تسعة عشر عامًا بين الكتابة وأزمة الضمير
في زاوية هادئة من حيّ خاموفنيكي العريق في موسكو، يقف منزل خشبي صغير بسقف أخضر وشرفة متواضعة، تحيط به الأشجار وتظلله سكينة لا توحي للعابر بأن هذا المكان كان يومًا مسرحًا لواحدة من أعمق التحولات الروحية والفكرية في حياة أحد أعظم كتّاب الأدب الروسي. هنا عاش ليف نيكولايفيتش تولستوي تسعة عشر عامًا، منذ انتقاله إلى المنزل عام 1882 حتى ربيع عام 1901، وهنا ترك أثرًا عميقًا في أكثر من مئة عمل أدبي وفكري، وخاض واحدة من أكثر مراحل حياته اضطرابًا، حين بدأ يراجع علاقته بالثروة والطبقة والمجتمع والدين، ويعيد النظر في معنى الحياة وموقع الإنسان فيها. لم يكن تولستوي، الذي ظل قلبه معلقًا بياسنايا بوليانا وفضائها الريفي، من محبّي حياة المدن الكبرى. غير أن ظروف الأسرة دفعته إلى الانتقال إلى موسكو في خريف عام 1881، وكان تعليم أبنائه الذين كبروا، واحتاجوا إلى مدارس وجامعات العاصمة، في مقدمة الأسباب التي جعلته يغادر الريف. وإلى جانب ذلك، كانت لموسكو أهميتها العملية في حياته الأدبية والفكرية؛ ففيها الناشرون والكتبيون، والمكتبات والأرشيفات، وفيها الأشخاص الذين كان يحتاج إلى لقائهم ومناقشة أعماله وأفكاره معهم.
ولم يكن اختيار المنزل في خاموفنيكي عشوائيًا؛ فقد وجد فيه تولستوي شيئًا من الريف الذي افتقده في المدينة. كان البيت، كما تصفه المصادر، أقرب في روحه وهيئته إلى منزل ريفي منه إلى مسكن مديني، تحيط به حديقة واسعة تتشابك فيها الأشجار المثمرة، وتمنح ساكنه ملاذًا هادئًا من صخب موسكو وضجيجها. بُني المنزل عام 1805، وكان من البيوت الخشبية القليلة في المنطقة التي نجت من الحريق الكبير الذي اجتاح موسكو خلال حرب عام 1812 ضد نابليون. ويتكون من طابقين وست عشرة غرفة، وقد اختار تولستوي لنفسه غرفة هادئة في الطابق الثاني تطل على الحديقة، واتخذ منها مكتبًا خاصًا، بعيدًا عن حركة البيت وضجيج المدينة. ومن تلك الغرفة خرجت صفحات كثيرة ستصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة الأدبية العالمية.
موسكو كانت بالنسبة إلى تولستوي ليست مجرد مدينة جاء إليها من أجل تعليم أبنائه أو متابعة شؤونه الأدبية فحسب؛ لقد كانت، في جانب آخر من تجربته، مرآة قاسية كشفت له الوجه الذي لم يكن يريد أن يراه في المجتمع. ففي إحدى أمسيات ديسمبر عام 1881، ذهب إلى منطقة خيتروفكا، التي كانت آنذاك من أفقر مناطق موسكو وأكثرها بؤسًا. وهناك، وسط المتسولين والجائعين والمرضى والمشرّدين، وجد نفسه أمام عالم آخر يختلف جذريًا عن العالم الذي جاء منه. كان كل وجه يحمل قصة، وكل يد ممدودة تختصر حياة كاملة من الحرمان. عاد تولستوي إلى منزله في تلك الليلة، إلى عالمه الهادئ المترف، وصعد الدرج المغطى بالسجاد، وخلع معطفه الفرو، ثم جلس إلى مائدة عامرة بالطعام، بينما ظلّت صور الفقراء الذين تركهم خلفه تلاحقه. كان التناقض بين العالمين أقسى من أن يسمح له بالعودة إلى حياته السابقة كما لو أنه لم ير شيئًا. لقد تحولت تلك التجربة إلى سؤال أخلاقي عميق، لا عن الفقراء وحدهم، بل عن حياته هو أيضًا، وعن معنى أن يمتلك الإنسان ما لا يملكه الآخرون في مجتمع يعيش فيه كثيرون على حافة الجوع.
