عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ميلا العياري: على الضفة الأخرى من العمر

تعالَ... خذْ من نبضي نوافذَ، وافتحْها على روحي، ومن حنيني قاربًا صغيرًا لا يخافُ عواصفَ البحار... تعالَ، لنعلّقْ على أكتافِ الليلِ قناديلَ من نجوم، ونمضي إلى بلادٍ لا تعرفُ الفراق، نبني فيها من خشبِ أرواحنا بيتًا ينامُ على كتفِ الغيم، وتحتَ سقفهِ نخبّئُ ما تبقّى لنا من عمرٍ أضاعتهُ الجهات...

تعالَ، لنجعلْ من شفاهنا صلاةً، ومن عناقنا وطنًا، ومن هذا الحبِّ الذي تأخرَ كثيرًا معجزةً لا تحتاجُ إلى نبوءة.

**

تعالَ... نركبْ موجةً من حريرِ الحنين، ونشقُّ بها زرقةَ بحرٍ لم تطأهُ سفنُ الفاتحين؛ نبحثُ عن جزيرةٍ لا تصلُ إليها خرائطُ العابرين، نتركُ على رملها خطوتينِ متجاورتين، ثم نمحو آثارنا كي لا يعرفَ العالمُ أين اختبأنا. هناك، حيثُ النوارسُ تحفظُ أسماءَ العاشقين، وحيثُ القمرُ يسكبُ فضتهُ على كتفيك، أضعُ رأسي على صدرك، وأصغي إلى قلبك وهو يحكي لي ما عجزتْ عن قولهِ كلُّ رسائلِ الغياب.

**

تعالَ... نرافقْ قوافلَ المساء في صحارى العمر، ونستعيرُ من البدوِ خيامًا لليلةٍ واحدة، نعلّقُ فوقها مصباحًا من يراعة، ونتركُ للريحِ مهمةَ قراءةِ أسرارنا. نبحثُ عن نايٍ سريٍّ ضلَّ طريقهُ بين كثبانِ السراب، فإذا وجدهُ قلبُك عزفَ لنا لحنًا من مقامٍ لا يعرفهُ سوى عاشقين؛ أنا وأنت، ونجمةٌ بعيدةٌ أضاعتْ تاجها في بئرٍ من عسلِ الليل.

**

تعالَ... نحلقْ كفراشتينِ أفلتتا من كتابِ الأساطير، إلى بستانٍ معلّقٍ بين الأرضِ والسماء، تتدلّى من أغصانهِ عناقيدُ العنبِ كأنها ثرياتُ قصرٍ شرقي، وتفوحُ من ممراتهِ رائحةُ الآسِ والريحانِ والنسرين. نتركُ أقدامنا حافيةً على عشبٍ لم يعرفْ خطوَ العابرين، ونشربُ من كأسِ الندى حتى تثملَ أرواحنا، ثم نغنّي للحبِّ كما لو أنَّ أم كلثومَ خبّأتْ في حنجرتها قصيدتنا، وكأنَّ فيروزَ تعرفُ منذُ زمنٍ طويلٍ أنَّ لنا صباحًا لم يولد بعد.

**

تعالَ... نختبئْ في بيتٍ صغيرٍ على سفحِ جبلٍ نسيتهُ القوافل، لا بابَ لهُ إلا ذراعان، ولا حارسَ على عتبتهِ إلا شجرةُ سروٍ عجوز... نجعلُ من الحطبِ نارًا، ومن المطرِ موسيقى، ومن الصمتِ ستارةً تُخفي عنا العالم. قنديلُنا نجمةٌ سقطتْ من كفِّ السماء، وزادُنا قصيدتانِ وجرعةُ ضحك، وماؤنا جدولٌ يمرُّ تحتَ نافذتنا كطفلٍ يسرُّ إلى أمهِ بسرٍّ لا ينبغي لأحدٍ أن يسمعه.

**

تعالَ... نسرقْ من جِرْبةَ ليلةً لا تنتهي، نركبُ قاربًا أسودَ في مياهها الحالمة، ونتركُ للموج أن يرسمَ حولنا دوائرَ تشبهُ خواتمَ العرس... تمرُّ القواربُ من بعيد، ويعزفُ عاشقٌ مجهولٌ على وترٍ وحيد، فتنعكسُ أنوارُ الجزيرةِ على وجهك، وأرى في ملامحك شيئًا من وجوهِ رافائيل، وشيئًا من الغموضِ الذي تركهُ ليوناردو في عيني الموناليزا، وشيئًا من رجلٍ لم ترسمهُ يدٌ بعد، لأنَّ بعضَ الوجوهِ لا يليقُ بها إلا قلبُ امرأة.

**

تعالَ... نقفْ عند أعمدةِ قرطاجَ حين يهبطُ المساء، ونصغي إلى الحجارةِ وهي تستعيدُ أصواتَ الذين مرّوا من هنا ثم غابوا... نرفعُ أيدينا إلى السماءِ لا صلاةً على موتى العاشقين، بل شكرًا لأننا، بعد كلِّ ما انكسر، ما زلنا قادرينَ على أن نحب. تحملُ الريحُ دعاءنا إلى أقصى الجهات، وتتركُهُ في حضنِ البحر، كرسالةٍ أخيرةٍ إلى الآلهةِ القديمة: لقد وجدنا بعضنا، فلا تعيدونا إلى التيهِ.

**

تعالَ... فقد تعبَ قطارُ العمرِ من انتظارنا على الرصيف، ولم يعدْ في المحطةِ متّسعٌ لأحلامٍ مؤجلة. دعنا نلحقُ بالعربةِ الأخيرة، لا نحملُ معنا إلا يدَي بعضنا، وذاكرةً نريدُ أن نغفرَ لها، وأيامًا قليلةً نريدُ أن نجعلها واسعةً كسماء. دعني أنسى معك ما أضاعتهُ الحماقات، وما سرقهُ الخوف، وما أطفأتهُ المسافات؛ دعني أتعلمُ في عينيك كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تبدأَ حياتها في آخرِ العمر.

**

أعطني يدكَ...

لا تخفْ من ارتجافها؛ فهذه ليستْ يدَ امرأةٍ ضعيفة، بل يدُ امرأةٍ عبرتْ كثيرًا من العواصفِ وما زالت تريدُ أن تصل.

**

خذني معكَ إلى آخرِ بيتٍ في قصيدةِ عشق، إلى آخرِ نجمةٍ فوقَ بلادِ الشمس، إلى آخرِ الطريقِ حيثُ لا يبقى من العالمِ إلا نحن.

**

ومعكَ...

سأجرؤُ على أن أطلبَ من السماءِ مطرًا من موسيقى، ومن الليلِ قليلًا من خلود، ومن الزمنِ مهلةً واحدة.

**

فأنا لا أريدُ منك عمرًا جديدًا...

أريدُ فقط أن نعيشَ العمرَ الذي سرقهُ منا الغياب.

***

الشاعرة: ميلا العياري

 

في نصوص اليوم