نصوص أدبية

إبراهيم برسي: ثرثرة في القطار

ثرثرة في القطار مع امرأة من كوينزلاند

أدخل القطار كما يدخل المرء إلى ذاكرته.

لا أبحث عن مقعد، أبحث عن موضع داخل سيرة تتبدل كل صباح…

للقطار رائحة لا يخطئها الأنف، رائحة خلاسية لا تعرف كيف تُمسك بها: خليط من عرق خفيف، قهوة مسكوبة، وعطر أنثوي لامرأة ثملة. ليست رائحة كريهة ولا طيبة، هي رائحة جماعية لبشر يمضون إلى أعمالهم أو إلى هروبهم الصغير. رائحة مساواة مؤقتة، تتساوى فيها البدلات الغالية الثمن مع الأحذية المهترئة، ويتجاور فيها المدير والعامل من غير أن يتبادلا النظر.

أجلس قرب النافذة.

المدينة تنزلق إلى الخلف، وأنا أبدو ثابتًا. الثبات هنا حيلة بصرية، خدعة هندسية. السكة تمتد مستقيمة كجملة انضباط؛ خطان متوازيان يرفضان الالتقاء، ومع ذلك يحملان كل هذا الاكتظاظ من الحيوات…

أفكر أن السكك الحديدية ليست مجرد طريق للقطار، هي شكل من أشكال السلطة: تنظيم للمسافة، توزيع للحركة، تحديد لما يجوز وما لا يجوز. من يصعد، من ينتظر، من يُنذر، من يُغرَّم.

ومع ذلك، في داخلي، تبقى السكك الحديدية أرشيفًا للحركة، سجلًا للوداعات واللقاءات، دفترًا غير مكتوب لأعمار تُقاس بعدد المحطات.

في ستراثفيلد صعدت امرأة بشعر أشقر مسحوب إلى الخلف بلا عناية زائدة، بشرتها مشبعة بالشمس، وعيناها فيهما بقايا ضوء قديم، وربما بقايا مجون خفيف لم يخضع تمامًا لقوانين المدن المنظمة. جلست إلى جواري بعد أن ألقت نظرة سريعة على المقاعد، نظرة تشبه سؤالًا صامتًا: هل أزعجك؟

كأنها تسأل أيضًا: هل تتسع ذاكرتك لغريب آخر؟

قالت صباح الخير بصوت فيه أثر ملح البحر. عرفت لاحقًا أنها من كوينزلاند. قالت الاسم كما يقول الناس مكانًا تربّوا فيه، لا بفخر صاخب، بل بحب هادئ، كحقيقة تشبه لون البشرة. نطقت الاسم كأنه مناخ، كأنه بطء، كأنه رفض غير معلن لسرعة المدن التي لا تؤمن إلا بالجداول والمذكرات أكثر مما تؤمن بالناس.

تحدثت، ومن دون مقدمات، عن كوينزلاند، عن بيوت ترتفع قليلًا عن الأرض، عن أعاصير تمرّ وتُبقي الخشب واقفًا، عن بحر صافٍ يلمع بعيدًا. قالت إن الناس هناك لا يركضون بلا سبب، وإن الوقت لا يضغط على صدورهم كما يفعل في المدن الكبيرة.

وأنا أفكر أن الوقت لا يضغط على صدور من يملكون أرضهم.

في الثرثرة شيء من الطفولة وشيء من النجاة.

أراقب يديها أكثر من كلماتها. كانت ترسم الهواء وهي تتكلم، كأنها تخيط الشمال في فضاء العربة. صوتها لم يكن موسيقيًا بالمعنى المألوف، لكنه كان صادقًا إلى حد يربكك… في تلك اللحظة أصبح القطار معبرًا بين بحرها ونهري، بين بطء تربّت عليه واستعجال تعلّمته هنا؛ معبرًا بين إيمانها بالضوء وإيماني بالتراب، بين يقينها بالمواسم ويقيني بأن المواسم لا تعترف بنا.

