نصوص أدبية
رجاء البوعلي: وجه الليل
أدرت ُ المفتاح مرتين، أقفلت باب الغرفة.. انغمست في فراشي البارد بعد منتصف الليل سعيدة ً بحرية الفراش، سريرٌ أتلوى على جزء من يساره وأترك اليمين للهواء القادم من كل زاوية يعيث في اللاشيء، فلقد أخذت كل الغطاء لي فارهة ً بليلة هادئة حرة تشبه ليالي العازبات اللاتي تأخر عليهن قطار الحب فاستبدلنه بحب الذات لإتمام مهمة الحياة على أكمل وجه، وأولئك اللاتي طلقن أزواجهن أو الآخرون نفروا منهن، تألمن قليلًا ثم انهمرن بالحياة، أصبحن ممطرات طوال العام في حالة من تشتيت ذهن العالم عن فراغهن العاطفي واضطراباتهن النفسية تجاه الرجل وإشكالية االرتباط به، استثمرن ما لديهن بصدق ووهم معًا، صدقن ّ وكذبنّ، حتى قلبن طاولة الحظ بتحد ٍ رومانسي، اخترن الظفر بكل شيء كرد ٍ موغل في الأنانية ولكنه ضبابي، يرفضن المشاركة والمناصفة ابتداء ً من لحاف النوم وانتهاء ً بالراتب الشهري، ويصرخن في وجه التنازل والتضحية صرخة ً ناعمة ً لكنها ثابتة ٌ وعنيدة كقفل باب قديم!
كان عقرب الساعة يسير متجاوزًا حد الواحدة صباحًا، فتكاثرت خيالات الشعراء والشاعرات على الحائط، بين جالس وواقف ومنكب على أوراقه، يكتبون قصائد َ رهيفة ً ويسكبون أحاسيس عذبة ً لا تظهر إلا في عتمة الليل وهدوء المدينة، ولأول مرة في تاريخ سهري أغبط الشعراء المتقاعدين؛ الذين لطالما اعتبرت أن الزمن غلبهم، والشاعرات اللاتي ليس لديهن وظائف غير إراقة الشعور، فكأنما وجب على العامة أن تنام لتستيقظ باكر ًا للعمل والكدح، وعلى الشعراء وحدهم أن يسهروا الليالي ليكتبوا مشاعر النائمين ممن لم تمنحهم الحياة فرصة الاعتناء باللحظة قبل فواتها كليًا، حاولت أن أعزف نوتة ً شعرية ً لها من القداسة ما يُصمت الشاعر الخبير، ومن العذوبة ما يقدح شرارة الغيرة في قلب الشاعرة المتكلفة بثقة ٍ مُفتعلة، أما صغار الكُتاب من الناشئين والناشئات الذين يكتبون أضعاف ما يقرؤون فهؤلاء حتمًا ستفعل فيهم النوتة فعل السحر.
نظرت ُ إلى الجدار فتبدت لي شاعرة منهمكة على طاولة خشبية تستضيء بنورٍ، أباجورة خافتة، لا أعلم سر وجودها وحيدةً؛ لكني اُقدم افتراض انفصالها عن الزوج واكتفائها بصداقات دافئة، لديها طفل نائم لا تنوي إنجاب أكثر من ذلك، تقضي ليلها ونهارها في هذه الغرفة المسوّرة بالكتب شاهقة الارتفاع، لا تتوقف عن الإنتاج الإبداعي الصافي، كيف لا وكل شيء ملكها لوحدها، لا تخضع للشراكة حتى في طبق الطعام، فإذا ما اشتاقت للألفة هاتفت الأصدقاء واستداروا حولها، ماذا تحتاج امرأة مثلها؟ قليل من كل شيء يرويها، مهمومة بما تحمله هذه الأرشيفات الورقية، ثم ماذا..؟
ظلت طوال الليل على هذه الوضعية لم تحرك عضوًا في جسدها غير رأسها واليدين، حتى انفتح الباب بهدوء ساحر يكشف عن ابتسامة ستينية تفرد ُ وجهه المضيء، يجلس برزانة أخاذة على كرسي متحرك، وقد ترك كتابه يستريح على فخذيه العاطلين عن العمل إلا من حمل الكتب وحملها، كيف لا وقد نكبها الطريق السريع فالتهم زوجها وطفلها قبل بضعة أعوام، طارت مضامينها نحو السماء ثم هوت قُرب مقعده المتحرك، نظرت لرجل مشغول في غربته يكبر ُ والدها بثالث أعوام، ومن هول الارتطام بالأرض مرة ً ثانية ً تماهت الرؤية أمام عينيها، فتكثفت عليها صمامات الأبوة والحب والرفقة والشراكة والعشق، سلمت مضامينها لقدر ٍ جديد بعد أن استنفذت قواها في البكاء على ٍعُمر ٍ مر ّ كبرق البصر فاقترب نحوها، أطلقت ذراعيها تُمددهما بعد شوط ًطويل من القراءة الليلية، نزحت نحو حضنه في غمرة دفء، طبع قبلة عميقة ً على رقبتها، ثم سألها عن آخر ما وصلت إليه في كتابها الأخير، قدم لها أسماء نُقاد من أصحابه قد تستفيد من كتاباتهم في مشروعها الحالي، أخذ رشفة ً من كأس الماء الموضوع على الطاولة، وأبلغها بأنه ذاهب للفراش، عليه الاستيقاظ مبكر ًا، فقضمت قطعة ً من خده وهي تقول: أحبك ولا أشبع، أحبك حتى تخمد أنفاسي. عادت لمكانها، وانسحب إلى الخارج تاركًا إغلاق الباب للريح.
رف ّ جفني بلا إرادة، فخرجت ُ من الجدار قبل أن أسألها عن الحُب، حاولت ُ العودة، أغمضت ُ عيني بشدة وفتحتها مرارًا، بحثت ُ عنها في باب الغرفة والسقف، النوافذ والستائر، وأغطية السرير والوسائد؛ فلم أجدها! سمعت ُ شدو عصفور عند النافذة، فعرفت أن علي ّ أن أدير المفتاح مرتين وأفتح باب الغرفة.
قصة: رجاء البوعلي
........................
لوحة القصة: الفنانة إيمان اليامي
كتاب: عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي
الناشر: منشورات جدل







