نصوص أدبية

سنية عبد عون: أريد ان أنسى...

يتساءل الجالسون في المقهى القريب. من هذا الرجل الغريب الذي يجوب طرقات مدينتنا؟ لعله أخطأ المكان. لا نعرفه. ولم نره من قبل. كانوا ينظرون اليه باشمئزاز وتوجس! لكنه لم يعرهم اهتمامه.

انقبض قلبه فقط لأنهم يعدونه غريبا!. وهو أبن هذه الأرض وهذه الطرقات. لكنه همس مع نفسه ان الحق معهم فقد غيرت السنون ملامحه بالتأكيد. ولكن المرء ليستحي ان يصفونه بالغريب في بلده.

كان الرجل أهيف، طويل القامة، أسمر البشرة، مجعد الشعر تُنبأ ملامحه عن ذكائه الحاد. يرتدي معطفا أسود اللون ويحمل مظلة سوداء أيضا. يوحي منظره بثرائه ويبدو كأنه من الطبقات الأرستقراطية.

كان المطر يهدر كالشلال في منتصف الليل. وهو لا يزال في الذهاب والاياب يتذكر ماضيه. ويهمس مع نفسه: أيها الحمقى لماذا لا تجرؤون الا على الفقراء والغرباء. تعسا لكم ولنظراتكم المقيتة. وتذكر الموقف الذي يؤلم روحه دائما وأبدا ومهما مرت السنون.

قبل عشرين عاما مضت. قضاها في بلد الغربة. وحين عاد اليوم قصد ديارها والحي الذي كانت تسكنه. لكنه تفاجأ ان خريطة الحي قد تغيرت تماما. ولا وجود لديار أهلها فقد وجد في مكانه مبنى ضخما بأربعة طوابق يزدحم فيه الناس للتبضع من محلاته المختلفة في بضاعتها.

وهنا ارتسم أمام ناظريه المشهد القديم الذي انغرس داخل أعماقه السحيقة. وكيف تقدم لخطبتها حين كان فقيرا. وهو يحمل باقة ورد. اقتطفها من حديقة جاره. لم يسألوه عن أسمه ولا عن علمه ولا عن أسرته.

انما سألوه عما يمتلك في البنك ودائرة العقار. وكونه لا يمتلك اجابة لهذه الأسئلة. تكوم على نفسه وهو يحتضن باقة الورد.

وحين أخبروه ان الحب وحده لا يبني بيتا. تلعثم ولم يجد لهم اجابة مقنعة. لذلك طردوه وأغلقوا بابهم بوجهه. وتمّ حبس حبيبته ومنعها من رؤيته. لكنه سمع استغاثتها وبكائها. نعم أحبها كما يحب الفقراء أمانيهم. ودون ضمانات. وبقلب لا يشوبه الخداع والزيف. لم يذق طعم النوم بعد تلك الليلة العصيبة والموجعة.

وفي صباح اليوم التالي قرر الفتى ان يهاجر. فحمل حقيبة سفره تاركا قلبه معلقا على نافذة غرفتها. وصوتها أبى ان يغادر مخيلته. يسمعه في نومه وفي يقظته.

هاجر الفتى. وهو يقنع نفسه ان البعد سيشفي جروحه. لذا تزوج من امرأة من بلد الغربة. لكن قلبه ظل وفيا لغياب قديم.

وحين عاد الى مدينته مثل طفل يعود الى أحضان أمه. أعياه البحث عنها ليعرف أخبارها فقط ولا يتمنى سوى ذلك.

ولكن المصادفة كانت في محطة القطار، التقت عيناه بعينيّ امرأة. دون ان يدري هل هي حبيبته. أو انها امرأة تشبهها حد الوجع الذي أصابه عند رؤيتها. فالخطوة نفسها. الألتفاتة نفسها. وتسريحة شعرها وحتى الهالة المضيئة التي كانت تشع منها. تساءل مع نفسه: يا ترى كيف لم تتغير ملامحها ودون ان تظهر عليها علامات السنين.

ظل واقفا مبهوتا في مكانه بينما سارت هي في طريقها دون ان تعبأ بنظراته وكأنها لا تراه ولا تعرفه. خفق قلبه، وكأنهما بالأمس قد افترقا تذكر الماضي بكل تفاصيله وسمع صوت استغاثتها وبكائها، ونظرات عينيها الوديعتين. انحدرت دموعه الحارة فوق خديه. تنفس الصعداء ثم لزم الصمت.

لكنه قرر ان يتبعها وان كانت ليست حبيبته. دون ان يدري لماذا.!!

ليس بدافع الفضول بل بدافع شوقه لتلك الحبيبة الغائبة. اجتازت المرأة طرقا كثيرة وهو خلفها بخطوات متقاربة ثم استدارت نحو شارع ضيق في حيّ شعبي ويا للضوضاء في هذه الأزقة الترابية.

وهنا تنبه انه نفس الحي الذي كانت تسكنه أسرته قديما. نعم لم يتغير بكل معالمه، وبيوته، وضجيج الأطفال ولعبهم بين الأزقة وانتشار الغبار المتطاير في أجوائه. يا الهي تفوح منه رائحة افتقدها، رائحة ذكريات طفولته وصباه وأهله الذين رحلوا. ارتجف. وسارت قشعريرة هزت بدنه. وسقطت من يده سيجارته، وكأنه دخل الى مكان مقدس. شغله الماضي بحلوه ومره وهجمت عليه الذكريات تباعا. فبقي مبهوتا لا يدري كيف يتصرف. حتى كادت سيارة مارة ان تصدمه وهو يحدق فيها ناسيا حذر الطريق.

كانت المرأة تلتفتُ احيانا وكأنها تشعر بثقل خطواته خلفها.

توقفت فجأة. نظرت اليه طويلا ثم ابتسمت بأسى وقالت: ـ أنت تبحث عن امرأة أخرى. أليس كذلك؟؟... أنا لستُ هي.!!

هذا واضح من حزنك. وحيرتك. واضطرابك.

ثم توارت عن رؤياه. تجمد في مكانه. عندها ادرك ان عشرين عاما هو الزمن الذي ضاع من بين يديه.

وانه لم يكن يبحث عن حبيبته فقط. بل كان يبحث عن نفسه أيضا. يبحث عن الشاب الفقير الذي طردوه لأنه أحب امرأة بكل معاني الوفاء.

ابتعدت المرأة عنه كثيرا. لم يتبعها هذه المرة. بل أخرج من جيبه صورة قديمة. باهتة الحواف لامرأة مبتسمة بجمال وعذوبة. لم يتحمل رؤيتها في كل مرة الا واغرورقت عيناه بالدمع. لكنه تيقن اليوم ان حبيبته هذه لن تعود. حتى لو عادت المدن. وان الفقر الذي طرده بالأمس لم يكن فيما يملكه. بل كان بقسوة عقولهم وتحجر قلوبهم.

وببطء شديد. مزق صورتها. ومشى في الاتجاه المعاكس.

وفي قلبه حب لم يمت لكنه اختار ان يبقى مجرد ذكرى.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

في نصوص اليوم