ترجمات أدبية

سيرغي يسينين: إلى بوشكين

قصائد للشاعر الروسي الكبير

سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

***

«Гой ты, Русь, моя родная…»

تـألقي يا روسيا

تألقي يا روسيا، يا بلادي الغالية

هذي بُيوتكِ الريفية كأنها أيقونات...

كم أنتِ عظيمة، لا حدودَ لكِ −

وهذا البَهاءُ الأزرق يُكحّل العينين.

**

أبدو كما العابد الزائر

أنظرُ إلى سُهولك الشاسعةِ الواسعة.

وهناك في المُنحدراتِ خلفَ السّياج

تشيخ أشجارُ الصَّفصافِ النحيلة مُصوتة.

**

هنا تلقاكَ رائحة التفاح والعسل

وفي الكنائس يلقاكَ المُخلصُ الوَديعُ

هناك من دبكة الحَلقة على المروج

يُسمَعُ صَخَبُ الرّقص ِ المَرح.

**

سَأعدو على الطريق ِالمغطى بالأعشاب

إلى مُتسعات المُروج الخضر

ومثلما الأقراط الجميلة

تلقاني ضحكاتُ الصّبايا الملاح.

**

إذا ما ناد تني الحامية ُ المُقدسة يوما:

" دع ِ العيشَ في روسيا، ولكَ العَيشُ في الجَنة "

لأجبت: " لا حاجَة للعيش بالجَنّةِ

دعوني أعيش في بلديَ روسيا ".

1914

***

Пушкину

إلى بوشكين

أقف في شارع تفيرسكوي

أقف مخاطبا ذاتي

حالماً بتلك الموهبةِ العظيمة

موهبة ذلك، الذي أصبحَ يشكل وجدانَ روسيا.

**

يا أشقر الشّعر، يا ذا الشّعر القريب من البياض(1)

يا من أصبحتَ بفضل الحكايا شبيها بالضّباب،

يا الكساندر! لقد كنت شاباً طائشا

مثلما أنا اليوم إنسانٌ شقيّ.

**

غير أنّ ذلك اللعب الجميل

لم يحجبْ عننا صورَتكَ

إذ أنك اليومَ وأنتَ مَسكوبٌ ببرونز المَجد

تهزّ رأسَكَ عزة ً وكرامة.

**

أقفُ هنا، كمن يقفُ أمامَ سر عظيم

وأقولُ مُعلناً خطابي إليكَ:

لو قدّر لي أن أحظى بمصير كمصيركَ

لكان نصيبي أن أموتَ من جرّاء السّعادة.

**

غير أن قدري – التشردُ والملاحقة

سأتابعُ غنائي هذا زمنا طويلا ...

كي تستطيع أغنيتي للسّهوب

أن تسمِعَ الناسَ يوما رنينها البرونزي.

1924

***

«Мы теперь уходим понемногу…»

ها نحن نرحلُ، نرحل ...

نرحلُ إلى ذلك العالم، حيث السكينة ُوالرّحمة.

ربما يطلبُ مني القدرُ

أنّ أجمعَ حاجاتي الفانية للرحيل.

**

أيتها الأجماتُ الجميلة في غابة البتولا ! *

أنتِ أيتها الأرضُ ! وأنت أيتها السّهوبُ !

لا أستطيع أن أخفي حنيني

أمامَ مشهدِ من رَحَلوا.

**

لقد أحببتُ كثيرا في هذه الدنيا

أحببتُ كلّ ما يَغمرُ الرّوح.

سلامٌ لأشجار الحور، التي مدت أغصانها

واقفة تنظر إلى المياه الجَميلة.

**

كم خطرتْ على بالي الأفكارُ في هذه السّكينة

كم ألفتُ من الأغاني عن ذاتي،

وعلى هذه الأرض المتجهمة غمرتني السّعادة

لأني عِشتُ وتنفستُ عليها هنا.

**

تلك السعادة عانقتْ روحي من تقبيلي للنساءْ

ومن نومي على العشب، حيث الزهورُ..

أما تلك المَخلوقات من الحيوانات

فلم أقمْ بأمر يؤذي واحدا منها أبدا.

**

أعرفُ أنّ الأجمات لا تزهرُ هناك

وأعناق حبوب الجودار في الحقول لا تصدرُ حفيفا.*

لذا أمام مشهد من رحلوا

يغمرني إحساسٌ يَقشعرّ له البَدَنْ.

**

أعرف أنه في ذلك العالم

لا وجود للحقول، التي تتلوّنُ بالذهبِ أثناء الظلامْ.

من هنا فإنّ مَحبتي للناس كبيرة،

لأولئك الناس، الذين يقيمون معي على هذه الأرضْ.

1924

***

«Свищет ветер, серебряный ветер…»

ها هي الريحُ الفضيّة تصفِرُ

هاهي الرّيح الفضيّة تُصَفِرُ

ويُسمَعُ حَفيفُ الثلج كالحرير.

للمرةِ الأولى يغمرني هذا الإحساس −

ولم يَخطر هذا التفكيرُ ببالي سابقا.

