نصوص أدبية

أحمد غانم: النقطة

السماء الخريفية غامضة دومًا، غيومها القاتمة تتوعد بغيثٍ غزير لكنها لا تفضي إلا برذاذ خفيف بين الحين والآخر، كمن يتكتم على أسرار يتردد في بوحها لأيٍ كان، خشيةَ افتضاح أمره، فيظل يتجرع مرارة أساه وحيدا.

في مثل هذا الجو الضبابي، الذي لا يلوح في أفقه شيء محدد، وجدتُ نفسي منقولًا إلى مبنى وزارة التخطيط، اضطر إلى الجلوس خلف مكتب داخل غرفة صغيرة يكاد لا يطأها ضياء الشمس، قريبة من غرفة الفراشين، دون أن يقصدني مراجع ولا موظف، ولا تُمرر إليّ معاملة أو ورقة روتينية أطلع عليها أو أمهرها بتوقيع، من حقي فقط التدخين وطلب الشاي والقهوة طيلة ساعات الدوام.

في أول يوم وجدتُ نسخة من صحيفة "الثورة" مر نحو شهرين على صدور عددها فوق مكتبي، صفحتها الأولى تتضمن الأحكام الصادرة بحق مجموعة كبيرة من الرفاق (المتآمرين). حدّقت فيها كما فعلت من قبل مراتٍ ومرات، ثم وضعتها في الجارور الخاوي مثل قبر بانتظار مواراة جثة تحت الثرى، ثم رفعت رأسي فانتبهت الى صورة كبيرة للرئيس الجديد، تطالعني في تهكم مستفز، ذات الاستفزاز الذي أطل من قسمات وجهه ونبرة صوته وهو يعلن عن وجود مؤامرة ظلت خفية عن العيون لسنوات، تمكنَ من الكشف عنها بمجرد تقلده منصب الرئاسة، وبدوري كنت على وشك أن أكون من ضمن المتهمين في قضية لم أكن أعرف عنها شيئًا قبل الإعلان عنها.

قررتُ بدء الكتابة أثناء أوقات الدوام التي تتمادى ساعاتها إلى سنوات من عمري، أهجس دنو نهايته لحظةً إثر أخرى، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الفضفضة قبل أن يخنقني الخوف الكامن في أوردتي، أو أن يسمم الدم المتدفق في عروق جسدي الذي شاخ دون وعي مني عقودًا، إلا أني أدرك عاقبة خط جملة واحدة، فاستعضتُ عن الورقة والقلم بالتدوين في ذهني، وإن تزاحمت الأحداث التي مررتُ بها حتى صرت مثل المعلق بين الأرض والسماء.

لا أظن أن بإمكانهم استنطاق أفكاري أيضًا داخل أي غرفة تحقيق، في حال تم إلقاء القبض عليَ، كما أتوقع أن يحدث في أي وقت من ليلٍ أو نهار، إلا أن جلَ ما أخشاه أن يقودني تتابع السرد غير المكتوب إلى متاهة الجنون في نهاية المطاف، لكن ربما يكون ذلك أفضل، فإن حصل وفقدت عقلي قد أنجو من هول ما يمكن أن أواجه، لأن ليس على المجنون حرج، ومع ذلك لا أضمن أن يكون جنوني حجة كافية لإنقاذي من لوثة الجنون الأكبر التي تسود البلاد.

تبدو لي الآن كما لو كانت قنبلة على وشك الانفجار، أو أنها مربوطة بسلسلة كهربائية على امتداد حدودها ومدنها، شوارعها وأزقتها الصامتة في أذنيّ، رغم ما تصطنع من حركة طبيعية ضمن الإيقاع اليومي المألوف، كما لو أنها تضع ذات قناع التصنع الذي يكسو ملامح وجهي حتى عندما أكون وحدي في هذه الغرفة الخانقة، وكأنهم قرروا حجب الهواء عنها بأوامر عليا كي يختبروا مدى قدرتي على الاحتمال، وأنا لا أعرف مخابئ كاميرات المراقبة التي ربما تحوطني من كل جانب من أجل استقراء تعبيرات الغضب أو التمرد التي يمكن أن توقعني بالجرم المشهود دون دراية مني، حتى عدد السجائر التي أدخنها قد تكون بحد ذاتها إشارة إلى شيء من النفور من قيودي التي ألقتني وراء هذا المكتب، موظف بلا وظيفة، وإن تجرأت على طلب إجازة لربما تم تفسير ذلك على أنه نوع من التخاذل أو التقاعس ومحاولة للهروب من أمر حزبي وواجب وطني لأحد المعزولين عن ولائم السلطة…

