تنطلق الأيام مسرعة، يومًا بعد يوم، عمر يتسرّب من بين الأصابع كالماء، عمر لا يمكن أن تدرك إيقاع أيامه، أو هو عمر " لم يتبق فيه أكثر مما مضى" كما تقول أم أحمد السيّدة التي تعمل فدوى عندها وتقوم برعايتها والاهتمام بها، إنّه عمل يكفيها سؤال الناس، من خلاله توفّر حياة كريمة لنفسها ولأولادها الذين اشتاقت لهم، فهي رغم حبّها لعملها وارتباطها بأم أحمد تحتاج إلى العودة إلى بلدتها الواقعة في الجزء الشماليّ من الضفة الغربيّة، من يدري كيف حال الأولاد؟ أيحتاجون شيئًا؟ أيفتقدونها كما تفتقدهم؟
اشتاقت لبلدتها، لينابيع مياهها العذبة، لجبالها الممتّدة، حاراتها ومساجدها، أسواقها التي تعجّ بالناس، حجارتها الأثريّة، أبنيتها المعماريّة وأزقتها الضيّقة الجميلة، للحمام التركيّ، لورش الفخار والنسيج، لخان التجار وبرج الساعة، وأكثر ما اشتاقت إليه الكنافة ورائحة صابونها، والاشتياق شعور صعب!
لكنّ وضع السيّدة أم أحمد يتدهور تدريجيًا، مما يجعل فدوى تفضل البقاء، فالسيّدة الكبيرة تحبّها كأبنائها، وهي تحبّها كأمها التي فقدتها وهي صغيرة لم تكد تتجاوز الخمس سنوات، وراحت تنقّب في زوايا الذاكرة عن صور متعاقبة لأحداث حياتها، ذلك اليوم الذي لن تنساه أبدًا، كانت مع والديها في طريقهم نحو المعبر، فاجأ المخاض والدتها، أنجبت هناك عند الحاجز، وتوفي الصغير كان ولدًا، بكت المولود الذي كانت ترغب أن تسميه إبراهيم، وفي البيت ثلاث بنات صغيرات، وبعد يومين توفيت أمّها حزنًا وكمدًا، يومها انفطر قلبها وخارت قواها، رحيلها كسر جميع أفراد العائلة، وبموتها فقدت نبعًا ثرًّا من الحبّ.
مرارة تلو مرارة، تجذّرت وتعمّقت في نفسها، كانت تحبّ القراءة، تحلم أن تكون شاعرة كفدوى طوقان، تأخذ الكتب إلى أعماقها، تسري في عروقها، تكتب شعرًا ينير دربها المعتمة فيتسلّل النور إلى قلبها، لكن لا تجري الرياح كما تشاء السفن، إذ لم تنل إلّا رحلتها الصعبة، وطريقًا وعرًا في جبل صلد، إذ ما معنى أن تكون محاصرة، جائعة، مدمّرة، مهمّشة، ومنسية، ما معنى أن يكون زوجها معتقلًا وأن تقضي حياتها مطاردة عرجاء، تدخل إلى منطقة الجليل خفية، تعمل وتعود عبر طرق ترابيّة، وهي رغم الظروف السيئة ترسم على وجهها ابتسامة تبثّ من خلالها الرضى والقناعة بقضاء الله وتدابيره.
يتآكل الماضي تحت وطأة العمر، تستلقي على السرير الطبيّ الجديد الذي أحضره أبناء أم أحمد من صندوق المرضى، تغمض عينيها فتتسلّل الذكريات، تحلّق في فضاءاتها، تجول في شوارع بلدتها على ألحان المطر، وتتنهّد تنهيدة عميقة تختبئ خلفها الكثير من الأسرار، ويرسم القهر في عينيها لوحة حزينة.
ترى نفسها ثانية تركض مع مجموعة من الطالبات في أحد شوارع بلدتها، تنجح في الاختباء ممن يلاحقهن، تتسلّل عبر أحد الأبواب المفتوحة، تختبئ بحذر، تنظر خلسة فتراه لا يزال يجول جيئة وذهابًا، تسيطر عليها حالة من الرعب والهلع، تحبس أنفاسها وتلهج بالأدعية، تنتظر وتنتظر وتظنّ بعد فترة أنّه غادر المكان، تخرج من مخبئها مسرعة، تتعثّر في سيرها، تسمع أصوات أقدام ورصاص، تحاول الزحف نحو ساتر يحميها من وابل الرصاص؛ فتصيبها رصاصة غادرة في ساقها اليسرى، تناثرت الدماء في كلّ مكان، تُنقل إلى المشفى لتحاول التعافي من إصابتها وألم نفسيّ لن يفارقها طوال حياتها، تفيق من التخدير ببطء، تشعر بترنح وثقل، يدوم علاجها عدة أشهر، وكان هذا آخر عهدها بالمدرسة الثانويّة، بعد شفائها قرّر والدها تزويجها، لم يكن بإمكانها أن ترفض، فمن يقبل بفتاة عرجاء؟ عاشت مع زوجها خمس سنوات عانت فيها شظف العيش، ثمّ اعتقل تاركًا لها ولدًا وبنتين صغيرتين يحتاجون كلّ الرعاية والاهتمام، فقرّرت أن تعمل في إحدى بلدات الشمال كمرافقة لسيّدة مسنة، ثلاث سنوات مرّت وهي تعمل وتوفّر من أجل أبنائها.
إحساس رهيب بالغربة يملأ نفسها، ألم شديد ينتابها، تستنشق الهواء بصعوبة، تتناول حبة دواء لعلّ الآلام تزول، وتعاود الاستلقاء على السرير الطبيّ الجديد، كم هي غريبة ومُرّة هذه الحياة! تهبّ نسمة هواء باردة تبدّد الاختناق المحيط بها، قريبًا سيحلّ الليل، وستتصل هاتفيًّا بصغارها وشقيقاتها لتطمئن عليهم، وستتداعى أحاديث الحنين والوجع والغربة.
أصابتها حالة من الوهن الشديد، وتسلّل شريط حياتها أمام عينيها بلمح البصر... أم تراها ماتت؟!
أهذا ما يسمونه استرجاع الذكريات؟ وبين الزمنين تنهض الأحلام، تنُسى الجراح الغائرة، فكلّ شيء مُباح، ونومها زاخرٌ بالأحلام، تحلم أنّها في بيتها الجديد، سكينة تملأ المكان، تجلس مع أبنائها سعيدة مبتهجة، تحلم أنّها أكملت تعليمها، وأنّها تعمل كمعلمة، الأحلام حقيقتها السريّة، تعلمُ أنّ الأمم لم تنهض إلّا من أحلامها، تحلم بأجراس العودة التي لم تُقرع...لكن ما هذا الصوت؟ إنّ هناك حقًا شيء ما يُقرع، لعلّها أجراس العودة حقًا! تقرع وتقرع والصوت يزداد شدّة، ووقع خطوات آخذة في الاقتراب منها، وصوت إلى جانبها ينادي:
-فدوى، مالك يا حبيبتي؟ كيف أصبحت الآن؟ أحتاج إلى مساعدتك.
آه.. إنّه صوت الجرس الذي تستخدمه سيّدتها عندما تحتاج مساعدتها، تصحو على واقعها، ستبقى وتساعدها، تدرك ذلك، ولكنّها تدرك أيضًا أنّ عليها أن تصمد وتكافح، أن تحوّل الألم إلى جمال، والمحنة إلى حكاية، عليها أن تنهض وتطارد أحلامها وتحقّقها لعلّ جرس عودتها يُقرع.
***
بقلم: د. نجوى غنيم