**

رغم الرّطوبة الشديدة في النوافذ

فأنا لستُ نادما على شيء، ولستُ حزينا.

ورغم كلّ ما جرى فقد عَشقتُ الحَياة

أحبَبتها وكأني مازلتُ في أوّل العمر.

**

من نظرة امرأةٍ .. من إبتسامةٍ ساحرة −

تراني قلقٌ ... ما هذا القد الجَميلُ !

ومن عربة روسيةٍ تعبرُ طريقا صَعبا −

أتخيّلُ أني في تلك العربة أطيرُ بعيدا.

**

آه، يا سَعادتي... آه، أيتها الحُظوظ !

إنّ سَعادة الإنسان في محبته لأرضه.

ومن سُمِعَ بكاؤه مرة في هذه الدنيا

فهمنا أنّ الحَظ قد خانه.

**

كم نحن بحاجة إلى العيش بسهولةٍ وبساطة

راضين بكلّ شيء في هذا العالم.

لذا فإنّ الريحَ المندهشة في سَماء الغابة

نراها في ثوبها اللجيني تصيح وتصفِرُ.

1925

***

«Синий май. Заревая теплынь…»

شهرُ أيار

شهر أيار الأزرق، تندفع موجات الدفء المتوهج.

لن تدَقّ حلقة بوابة السّياج.

نبتة الشيح تمنحنا عطرها الفواح

وبطمة الشمال نائمة، يغطيها شرشفها الأبيضُ.

**

على أجنحة الشباك الخشبية

داخل الإطار، وبالستائر الناعمة

ها هو القمرُ المتهوّرُ يزركشُ

على أرض الغرفة نقوشَ الدانتِلا الجميلة.

**

غرفة الاستقبال مع أنها صغيرة

أراها نظيفة، وأنا هنا وحدي أرتاح

في هذا المساء أرى الحياة لطيفة

كأنها ذكرى صديق ٍ طيّب.

**

ها هو البستان يطلع بألوانه كالحريق

أما القمرُ فيجهدُ النفس

كأني به يريدُ أن يطال كلّ واحد مننا

الشعورُ الدافئُ من الكلمة المُؤثرة "لطيف".

**

أنا وحدي في وسط الزهور، وفي هذا المدى

على وقع أنغام هارمونيكا بشهر أيار المرح

لا أتمنى شيئا آخرَ أبدا

وأتقبلُ كلّ شيء راضيا دون تردد.

**

أجل أتقبلُ كلّ شيء .. تقدمي..

تقدمي، واظهري مع كلّ ما فيك من ألم ومسرّة

سلامٌ إليك أيتها الحَياة، التي قد انقضتْ

سلامٌ إليك أيتها البرودة الزرقاء.

1925

***

Сестре Шуре *

«Я красивых, таких не видел…»

إلى أختي شورا

ما رأيتُ هكذا جَميلات مثلك

ولكن، أتدرين أني أخفي أسَفي

غير أنّ ضَيمي هذا أبيضُ

كونك تعيشين فترة شبابي من جديد.

**

أنتِ كلمتي الزرقاءُ الجَميلة،

أنتِ الإنسانُ، الذي أحببته إلى الأبدْ.

كيفَ حال بقرتنا اليوم ؟

كيفَ تدهك ُ حُزنَ قصَل الحَشائش؟

**

أسمعُ كيف تغنينَ وتغمرني السَّعادة،

أرجوك أن تعيدي ليَ الروحَ بحلم الطفولةِ هذا.

وهل انتهى موسمُ ريابينا الحَمراء..*

وتجمعتْ أوراقها تحت شباكِنا الأبيض ؟

**

بأي العبارات تغني اليومَ أمّي مع شغلها بالكتان ؟

لقد غادرتُ الضيعة إلى الأبد،

ولكن أعرفُ أن العاصفة القرمزية

قد جمعتْ أوراقَ الشجر أمامَ السقيفة.

**

وأعرف أنّ كلبنا حزين

ها هو بدلا من المُداعبة، وبدل الدموع علينا نحن

ترينه عند البوابة يعوي حزينا لأننا تركناه

يعوي كأنّ شابا يبكي فقدانَ عروس غالية.

**

أنا لن أعودَ.. لا حاجة لذلك

لهذا لقد جاء متاخرا

مثلما الحب، مثلما الحزن، أو الفرح

وصولُ المنديل الريازاني الجميل إليكِ.

1925

***

Сестре Шуре

«Ты запой мне ту песню, что прежде…»

إلى أختي شورا

غني لي...

غني لي تلك الأغنية، التي

كانت أمّي ترددها في عمرها المُتقدم.

وأنا، غير متأسّف على الأمل الذي مات

قادرٌ أن أرددَ ذلك النغم بعدكِ.

**

أنا حقا أعرفُ ولم أنس الكلمات

لذا بإمكانك إثارة إحساسي، وتلك المشاعر

كأنني من بيتنا الغالي

أسمع ذلك الصّوتَ، وفيه تلك الرّجفات.

**

غني لي... وأنا بهذه الأغنية

فقط بهذه الأغنية، مثلك

يكفيني أن أغمضَ عيني

لأرى من جديد تلك الملامحَ الغالية.

