: نقد الشعر والتلامح الرمزي
من بلاغة الانزياح إلى أنفاس المعنى الخفي
ليس الشعرُ قولاً يُلقى على السمع، بل أثرٌ يتسرّب إلى الوعي من منافذ لا تُرى. إنّه اللغة حين تخرج من وظيفتها الإخبارية لتصبح حدثاً وجودياً، وحين تكفّ الكلمات عن أن تكون أوعيةً للمعنى لتغدو هي المعنى ذاته. ومن هنا يبدأ النقد الحقيقي للشعر؛ لا عند حدود الوزن والقافية، ولا عند زخرفة العبارة، بل عند اللحظة التي يحدث فيها الانزياح: تلك الحركة الدقيقة التي تبتعد بها اللغة عن مألوفها كي ترى العالم من زاوية أخرى.
فالبلاغة العربية القديمة، وإن لم تستعمل لفظ «الرمزية» بالمعنى الاصطلاحي الحديث، قد عرفت جوهرها مبكّراً. فحين تحدّث النقاد عن الاستعارة والمجاز والكناية، لم يكونوا يصفون مجرد محسناتٍ لفظية، بل كانوا يؤسّسون لوعيٍ بأنّ اللغة تمتلك طبقاتٍ خفيّة تتجاوز ظاهر القول. إنّ الاستعارة، في حقيقتها، ليست نقل كلمة من معناها إلى معنى آخر فحسب، بل هي انتقال الرؤية نفسها؛ إذ يصبح الشيء مرآةً لغيره، ويغدو العالم شبكة إحالاتٍ لا تنتهي.
لقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم أنّ جمال الشعر لا يقوم في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها. وهذا الإدراك يكاد يكون النواة الأولى لما سيسمّيه النقد الحديث لاحقاً بالبنية الدلالية. فالمعنى عنده لا يُعطى مباشرة، بل يُستنبط من ترتيب الكلام، أي من المسافة بين الكلمات لا من الكلمات نفسها. وهذه المسافة هي عين الانزياح.
ومن هنا نستطيع القول إنّ البلاغة التراثية لم تكن بريئة من الرمز، بل كانت تمارسه تحت أسماء أخرى. فالكناية تفتح باب الاحتمال، والاستعارة تخلخل الهوية الصلبة للأشياء، والمجاز يحرّر اللغة من سجن المطابقة. إنّها جميعاً أدوات تجعل النص الشعري مجالاً للغموض المنتج، لا للالتباس العقيم.
غير أنّ الرمز، بوصفه مشروعاً جمالياً كاملاً، بلغ ذروته في الشعر الأوروبي الحديث، خاصة لدى شعراء فرنسا الذين تمرّدوا على الواقعية العقلانية، ورفضوا أن تكون القصيدة تقريراً عن العالم. فقد رأى شارل بودلير أنّ الكون غابة من الرموز، وأنّ الأشياء تتخاطب عبر إشاراتٍ سرية لا يسمعها إلا الحسّ الشاعري. وهكذا لم تعد القصيدة وصفاً للطبيعة، بل ترجمةً للذبذبات الخفية التي تربط الإنسان بالمطلق.
ثم جاء ستيفان مالارميه ليذهب أبعد من ذلك، إذ لم يعد الرمز عنده طريقاً إلى المعنى، بل بديلاً عنه. فالكلمة لا تشير إلى الشيء، بل تستبدله. والقصيدة ليست نافذة على الواقع، بل عالماً مستقلاً يخلق قوانينه الخاصة. هنا يصبح الغموض ضرورة جمالية؛ لأنّ الوضوح الكامل موتٌ للشعر، إذ لا يبقى للقارئ دورٌ سوى التلقي السلبي.
وفي التجربة السوريالية، بلغ الانزياح حدّ القطيعة مع العقل المراقب. فالصورة الشعرية لم تعد وليدة التأمل الواعي، بل انفجاراً لاشعورياً يندفع من الأعماق مثل حممٍ بركانية. لقد سعى أندريه بريتون إلى تحرير اللغة من رقابة المنطق، لأنّ الحقيقة — في نظره — تقيم في الحلم أكثر مما تقيم في اليقظة. وهكذا صار النصّ الشعري جسداً يتنفس من خاصرته، لا من رئتيه؛ أي من مناطقه الهامشية والمسكوت عنها.
غير أنّ هذا المسار الحديث لا ينفي جذوره العربية، بل يعيد اكتشافها. فالشاعر العربي القديم، حين شبّه الأطلال بالكائن الحي أو جعل الليل كائناً ذا إرادة، كان يمارس ضرباً من الرمز الوجودي دون أن يسمّيه. إنّ الغموض الذي نجده في بعض نصوص المتصوّفة، مثلاً، لا يقلّ كثافةً عن الرمزية الأوروبية؛ لأنّه يسعى إلى التعبير عمّا لا يمكن قوله مباشرة.
إنّ نقد الشعر، في ضوء ذلك، لا ينبغي أن يكتفي بتفكيك الصور أو تعداد الأساليب، بل أن يسأل: كيف يولد المعنى من الانحراف المقصود عن اللغة اليومية؟ وكيف يتحوّل الغموض إلى طاقة كشفٍ لا إلى حجاب؟ فالشعر العظيم لا يقدّم رسالةً جاهزة، بل يخلق مجالاً للتأويل. وكل قراءةٍ حقيقية هي إعادة كتابة للنص داخل وعي القارئ.
إنّ التلامح الرمزي ليس زينةً تُضاف إلى القصيدة، بل هو طريقة وجودها. فالرمز يسمح للمعنى بأن يعيش أكثر من حياة، وأن يظلّ مفتوحاً على الأزمنة القادمة. لذلك فإنّ النصّ الشعري لا يُستهلك؛ لأنّه لا يقول شيئاً واحداً. إنّه يشبه نبعاً تتغيّر مياهه باستمرار، بينما يظلّ اسمه ثابتاً.
ولعلّ أعظم ما يفعله الرمز أنّه يعيد إلى اللغة براءتها الأولى. فحين يسمّي الشاعر الأشياء من جديد، لا يصفها كما هي، بل كما يمكن أن تكون. عندئذٍ يصبح الشعر فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعلٌ جمالي؛ لأنّه يحرّر الإنسان من أسر المألوف، ويفتح له أبواب الاحتمال.
وهكذا، فإنّ الانزياح ليس خروجاً عن اللغة، بل عودةٌ إلى جوهرها. والرمزية ليست غموضاً متعالياً، بل محاولة لإنقاذ المعنى من الابتذال. فالشعر — في نهاية المطاف — لا يتنفس من رئتَي البلاغة وحدهما، بل من خاصرة السرّ التي تجعل الكلمة أكثر حياةً من الواقع نفسه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين






