نصوص أدبية

كريم عبد الله: الليالي الحمراء في فندقٍ بعيد

حين التهمت الحربُ خرائطَنا وتركت أوطانَنا رمادًا يتطاير في نشرات الأخبار، حملنا ما تبقّى من قلوبنا وسافرنا.

*

لم نكن نهرب، كنا نبحث عن بقعةٍ لا تعرف أسماء الجنرالات، عن سماءٍ لا تسقط منها القذائف بل نجومٌ صافية تلمع كأملٍ صغير في جيب عاشقين.

*

على باب الفندق وقفنا. أنا وأنتِ. غريبان يعرف كلٌّ منهما تفاصيل روح الآخر، غريبان التقيا لأول مرة كأنّ السنوات الطويلة لم تكن فراقًا بل امتحانًا لقلبين أقسما أن ينجوا.

*

رأيتكِ. لا صورةً على شاشة، لا صوتًا مرتجفًا عبر أسلاكٍ بعيدة، بل جسدًا من نورٍ وارتعاش. تقدّمتِ خطوة، وتقدّمتُ عمراً كاملاً.

*

حين تعانقنا — توقّف العالم . انطفأت المدافع، خجل الرصاص، وانسحبت الحرب إلى زواياها المظلمة. كان العناق وطناً. وكان صدركِ الحدودَ الوحيدة التي أعترف بها.

*

لم نصدّق. كأنّ المعجزة تخاف أن تُفضَح، وكأنّ الحلم قد يستيقظ إن نطقنا باسمه. ضحكنا وبكينا في الوقت ذاته، وتعلّقنا ببعضنا كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة وسط بحرٍ من الفقد.

*

حجزنا غرفةً كأننا نحجز زمناً خاصاً بنا. أغلقنا الباب، لا لنختبئ، بل لنحمي اللحظة من الغدر.

*

كل دقيقة كانت كنزًا، كل نظرة صلاة، كل لمسة اعترافًا بأن الشوق إذا طال يتحوّل إلى نارٍ مقدّسة.

*

على السرير لم نكن جسدين، بل جبهتين ترفضـان الهزيمة.

*

استسلمنا لرغباتنا كما تستسلم الأرض للمطر بعد جفافٍ طويل، كما يذوب الثلج حين تعترف له الشمس بحبّها.

*

كان الجنون خلاصًا، وكانت أنفاسنا نشيدًا سرّيًا يعلو فوق خطابات الحرب.

*

وفي الليالي الحمراء لم يكن اللون لون الخطيئة، بل لون الحياة حين تقرر أن تنتصر ولو مؤقتًا.

*

لعنّا الحرب. لعنّا وجوهها الباردة، ولعنّا الرجال الذين باعوا البلاد مقابل مقاعد أعلى وطاولات أطول.

*

قلنا إن الحبَّ أشرف من كل بياناتهم، وأن قبلةً صادقة أصدق من كل راياتهم.

*

ثم جاء الصباح الأخير. كان الضوء ثقيلاً، كأنه يعرف أننا سنفترق.

*

على باب الفندق ذاته وقفنا مرةً أخرى، لكننا هذه المرة كنّا نحمل يقينًا موجعًا:

*

أن الحرب اتسعت، وأن الطرق أُغلقت، وأن القلوب نفسها قد تُحاصر.

*

احتضنّا بعضنا طويلاً. لا كوداعٍ عابر، بل كمن يطبع ذاكرته في جسد الزمن.

*

قلتِ شيئًا لم أسمعه، لأن دقّات قلبي كانت أعلى. وقلتُ لكِ شيئًا لم تفهميه، لأن دموعكِ سبقت اللغة.

*

افترقنا. لكن تلك الليالي لم تكن نزوةً في فندقٍ محايد، بل كانت إعلانًا سريًا أن الحبّ أقوى من المدافع، وأبقى من الطغاة، وأصدق من خرائطٍ رسمتها الدماء.

*

وإن لم نلتقِ مرةً أخرى، فقد التقينا بما يكفي لنؤمن أن في هذا الكون رغم كل شيء فسحةً حمراء اسمها: الحياة.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

في نصوص اليوم