قضايا
غالب المسعودي: تشويه البنى الاجتماعية في الدولة الرخوة
قراءة في فلسفة الفساد وهندسة الوعي المأزوم
ماهية الرخاوة وتجلياتها الإبستمولوجية؟
يمثل مفهوم "الدولة الرخوة" حجر الزاوية في فهم التحولات البنيوية العميقة التي تعصف بالمجتمعات النامية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إن الرخاوة، كما صاغها عالم الاقتصاد الحائز على نوبل غونار ميردال، لا تعني بالضرورة ضعف الأدوات القمعية للسلطة، بل تعني غياب الانضباط الاجتماعي، وسيادة الانتقائية في تطبيق القانون، وتفشي المحسوبية التي تآكل جسد الدولة.
إن التشويه الذي يطال الحياة الاجتماعية في هذه الدول ليس مجرد خلل عارض في مسار التحديث، بل هو إشكالية وجودية تكمن في تقاطع نيران أيديولوجيات التطرف العنيف من جهة، واستراتيجيات التثبيت السلطوي التي تعمد إلى صياغة وعي جمعي مأزوم من جهة أخرى. إن تقصي الآليات التي تتحول من خلالها رخاوة الدولة إلى أداة لتدمير النسيج الاجتماعي يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل هذا التشويه هو نتاج حتمي للفوضى، أم أنه "هندسة اجتماعية سلبية" مقصودة تهدف إلى تجهيل المجتمع لضمان ديمومة السلطة المأزومة؟
سوسيولوجيا الانهيار: الفساد كبنية مشوهة للحياة الاجتماعية
في ظل الدولة الرخوة، يتوقف الفساد عن كونه "استثناءً" ليصبح هو "القاعدة" التي تنظم العلاقات الاجتماعية. هذا التحول البنيوي يؤدي إلى تشويه عميق في منظومة القيم؛ حيث تنهار الأخلاق الكلية أمام ضغوط الحاجة والتهميش. من منظور فلسفي، يمكن استحضار رؤية عبد الوهاب المسيري حول "العلمانية الشاملة"، حيث يتم "تنميط الإنسان" وتحويله إلى مادة استعمالية، فتفقد العلاقات الإنسانية قدسيتها وتتحول إلى تبادل نفعي صرف.
آليات تسرب الفساد من القمة إلى القاعدة
يبدأ الفساد من مراكز اتخاذ القرار في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمتد كمرض عضال ليشمل القضاء والمؤسسات الأكاديمية، وصولاً إلى أدنى مستويات التعامل اليومي. وفي هذا السياق، يبرز مستويان من الفساد يساهمان في تشويه الحياة الاجتماعية:
فساد النخب (فساد الحيتان): وهو المرتبط بالاستيلاء على المال العام والتهرب الضريبي، مما يؤدي إلى "الاغتراب الاجتماعي" حيث يشعر المواطن بأنه غريب في وطنه الذي تنهب مقدراته.
الفساد المجتمعي (الفساد الصغير): حيث يصبح الفرد مجبراً على دفع الرشاوي لقضاء أبسط حوائجه. هنا يتحول الفساد إلى "آلية بقاء"، ويحدث ما يسميه علماء الاجتماع "تطبيع الرذيلة"، إذ يكف المجتمع عن استهجان السلوك الفاسد طالما أنه يحقق غاية آنية.
تفكيك الركائز الاجتماعية: الأسرة والتعليم والإعلام
يتجلى هذا التشويه المتعمد في استهداف الحواضن الثلاث الكبرى لبناء الإنسان:
تهتك النسيج الأسري: نتيجة الضغوط المادية، يفقد الكيان الأسري قدرته على التنشئة السوية، وتتحول الأسرة من وحدة تضامن إلى وحدة صراع، مما يسهل اختراق أفرادها من قبل الجماعات المختلفة.
انهيار العملية التعليمية: تتحول الجامعات من منابر للتحرر العقلي -كما نادى باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين"- إلى مؤسسات متهالكة تفتقر للمعايير، حيث تنتشر "تجارة الشهادات" ويسود "الهدر المعرفي"، مما ينتج أجيالاً تمتلك المؤهلات وتفتقر للوعي النقدي.
تزييف الوعي الإعلامي: يتحول الإعلام إلى أداة للسيطرة على العقول عبر نشر السطحية وتغييب الحقائق، مما يخدم توجهات السلطة في بناء "مجتمع الفرجة" الذي ينشغل بالهوامش عن الجواهر.