مع نهاية الدوام أزفر أنفاسي خفية، مخافة أن تُلمح شرارة التذمر في ملامح وجهي. أنقاد مع الموظفين نحو خارج المبنى، كما لو كنا مربوطين بحبل لا بد أن يعيدنا إلى ذات أماكننا في اليوم التالي، رغم أني كنت أهرع فيما مضى إلى كل اجتماع ومؤتمر ومهمة من مهام منصب جديد يلقي فوق كاهلي الكثير من المسؤوليات بهمة ونشاط من يريد تحقيق كل أحلامه في يومٍ واحد. حماس وجرأة يسوقها الانفعال نحو خطوات من التهور الأهوج ضمن مسيرة مضطرمة الحركة فقدت دفتها منذ زمن لم نعِ بدايته حتى وجدنا أنفسنا مقبلين نحو النهاية المحتومة لكل ثورة شهدتها بلادنا، مع أن كل شيء كان جليًا للعيان منذ السنوات الأولى لحكم الحزب القائد، بذريعة حماية مكتسبات الثورة من أعدائها ضمن جبهات الخيانة في الداخل والخارج...

كم رددتُ مثل هذه المفردات في صخب ثوري حاسم، دون أن أترك المجال لطرح أي رأي مغاير، يمكن اتهام صاحبه بالرجعية، وأنه من ذوي الأفكار الهدامة التي تحاول النيل من مسيرة ثورتنا المباركة...

ذات الكلام الذي أسمعه من راديو السيارة. من حسن الحظ أني كنت قد اشتريتها من صديق لي قرر بيعها لقاء دين أصر على تسديده قبل سفره إلى الخارج، وما كنت أعرف أني سوف أحتاجها بهذه الصورة الملحة، بعد أن تم سحب سيارات الاستخدام مني، بالإضافة إلى الحارسين المداومين أمام باب البيت والسائق والمرافق. كان ذلك من ضمن العقوبة التي أعادتني إلى درجة  عضو فرقة حزبية لا بد لي من المواظبة على حضور اجتماعاتها، لعلي أنجو من مخالب التقارير الأمنية التي صارت سِمة المرحلة على نحو متزايد، ومن السخرية أني كنت من ضمن المؤمنين بما لها من ضرورة أمنية، كي يشترك الجميع في حماية ما حققت الثورة من منجزات، لا رجال الأمن فحسب، ومن ناحية أخرى فإن مثل هذه التقارير تعطينا فرصة الاطلاع على ما يجري حولنا أولًا بأول قبل أن نُفاجأ بما لا تحمد عقباه، لكني أيضًا وجدتها فرصة للدفاع عمن أستطيع إنقاذه من تهمة الخيانة، شرط أن أكون على معرفة وثيقة به وبكل خباياه، كما لو أني أدافع عن نفسي، دون أن أتسبب بأي إساءة إلى حساسية منصبي.

لعبة توازن كان الجميع قد اعتاد القيام بها حتى صارت من ضمن منهاجنا اليومي تقريبًا، وأيضًا دون دراية منا، وإن انتبهنا إلى بهلوانية ما يحدث فالذرائع والأعذار دومًا موجودة؛ نحن نعمل من أجل خدمة قضية كبرى وتحقيق أهداف سامية على مستوى وطن وأمة معرضة دومًا للمكائد الرجعية من قبل بقايا الاستعمار، كما أن أهدافنا (التحررية والوحدوية) الكبرى يجب أن تسمو فوق جلسات الأصحاب والمجاملات.

لغو، لغو، لغو... كم أفقدَنا من رفاق وأصدقاء الصبا والشباب، المهم أن تمضي بنا سبل الثورة نحو الأمل المنشود، ولو أني في ذات المنصب الرفيع حتى الآن لداوَمت على ترديده في كل مجلس أكون فيه بلا كلل كي أنفذ من شبهة التعاطف مع أكبر شبكة خيانة تم الكشف عنها في عهد الثورة المجيد، ولا بد لي من ترديد كلمة (المجيد) بكثرة، نحو خمس وخمسين مرة لو استطعت، لأنجو بنفسي من تبعات تهلكة الرفاق ذات يوم تموزي لاهب الحماس المدَوي في الأرجاء، مبارِكًا ذبح الأضحية الجديدة، كي يكون ذلك بمثابة إعلان للبراءة من إثم أية شرارة (سوداء) يمكن أن تنوش مسيرتي النضالية التي نالها التصدع دون معرفة سبب محدد لذلك، فألقتني الصدمة إلى ما يشبه خرس لا ينجو منه صوت الهتاف بشعارٍ واحد من ضمن كومة الشعارات التي دأبنا على الجهر بها عاليًا في كل عهد، متحدين سياط السلطة، وأحدنا يود التضحية بعمره من أجل وطنٍ يغيب عني ضياؤه شيئًا فشيئًا، كما لو كنت أفارقه من غير أن أدنو خطوة واحدة نحو حدوده التي أعرف أني ممنوع من عبورها بأوامر قيادية كي أبقى أسير مصيدة ذات الشعارات الرنانة، بنبرة تغالب كل غصة بكاء قد تأسف على عمر مضى وجذوة تمرد انطفأت وما لها من وهجٍ جديد.

