نصوص أدبية

سعد غلام: خرائطُ الماءِ لتاريخِ الطميِّ الأوَّلِ

في زمنِ هجرةِ الينابيعِ

أُطاردُ صوتي في مرايا الفقدِ

ويحصرُ قلبي جليدُ الكربْ

أسائلُ ليلي: أيُّ سماءٍ تُضيءُ؟

وأيُّ نجومٍ تُشيرُ إلى البدءِ؟

كيفَ العبورُ بضيقِ المسيرِ؟

ليلٌ يُمازجُ حلمًا بجرحْ

في كأسِ بدءٍ.. مريرٍ ثقيلْ

2

سأمشي على جمرِ هذا الطريقِ

حافيًا أقتفي الأثرْ

من يقرأُ الآنَ لوحَ الغيابِ؟

كأنَّ الغيابَ كتابُ القَدَرْ

ومن طينِ بدءِ التكوينِ صوتٌ

يهمسُ: لا

لن أكتبَ اسمي لوهمٍ يمرْ

ولا أتبعُ الريحَ إن ذرَّتِ

بذورَ الطميِّ بلا مطرْ

3

لي في الفجرِ وجعٌ يتجدّدْ

وفي النبضِ تسكنُ كلُّ الحكايا

أوجاعيَ المعلّقاتُ تلوحُ

كطيفٍ على رمادِ الطللْ

وفي ومضِ الصبحِ أبصرُ

نفسًا تفيضُ من الماءِ حيًّا

تحملُ جمرًا خفيًّا بصدرْ

يخبو طويلًا بليلٍ بعيدْ

وراءَ السكونِ صوتٌ يشقُّ الصمتْ

غالبًا..

يسائلُ دمعي ظلَّهُ:

أجئتُ من الماءِ؟

أم ضيّعتُ بابَ الرُّجى؟

4

من يمسكُ الطيفَ إن يتبخّرْ؟

من يوقدُ الدربَ إن ينطفئْ؟

إذا أطفأ الحزنُ مصباحَهُ

وضاعَ الزمانُ بين السطورْ

تقولُ النخيلُ: لن أهبَ الظلَّ

لوجهٍ غريبٍ لا يعرفُ الماءْ

ولا أسقي العطاشى سحابًا

يفرُّ قبيلَ اكتمالِ المطرْ

5

أدورُ بدهليزِ نفسي كثيرًا

ويطاردُ صوتي خطايَ البعيدةْ

ليلُ الأسئلةِ المستطيلْ

يثقلُ صدري.. يطولُ المدى

فأينَ سيولدُ فجرُ اليقينْ؟

وأيُّ اتجاهٍ يعيدُ البدءَ؟

كيفَ الخروجُ من الاختناقْ؟

كونٌ يختنقُ في زفيرٍ

بصدرٍ وحيدٍ.. بلا انتظارْ

6

من يمشي مع الريحِ دونَ انكسارْ؟

من يقرأُ الليلَ حتى السَّحَرْ؟

ويصبرُ لا ينثني للعدمْ؟

تقولُ الأرضُ: لن أُعطيَ الماءْ

لظمأٍ أعمى لا يرى النهرَ

ولا أمدُّ يديَّ لقمرْ

شحيحٍ.. يذوبُ قبيلَ الفجرْ

7

لي في الفجيعةِ نبضٌ خفيّ

وفي العينِ حكايةُ صمتٍ طويلْ

ذكرياتي المعلّقاتُ تمضي

بفضاءِ طميٍّ قديمٍ ثقيلْ

وفي شرارةِ الضوءِ أحيا

وأنهضُ من لهبِ الشكِّ حيًّا

أمدُّ كفّي إلى الغيمِ

وأُبصرُ طيرًا من الضوءِ يعلو

غالبًا..

يسائلُ دربي خطايَ:

إلى أيِّ أصلٍ أمضي؟

8

لي في الجراحِ حروفٌ خفيّةْ

وفي العينِ دمعُ التشكّي

جراحي تطيرُ كطيرٍ شريدْ

وفي خيطِ صبحٍ أرى

نافذةَ النورِ قد فُتحتْ

فأكتبُ فوقَ الضلوعِ: ربما..

يسائلُ مائي مجراهُ:

إلى أينَ يمضي

إذا غابَ عنهُ البحرُ؟

كودا: (نقشُ الماء)

أمشي.. وفي كفّي نقشُ الماءْ

أرسمُ دربًا لظلٍّ إذا ضلَّ

وأقولُ للأرضِ: يا ناسِيَةَ الاسمِ

ما زالَ للطينِ صوتٌ يُنادي

وما زالَ للماءِ بابٌ خفيّ

يفتحُ في الصدرِ

أوّلَ نبضْ

***

د. سعد غلام

 

في نصوص اليوم