نصوص أدبية
كريم عبد الله: الغياب والقيامة
صوت الأسير
حين كسروا الباب لم يكن الخشب هو الذي تأوّه، كان الفجرُ نفسه ينقسم نصفين، وكانت السماء تُسقِط زرقتها كقميصٍ مثقوب بالرصاص.
*
جاؤوا بأحذيتهم الثقيلة ليوقظوا اسمي من وسادته، ليعلّقوه على جدارٍ بارد كصورةٍ تُتَّهم بأنها تُشبه الوطن.
*
أنا لستُ جسداً يُساقُ إلى القيود، أنا جامعةٌ تمشي على قدمين، دفترٌ مفتوحٌ في وجه الريح، قصيدةٌ لا تُجيد الانحناء.
*
قالوا: تعال. فقلتُ للهواء: احفظ ملامحي. قلتُ للكتب: لا تُغلقي صفحاتكِ، فالحرية لا تُعتقل، هي فقط تغيّر نافذتها.
*
في الطريق إلى العتمة رأيتُ مدينةً تتكوّر في قلبي، ورأيتُ أمّي تخبّئ الله في طرف شالها كي لا يسقط من الرعب.
*
أنا العائدُ من الأسر إلى أسرٍ آخر، لكنني أعرف: كلُّ قيدٍ يصدأ حين يلامسُ نبضَ الأرض.
*
صوت الأم
يا ولدي، حين داهموا البيت لم أسمع سوى حليب السنوات يغلي في صدري. كنتُ أعرف أن البنادق لا تفهم لغة الأمهات، وأن الجدران حين تُداس تشيخ فجأةً.
*
أخذوكَ كأنك نجمةٌ تُقتلع من سمائها، وتركتَ لي ليلًا طويلاً يمشي في الممرات ويتهجّى اسمك على البلاط.
*
أنا لا أبكيكَ، أنا أزرعكَ في الدعاء. أخبزُ خبزكَ كل صباح وأقسمه بين الملائكة كي لا تجوع روحك.
*
قلبي ليس ضعيفاً، هو فقط واسعٌ بما يكفي ليحتملَ هذا الكون حين يضيقُ بك.
*
يا بني، إذا ضاقت الزنزانة فتذكّر أن رحم الأم أضيق ومنه خرجتَ أوسعَ من الجهات.
*
صوت الحبيب
أيتها التي تُشبهين شجرةَ زيتون تتعلم الصبر من جذورها، لا تنكسري. هو لم يُؤخذ، هو ارتفع. البيوتُ تُداهم حين تخاف الحقيقة، والأبوابُ تُكسَر حين تعجز الكلمات عن إسكاتها.
*
هو – ليس اسماً فحسب، هو وعدٌ يمشي بيننا كي لا نصبح أقلَّ إنسانية. دعيني أضع يدي على كتفك، فالكونُ كله يمرُّ الآن من دمعةٍ في عينيك.
*
سنحفظ صوته كما يُحفَظ الضوء في الزجاج، وسنعلّم الأطفال أن الحرية ليست نشيداً، بل قلباً ينبض رغم الحديد.
*
هو
أنا هنا… أكتبُ على جدار الوقت: لن ينتهي المعنى.
*
هي
أنا هنا… أرفعُ يديَّ ليكبر الدعاءُ بحجم السماء.
*
أنا
ونحن هنا… نشدُّ الليلَ من أطرافه ليتذكّر أن الفجر قادمٌ لا محالة.
*
هكذا تتعدّد الأصوات، لكن الجرح واحد، والوطن قلبٌ كونيّ كلما اعتُقل فيه ابنٌ ازداد نبضُه وضوحاً.
*
والحرية؟ كائنٌ أسطوريّ يتغذّى من الألم ليصير نوراً.
***
بقلم: كريم عبدالله
بغداد - العراق