***

وجه سلمى بكل صفائه المعهود لديّ، رغم ما مرت به، حطَ وسط كل هذه الفوضى مثل حمامة تهمس لي برسالة آتية من بعيد. صادفتها في الطرقة القريبة من غرفتي المعزولة، وكأني وباء يخشى النظام من سريان عدواه بين الجموع. مؤكد أنها عرفتني، رغم أن قسمات وجهها لم تظهر أي تعبير، إلا أني لم أستسلم لذلك التجاهل المستفز فأقبلت نحوها لألقي التحية، وكم رغبت باحتضانها أيضًا، ليس عن شوق جامح فحسب، بل لأننا صرنا نتشارك ذات محنة الإقصاء عن أحلامنا القديمة. سبقتني إليها قبل سنوات، منذ أن تم اعتقال زوجها في بداية السبعينات، ومن ثم تسليم جثته وشهادة مكتوب فيها أن سبب الوفاة ذبحة صدرية، رغم أنه لم يشكُ من أي أمراض من قبل، حسب ما أعرف.

آخر ما كنت أتوقعه أن أكون في مثل هذا الموقف الغريب أمامها وأنا في هيئتي الجديدة، الموظف المعزول عن الجميع، بلا منصب محدد، بعد أن تقلدتُ منصب محافظ، ومن ثم مدير شركة من شركاتنا الوطنية الكبرى، ووكيل وزارة، كما كنت من المرشحين لتولي منصب سيادي مهم داخل القصر الجمهوري، أي من أصحاب القرار داخل أروقة الدولة، ولم أكن أعرف أن اتخاذ أي قرار لا يصدر إلا من غرفة واحدة، دون أن نمتلك إلا حق الموافقة عليه والهتاف بكل حماس لا يترك مجالًا للشك، ولا حتى للخيال، بالتخاذل أو الوهن في تنفيذ الرؤى القيادية سريعة التحول، بلا أن ندرك إلى أين يمكن أن تقودنا خطاها المؤطَرة بمباركة الجماهير دومًا.

أجابت على سلامي باقتضاب، وبتعبير وجه صارم وحاجبين مقَطبين، العادة التي ألفتها عنها لدى الغضب أو الزعل، فابتعدتُ خطوات عنها كي لا أتعرض للإحراج أمامها أكثر.

رغبتُ بالتحدث معها، كما لو أني أحتفظ بأسرار لا طاقة لي على احتمال عبئها وحدي، ولا أعرف أحدًا سواها لأهمس بها أمامه، رغم ما يلجم لساني من خوف أن تتسرب كلماتي إلى الأسماع، حتى وإن كانت كلمات مواساة متأخرة لوفاة صديقي ورفيقي القديم، وكأن التغييرات الجذرية في أركان القيادة حدثت فقط من أجل أن أصادفها بعد كل هذه الأعوام.

لم أكن أعرف أنها تداوم معي في ذات المكان، ربما تم نقلها لأكثر من مرة بين عدة وظائف حتى انتهى بها المطاف هنا، كما لو كانت بانتظار رؤيتي، كوجه من ضمن الوجوه التي صارت تتحاشى النظر إليها حتى عبر شاشة التلفاز، وإن اضطرت إلى ذلك فسرعان ما تنتابها سخرية ممزوجة بالاشمئزاز من خدعة تملكت عقلها وزوجها المتوفى منذ بواكير الشباب، مثلما يخالجني ذات الشعور الآن، وكأني بهذا أعلن براءتي التامة مما كنت عليه قبل وقوعي في شرَك القاعة التي غنت فيها فيروز أجمل أغانيها قبل سنوات لدى مجيئها إلى بغداد.