**

غني لي... حقا إنّ سعادتي −

بكوني لست وحدي من أحبّ إلى الأبد

بوابة البستان في موسم الخريف

وأوراقَ ريابينا المتساقطة.

**

غني لي ... وأنا سأتذكرُ

ولن أكون ناسيا متجهما :

فالذكرى ستسعد ني بأن أرى

أمّي ود جاجاتها الكئيبة.

**

أنا بفضل الضّباب والندى

أحببتُ هذا القد لدى شجرة البتولا

وأحببتُ ضفائرها الذهبية

وفستانها الجميل الفضفاض.

**

لذا فالقلب مرتاح −

وبفضل الأغنية، وبفضل الخمرة

فقد بدوتِ لي أنك شجرة البتولا

الواقفة أمام شباكنا الغالي.

1925

***

«Жизнь – обман с чарующей тоскою…»

الحياة كذبٌ مزركش

ما الحياة − سوى كذب مزركش بالحنين

لذا فهي قوية، قوية جدا

كونها بيدها الخشنة

تكتب نصوصاً تحدّدُ المَصيرَ والقدَرَ.

**

أنا دائما، حين أغمض عينيّ

أقول: " إنها فقط تعرّضُ القلبَ للقلق

فالحياة – كذبٌ، غير أنّ الحياة أحيانا

تجمّلُ هذا الكذبَ بنوع من الفرحْ.

**

وَجّهْ مُحيّاكَ نحو السّماء الشائبة

وتعرّفْ على مصيرك لدى القمر

إهدأ أيها المَخلوق الفاني، لا تطلبْ

تلك الحقيقةَ.. فهي لا تلزمك".

**

جميلٌ أنك في وقت العاصفة البطمية

تفكر هكذا : ما الحياة − سوى طريق

ربما تقوم بالكذب عليك صَديقاتٌ لعاِئبُ

ربما يقوم بخيانتك فريقٌ من الأصدقاء.

**

دعوهم يداعبوني بكلمة ناعمة (2)

لتكن ألسنتهم اللئيمة − أحدّ من الشفرة

فأنا أعيشُ، ومنذ زمن مُستعدٌ

وتعودَتْ نفسي على كل أنواع القساوة.

**

هذه الأبعاد السماوية تجمّدُ روحي

لا دفءَ أبدا من نار تلك النجوم.

فمن أحبَبتهم أنا قد تخلوا عني،

ومن عشتُ لأجلهم تركوني.

**

لكني أنا المُلاحَقُ والمُضطهَدُ

أنظرُ إلى الفجر بابتسامةٍ

وأعيشُ على هذه الأرض الحبيبةِ

وأبدي شكري للحياةِ على كل شيء.

1925

***

........................

مصادر وهوامش:

1) لم يكن بوشكين أشقر الشعر، إنما كان يسينين يرى

إنعكاس الأضواء على تمثال بوشكين في شارع تفيرسكوي.

* شجرة البتولا الجميلة، هكذا يكتب إسمها، وإذا صودفت في أعمالنا دون حرف الألف - فذلك خطأ مطبعي.

* الجودار – هو نوع من الحبوب، يزرع في روسيا.

- واحدة من أخوات الشاعر. * شورا – إسم تلطيف من ألكساندرا

- ريابينا – هي ثمرة من ثمار أشجار الغابة، لونها أحمر وجميل

تسمى لدينا بالعربية – حَبة غُبيراء.

2) كان لدى الشاعر أعداء داخل أجهزة السلطة الفتية، وخارجها.

3) هذه النصوص أخذت من مجموعة أعمال سيرغي يسينين في مجلدين أشرف على جمعها وإصدارها السيد يو. ل. بروكوشيف عامي 1990-

1991 في دار النشر سوفيتسكايا روسيا.تمت أعمال الترجمة من هذه النصوص المدونة باللغة الروسية..المترجم.

......................

وجهة نظر حول أمور الترجمة:

بصدد قيام زملاء لنا بترجمة أعمال للكتاب أو الشعراء الروس من لغة ليست لغة الكاتب - أقول: نحن معشر خريجي الجامعات الروسية، الخبراء في الأدب الروسي لسنا أوصياء على الإرث الروسي في المكتبة العالمية، ولكن نظريات الترجمة تقول أن ترجمة أي نص أدبي من لغة ليست لغة الكاتب الأصلية لابد أن تنعكس سلبا على جودة النص في اللغة، التي نتوخى الترجمة إليها. في الآونة الأخيرة تكرر ظهور هكذا أعمال نقلت من الفرنسية أو الإنجليزية غابت فيها التسميات الأصلية لدى الكتاب الروس وبالنص الروسي. كيف للمحقق أو طالب الدراسات العليا، او الباحث الأستفادة من هكذا ترجمة؟ هذا هو السؤال.نحن في ترجماتنا نترك للباحث التسمية الأصلية لدى الكاتب الروسي، وبلغة هذا الكاتب. أقول ذلك كون التسمية أو (عنوان النص الأدبي الأصلي) ليس من الضروري أن تنقل حرفيا.

في نصوص اليوم