أيديولوجيا التطرف كاستجابة للرخاوة المؤسسية
يطرح الواقع تساؤلاً حول ما إذا كان التطرف هو السبب في تشويه الحياة الاجتماعية أم هو نتيجة لهذا التشويه. تشير القراءات النقدية إلى أن غياب سيادة القانون يخلق "مناطق رمادية" وجيوباً اجتماعية لا تصلها سلطة الدولة، مما يجعلها ملاذاً آمناً للتنظيمات المتطرفة.
المظلومية والعدالة البديلة
عندما يفشل النظام القانوني الرسمي في حماية الحقوق، ينمو شعور حاد بـ "المظلومية الاجتماعية". هنا تقدم الجماعات المتطرفة نفسها كـ "مخلص" يوفر منظومة قانونية موازية. إن الفرد في الدولة الرخوة لا ينجذب للتطرف إيماناً بأيديولوجيته بقدر ما ينجذب إليه بحثاً عن "يقين زائف" أو "عدالة مفقودة" في ظل دولة عاجزة.
الهندسة الاجتماعية السلبية: الوعي المأزوم كاستراتيجية بقاء
تشير التحليلات العميقة إلى الانتقال من اعتبار التشويه "فشلاً تقنياً" للدولة، إلى اعتباره "استراتيجية بقاء". تبرز هنا فكرة "الهندسة الاجتماعية السلبية" التي تسعى لإعادة صياغة المجال العام لضمان عدم قدرة المجتمع على الفعل التغييري من خلال:
التجهيل كأداة للضبط السياسي: عبر إغراق المجتمع في صراعات هوية ثانوية (طائفية، فئوية) لضرب الوعي السياسي الذي يُعتبر العدو الأول للنظم المأزومة.
تفريغ الإرادة (الاستلاب): تحويل المواطن من "فاعل سياسي" إلى مجرد "زبون" يبحث عن إشباع حاجاته الاستهلاكية، مما يفقده استقلاله الذاتي وكرامته، وهو ما ينسجم مع أطروحة إتيان دي لا بويسي حول "العبودية المختارة".
الاستغراق في الواقع الافتراضي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس كأدوات للتحرر، بل كقنوات لنشر التفاهة وتزييف الواقع، حيث يبدو القهر وكأنه خيار ذاتي أو قدر لا مفر منه.
إدارة مدركات الفساد والشرعية
تستخدم الأنظمة السلطوية "مدركات الفساد" كأداة سياسية؛ فهي قد تسمح بانتشار الحديث عن الفساد لزعزعة الثقة في البدائل السياسية، أو لتبرير إجراءات استثنائية وقمعية بدعوى "محاربة الفساد". هذا التلاعب يساهم في خلق شعور عام بالعدمية واللاجدوى، مما يُنتج مواطناً يفضل "الخلاص الفردي" على "الفعل الجماعي".
الوعي السياسي الجمعي: من التأزم إلى التحرر
إن الخروج من حالة "الوعي المأزوم" يتطلب بناء وعي جمعي فاعل قادر على الفصل بين "الدولة" ككيان وطني دائم و"النظام" كإدارة سياسية مؤقتة. هذا الوعي يتطلب ما يسميه يورغن هابرماس "الفعل التواصلي"، الذي يقوم على الحوار العقلاني والشفافية لإعادة بناء المجال العام المخطوف.
ترميم النسيج المهترئ
إن تشويه الحياة الاجتماعية في الدولة الرخوة ليس حادثاً عرضياً، بل هو نتاج تآزر مدمر بين أيديولوجيات التطرف واستراتيجيات سلطوية تعمد إلى هندسة "وعي مأزوم". ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست قدراً محتوماً؛ فبناء الوعي السياسي، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة الفاعلة، والتمسك بسيادة القانون، هي الأدوات الوحيدة القادرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء دولة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. إن التحدي الأكبر يكمن في كسر حاجز الخوف والجهل، والانتقال من حالة "الخلاص الفردي" إلى حالة "الفعل الجماعي" الذي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
***
غالب المسعودي
.......................
المراجع
ميردال، غونار (1968): الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم.
المسيري، عبد الوهاب (2002): العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، دار الشروق.
فريري، باولو (1970): تعليم المقهورين، ترجمة يوسف نور عوض.
دي لا بويسي، إتيان (1576): مقال في العبودية المختارة.
فوكو، ميشيل (1975): المراقبة والمعاقبة، (في سياق تحليل السلطة الحيوية).