أُجبرنا في الفرقة الحزبية التي اضطررتُ إلى المشاركة في كل اجتماعاتها، بعد أن كنتُ عضو قيادة، أن نشاهد وقائع الاجتماع (المسرحي) المسجل على شريط فيديو، ونحن ندرك مدى الرقابة المصوَبة نحو قسمات وجوهنا، ولو عبر كاميرات لا تلحظها العيون، كي تسجل بدقة ما يمكن أن يُستشَف من صمتنا المشوب بذات التوتر واضطراب الأعصاب الذي نالَنا داخل القاعة من قبل، وكأنهم يصرون على تكرار ذات صعقة الخوف، لعل هناك من أفلت من اقتناص عيون رجال الأمن المحَملقة، والذين كانوا يقفون عند كل زاوية وصف هتف الجالسون فيه ضد خيانة المتآمرين بملء الحناجر، بصورة هستيرية تحمد الله على السلامة من وعيد النداء بصوت القائد الذي يلقي الرعب في الأوصال لكي يجبر صاحب الاسم الثلاثي على مغادرة القاعة، وفي المرتين كنت من ضمن الهاتفين الثائرين على وحل الخيانة، رغم سخريتي واستهزائي بكل ما جهر به الصوت الذي سوف يظل يدوي في الآذان قرابة ربع قرن، وكأنه يتعمد استفزاز ما بقيَ من صحو أذهاننا ولم تستغرقه الدهشة من هَول وسرعة ما يحدث بعد عدة أيام من احتفال التنصيب الرئاسي، ثم صرت أتكتم على مدامعي أسفًا على كل شيء، لا تهاوي مجموعة "النقطة السوداء" فحسب، لكني لم أجرؤ على البصق إلا داخل غرفتي، موصودة الباب، أمام المرآة الكبيرة التي اعتادت تأكيد مدى أناقتي قبل مغادرة المنزل، فبدت وكأنها تتهشم، وراحت تتهاوى معها ملامح وجهي دون إمكانية استعادتها ثانيةً.

لو أنها منحتني فرصة الكلام لَحدثتها عن الكثير مما وعيتُ عليه مؤخرًا، لست أنا فحسب، بل كل عائلتي، بدءًا من والدي الذي صار يركن إلى الصمت أغلب الوقت، بنظرات يسكنها الخوف وترقب المجهول المهدِد بفقداني هذه المرة للأبد، لا مثل فترات الاعتقال السابقة، التي بدأت منذ زهو الشباب خلال العهود السابقة. يعرف أن الأمر الآن مختلف تمامًا، وأنه لم يعد يمتلك طاقة الاحتمال ولا الصبر أو حدة الغضب التي قد تسوقه إلى طردي من الدار أو حتى ضربي، ومن جهة أخرى لم يعد يدري ما الذي يمكنه فعله كي ينقذني من ورطتي الجديدة، فهو لا يعرف أي وساطة يمكن أن تساعد في تنحية حد سيف السلطة عن رقبتي، وقد فقدَ معارفه وعلاقاته عهدًا تلو الآخر وصارت كل صلاته بالمسؤولين كونه والد أحدهم، ورغم ذلك ظل خوفه يتزايد حينًا بعد حين، مما كان يدفعه أن يهمس في أذني، وكأنه يخشى أن يسترق السمع أحد كتَبة التقارير السرية، أن آخذ حذري ما دمت من ضمن موكب البلاط الجمهوري الذي تتراشق من حوله سهام الاتهامات المترامية مثل شباك تحوم مصائدها حول رؤوس الجميع، وربما أكون وكل مَن سرقتهم غفوات الحلم، كما كان يقول باستمرار، من ضمن أوائل ضحايا الاستفاقة المرَوعة...

كم هو غريب هذا الرجل، والكثيرون مثله ممن يملكون نوعًا من الثقافة خارج سرب الأفكار والمعتقدات والندوات (المؤدلَجة) التي كانت تستلب الكثير من الوقت وجهد السجال تحت رايات الحزب الخفاقة.

لعله يأسف لحالنا جميعًا، لأن اللعنة أصابت أولاده الثلاثة معًا، فلابد بد أن منحة الدراسات العليا الخاصة بأخي حسين سوف يتم إلغاؤها ويُطلب منه العودة إلى العراق، رغم أنه انضم إلى صفوف الحزب منذ أواسط الستينات، متأثرًا بما لدي من حماسة ثورية، لأننا لم نعد في موضع ثقة القيادة، وقد تكون العائلة برمتها صارت تمثل خطرًا على مكاسب الحزب، مع أننا كنا من أوائل مناصريه، ولذات السبب صار شقيقي خليل موظفًا في مخازن في وزارة الخارجية بعد أن كان مؤهلًا لأن يكون وكيل وزارة. وربما ذات اللعنة المجنونة تلحق بشقيقتي الصغرى هدى، التي اخترتُ اسمها عند الولادة تيمنًا باسم رفيقة مناضلة قديمة، هجرت الحزب في فترة الانشقاق بعد أفول نجم قاسم، ومن ثم سافرت مع زوجها الرفيق الحزبي النشط في حقبة الخمسينات إلى خارج العراق.