كوينزلاند في فمها لم تكن ولاية، كانت بطئًا مشروعًا. ضوء طويل، أرصفة لا تتعجل الخطى، ومياه تلمع كأنها لا تعرف معنى الاستعجال.

عند نيوتاون يدخل شاب بملامح آسيوية، غارق في شاشة هاتفه، أصابعه تتحرك بسرعة كأنها تهرب من شيء.

نيوتاون محطة لا تخجل من تناقضاتها؛ فقر أنيق، ثراء متخفٍ، لوطيون يصبغون شعرهم باللون الأصفر وهم يرتدون ملابس تميزهم، فنانون يرسمون على الجدران، وموسيقى تتسرب من حقائب صغيرة.

يتوقف القطار مرة اخري في ردفيرن، تصعد امرأة من السكان الأصليين، سحنة داكنة، شعر أسود كثيف، في نظرتها صمت أقدم من المدينة. هناك شيء في ريدفيرن يشبه الوقوف المستمر على الحافة؛ ليس احتجاجًا صاخبًا، وإنما بقاءً عنيدًا، نظرة مستقيمة لا تطلب اعتذارًا من أحد.

وكأن القطار نفسه مجرد ضيف على قصة أطول منه.

القطار يمرّ، والوجوه تبقى.

يمتلئ القطار بوجوه لا تعرف بعضها، ومع ذلك تتقاسم المسافة نفسها. هنا تتجاور الامتيازات والهشاشات؛ يمرّ الجميع عبر البوابة ذاتها، غير أن الطريق إلى البيت ليس واحدًا للجميع. بعضهم يعود إلى شرفة مطلة على الساحل، وبعضهم يعود إلى غرفة لا يدخلها الضوء إلا استئذانًا.

قبل دخول المحطات يتباطأ صوت القطار. احتكاك الحديد بالحديد يتحول إلى أنين خفيف، كأن العربة تتذكر وزنها فجأة… يدخل العربة مفتشان بزي الشرطة، غالبًا ما يكونان امرأةً ورجلًا، يحملان أجهزة فحص التذاكر ببرود منظم. نظرات سريعة، تذاكر تُمرّر أمام شاشة، إيماءة قصيرة، ثم يمضيان.

التدقيق هنا وظيفة، إجراء لا يحتاج إلى معرفة أحد.

الآلة تقرأ التذكرة ولا تسأل عن الحال.

أتذكر الكمساري في القاطرات السودانية. أصل الكلمة “قمسري”، وهي تركية جرى تطويعها حتى استقرت في لهجتنا كما يناسب مخارج ألفاظنا، وتعني موظف تحصيل الأجرة وفحص التذاكر. ثم صارت اسمًا لوجه مألوف في كل رحلة قطار. كان يحمل دفترًا صغيرًا ومثقابًا يثقب التذكرة بثقب دائري دقيق، كأنه يضع علامة على يوم من عمرك انقضى. لم يكن سلطة بالمعنى الصارم بقدر ما كان جزءًا من المشهد. يعرف من لا يملك ثمن التذكرة اليوم، يعرف من يسافر لأول مرة، يعرف من يعود إلى بيته مثقلًا.

العلاقة هناك لم تكن بين سلطة ومسافر، كانت ذاكرة تقرأ وجوهًا، كانت شكلًا بدائيًا من العدالة، أو من التواطؤ الإنساني ضد النظام الصارم.

وجود المفتشين يعيدني إلى مدينة عطبرة، أو “أدبرا” بلغة الحديد والنار. في العطلات المدرسية كنا نصعد إلى القطار كأننا نصعد إلى موسم من الأعياد. كنت أرى الرجال فوق السطح، جالسين كما لو أن السماء سقفهم الطبيعي. لم يكن ذلك تمرّدًا شاعريًا، كان ازدحامًا بالحياة، وضرورة أحيانًا… القطارات في بلادنا لا تكتفي بحمل الناس داخلها، بل يتمدد الركاب إلى الأعلى، إلى الحواف، إلى ما يتبقى من فراغ.