ولم تبقَ تلك الصدمة حبيسة مشاعره؛ فقد شارك تولستوي في تعداد سكان موسكو عام 1882، واحتك بصورة مباشرة بأحياء الفقراء، ورأى عن قرب ما كانت المدينة تخفيه خلف واجهاتها الأنيقة. كتب لاحقًا عن تلك المرحلة: «مضى شهر — أكثر شهور حياتي عذابًا». وكانت تلك التجربة من بين العوامل التي أسهمت في ولادة كتابه «فما العمل إذن؟» عام 1886، وهو العمل الذي عبّر فيه عن أسئلته المتزايدة حول الفقر واللامساواة والمسؤولية الأخلاقية وطريقة عيش الطبقات الميسورة. لقد بدأ تولستوي، في تلك السنوات، ينظر إلى حياته السابقة بعين مختلفة؛ فلم يعد السؤال بالنسبة إليه: كيف يعيش الإنسان؟ فحسب، بل أصبح: كيف يحق له أن يعيش على هذا النحو في عالم يعيش فيه آخرون في الحرمان؟
وفي هدوء ذلك المنزل، وعلى امتداد تسعة عشر عامًا، واصل تولستوي مشروعه الأدبي والفكري، فكتب وأتم عددًا كبيرًا من الأعمال التي أصبحت من علامات الأدب الروسي والعالمي. ومن أبرزها «موت إيفان إيليتش» عام 1886، تلك القصة التي واجه فيها الموت بوصفه تجربة إنسانية تكشف حقيقة الحياة، و«سوناتا كرويتزر» عام 1889، التي أثارت جدلًا واسعًا حول الزواج والحب والغيرة والعلاقات الإنسانية، و«البعث» عام 1899، آخر رواياته الكبرى، والتي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بهذه المرحلة من حياته. كما شهدت هذه السنوات أعمالًا مثل «الأب سرجيوس»، ومسرحيات «ثمار التنوير» و«قوة الظلام» و«الجثة الحية»، إلى جانب مؤلفاته الفكرية. ولعل «البعث» كان أكثر هذه الأعمال تعبيرًا عن التحول الداخلي الذي عاشه تولستوي. فالرواية ليست حكاية عن الخطيئة والتوبة فحسب، بل عن الإنسان الذي يكتشف، في لحظة مواجهة مع ماضيه، أن الخلاص الحقيقي يبدأ من اعترافه بما اقترفه ومن محاولته إصلاح ما أفسده. ولهذا تبدو الرواية امتدادًا طبيعيًا للأسئلة التي كانت تتشكل في ذهن تولستوي خلال سنواته في موسكو؛ أسئلة العدالة والضمير والمسؤولية والخطيئة، وأسئلة الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين..
في مايو عام 1901، غادر تولستوي المنزل نهائيًا بعد تدهور حالته الصحية، إذ نصحه الأطباء بالابتعاد عن هواء المدينة والعودة إلى الريف. عاد إلى ياسنايا بوليانا، المكان الذي ظل أكثر التصاقًا بذاكرته ووجدانه، وهناك أمضى السنوات الأخيرة من حياته حتى وفاته عام 1910. غير أن مغادرته للمنزل لم تكن نهاية قصته؛ ففي عام 1921، وبعد الثورة الروسية، تحول المنزل إلى متحف تذكاري عُرف باسم «متحف-عزبة ليو تولستوي في خاموفنيكي»، وأصبح لاحقًا فرعًا من متحف تولستوي الحكومي، محتفظًا بآلاف القطع الأصلية التي توثق حياة الكاتب وأسرته وعمله. ولا يزال المنزل قائمًا حتى اليوم في شارع ليف تولستوي، الرقم 21، هادئًا كما لو أنه لم يشهد كل تلك التحولات التي مرت من بين جدرانه. غير أن هدوء المكان يخفي وراءه سنوات من الكتابة والصراع والأسئلة. ففي تلك الغرف، وبين الأشجار التي كانت تطل عليها نافذة مكتبه، كتب تولستوي عن الموت والحب والعدالة والفقر والدين والخطيئة والتوبة، وراح يفتش عن الإنسان خلف كل هذه المفاهيم. لذلك فإن منزل خاموفنيكي ليس مجرد بيت قديم أو متحف يحفظ أثاث كاتب شهير، بل هو صفحة حية من سيرته؛ مكان يمكن للمرء أن يتتبع فيه رحلة رجلٍ بدأ حياته كونتًا روسيًا يعيش في عالم من الامتيازات، ثم أمضى سنواته في محاولة فهم ذلك العالم ومساءلته ومراجعة نفسه في مواجهته. وربما لهذا السبب يبدو المنزل اليوم أكثر من مجرد أثر معماري؛ إنه شاهد صامت على تسعة عشر عامًا من حياة تولستوي، تسعة عشر عامًا كتب فيها كثيرًا، وشكّ كثيرًا، وتألم كثيرًا، وكان يحاول، في كل صفحة يكتبها، أن يقترب خطوة أخرى من الحقيقة.
***
مؤمل الحطاب - جامعة موسكو الحكومية
كاتب ومترجم وباحث في الأدب الروسي