ليت شقيقتي أيضًا تستطيع النفاد بمصيرها من الأسر الخانق الذي احتوانا جميعًا، إلا أن حظها العاثر أوقعها في شباك شاب طموح أراد التسلق على أكتاف شقيقها المسؤول. بدأ يتغيب عنها ويتهرب من الحضور إلى بيتنا الذي كان بمثابة قبلة الأماني لديه، رغم أني لم أتوانَ عن تلقفه كي أدفعه نحو الأعلى من أجل أن يكون شخصًا ذا مكانة تليق بابنتي، لا أختي فحسب، مع أني أكره المتملقين أمثاله من متطفلي الثورات، إلا أن انجذابها الشديد نحوه، كما لو كان حلم كل الفتيات، جعلني أتغاضى عن نفاقه المفضوح وحبه للتظاهر بأنه من المقربين إليّ وأني أطلعه عما يجري في كواليس القيادة، وقد اتضح أني أجهلها تمامًا، وكذلك تجاوزتُ عن ماضي والده الشيوعي في مرحلة سطوع الراية الحمراء، وإن كان قد تخلى عن مبادئه سريعًا وخلَّف رفاقه في المعتقلات ليعلن براءته من أحلام البروليتارية الأممية مع رفرفة شعاراتنا القومية.

وحدها منال ـ أختنا الكبرى ـ التي لم تتأثر بشيء، فزوجها علي، التاجر في سوق "الشورجة" ظل بمنأى عن السياسة طيلة حياته، مبدأه أن النقود هي الجاه والسلطة الدائمة في بلد تتغير أنظمته مع كل مدٍ ثوري جديد. لطالما تشاجرتُ معه ووصفته بذلذول المال والمتخلف الهمجي، وقد أثر على نوال فصارت مثله تمامًا، وكثيرًا ما نقمتُ على خضوعها له إلى حد التبعية، وكأنها عاشقة تخشى فقدان حبيبها، رغم أنها كانت تشكو من غبائه وشراسة طبعه وحدة مزاجه في بداية زواجهما. زوَّجها والدي من ابن صديقه المقَرب ورفيق صباه في منطقة "باب الشيخ" بعد رسوبها سنتين على التوالي في المرحلة الثانوية، وها هي قد زوَجت ابنها الأكبر وتعيش مع عائلتها في صومعة حصينة ضد الرياح العاتية التي تعصف بالجميع.

لم يشكُ أو حتى يلَمح أن تجارته ومصالحه قد تأثرت بالانهيار المزلزل الذي حدث لي، رغم أنه كان من المستفيدين أيضًا، لكنها استفادة محدودة لم تثقل كاهلي يومًا، ربما لأنه ظل مصرًا ألا يتورط بالسياسة، ولو من بعيد وعلى نحوٍ غير مباشر، وفي المقابل لا أستطيع أن أنسى اهتمامه بي في الآونة الأخيرة، فلم يكتفِ بأن يترك شقيقتي تأتينا كل يوم من بيتهما القريب كي تشرف على احتياجاتنا كالعادة، كما لو أنها أمنا التي لا ترضي أن يشغلها شيء عنا، بل عرض عليّ أكثر من مرة كل ما قد أحتاجه، رغم علمه بعدم حاجتي للمال، كما أنه همس في أذني أنه يستطيع تهريبي عبر حدود الشمال ما دامت الأوضاع غير مستقرة، وقد يلحق بي المزيد من السخط (القيادي) مع استعار حملات الاعتقال بين أوساط كبار الحزبيين بصورة خاصة، كما تتنقل الأخبار في كل مكان، ولو أني وخليل عزمنا السفر بشكل طبيعي لكنا بذلك نعلن أننا ممن لم تكشف تحريات الجهات الأمنية عن خيانتهم، أو تفضح خباياهم فراسة القائد المتعقبة لأي تحرك مريب، وإن كان مجرد إيماءة وجه قد تشير إلى ما يثير سوء ظن سيادته.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

........................

* من رواية "نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة" الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

في نصوص اليوم