كبرت قليلًا وصعدتُ أنا أيضًا إلى سطح القطار. الهواء يضرب الوجه بقسوة، الغبار يدخل العينين، والخوف يجاور نشوة غامضة. تحتنا الحديد، فوقنا فضاء مفتوح. شعرت يومها أنني أختبر حدًا بين النظام والفوضى، بين المقعد والسطح الذي لا يسأل فيه كمساري عن رقم التذكرة، بين إيمانٍ باللوائح وإيمانٍ بأن الحياة أكبر من ذلك.

وأنا على سطح القطار سمعت من يتحدثون عن قطار نيالا، عن نساء يطبخن فوق سطح القطار، تفور القهوة ويغلي الشاي، يمتزج البخار بالريح. القطار هناك قرية تمشي، سوق عابر، مطبخ تحت السماء. الحياة لا تنتظر الوصول إلى المحطة كي تبدأ، ولا تنتظر ختمًا رسميًا كي تعترف بوجودها.

تسألني المرأة من كوينزلاند: من أين أنت؟

أقول: من السودان.

تتوقف لحظة، تقول إنها تعرفه من الأخبار.

الأخبار لا تعرف السطوح الممتلئة بالبشر، ولا تعرف الدفتر المثقوب، ولا تعرف أن القهوة يمكن أن تُصنع فوق عربة قطار تهتز عبر أرض عطشى. الأخبار تختصر، والسكة في داخلي تطول، تتمدد، ترفض أن تُختصر.

عند المحطة المركزية تنهض. تجمع معطفها، تبتسم ابتسامة قصيرة لا تعد بشيء. تقول إنها تحب القطار لأنه يمنحها وقتًا للتفكير. أقول إنني أحبه لأنه يذكّرني أن كل إقامة مؤقتة، وأن السقف قد يكون من حديد هنا، ومن سماء هناك، وأن الإيمان الحقيقي ليس في الوجهة، بل في الحركة نفسها.

تنزل المرأة. يبرد المقعد.

أتطلع مرة أخرى إلى المقعد الفارغ، ومن غير مقدمات تتشابك في ذهني رائحة الجوافة. كثمرة أعرفها جيدًا، تفوح بقوة، تسبق حضورها وتبقى بعده. لا أراها، لكنني أكاد ألمسها في الهواء، كأنها دليل خفي على أن الأشياء لا تحتاج إلى جسد كي تترك أثرًا. هكذا فعلت تلك المسافرة العابرة، وهكذا تفعل الذاكرة حين تتمرد على الجهاز الذي يريد اختزالها في تذكرة قطار.

سقفان يفصلان حياتي: سقف العربة المنضبط، وسقف السماء فوق عربات تمضي مكتظة. بينهما أتحرك كتذكرة لم تُثقب بعد، نصفها في جهاز إلكتروني، ونصفها في مثقاب يدوي يعرف اسمي، نصفها في نظام يؤمن بالترقيم، ونصفها في فوضى تؤمن بالناس.

أفكر أن السيرة ليست خطًا مستقيمًا، هي سكة تعبر تضاريس السلطة والحنين، تمرّ فوق مدن تعرف النظام وأخرى تعرف الازدحام، وتحمل في عربة واحدة امرأة من الجنوب، وطفلًا من عطبرة، ورجلًا على حافة الجنون يجلس قرب النافذة ويشكّ في كل يقين نهائي ولا يطلب غفرانًا.

القطار يواصل طريقه.

وأنا أظلّ بين سكتين، أكتب نفسي في الفراغ الذي يفصل المقعد عن السطح، والبحر عن النهر، والذاكرة عن شاشة تقرأ الأثر ولا تعرف صاحبه.

***

إبراهيم برسي

 

في نصوص اليوم