لم تكن ندى تجدُ في وجباتِ الغداءِ التي تُقدَّم في ردهات المصحّة ما يروقُ لحواسّها، أو يفتح شهيتها الذابلة للحياة، كانت الأطباقُ المعدّة غارقةً في تلك الصلصاتِ اللزجة الثقيلة التي نفرت منها وتملّكها السأمُ تجاهها منذ وطأت قدماها أرضَ هذا البلد. صلصاتٌ ذات روائحَ نفاذةٍ حادّة، تُفقد الأطعمةَ مذاقَها الأصلي الفطريّ، كأنها محاولةٌ بائسة لإخفاء معالم الحقيقة تحت طبقةٍ كثيفةٍ من الدهون.
وكلما رجت الطهاة ان تكون وجبتها خالية من تلك الصلصات، تتلقى منهم نظراتِ استهجانٍ مبطّنة، كأنما تطلبُ أمرًا شاذًّا يناقضُ ناموسَ الكون الحتمي. ثم ما يلبث أحدهم أن يسكب الصلصةَ فوق طبقها بصورةٍ آليةٍ فجة، بحركةٍ رتيبةٍ محفوظة لا مجال فيها للتفكير او التراجع، كما لو أن تلك المادةَ جزءٌ مقدّسٌ من طقوس المؤسسة اليومية لا يجوز لأحدٍ من النزلاء الاعتراضُ عليه.
وكان يدهشها ويُثير حيرتَها، كيف يستطيع البشرُ، مع تقادم الوقت وتعاقب العادة، أن يتحولوا ببساطةٍ إلى مجرد امتدادٍ ميكانيكيٍّ للنظام الصارم الذي يعيشون في جوفه، يكررون الحركاتِ الصَّماءَ ذاتَها، وينطقون الكلمات بالنبراتِ الجاهزةِ نفسِها، حتى تغدو العادةُ البليدةُ في سلوكهم أقوى من مَلَكة الانتباه، وأقسى من سطوة الرغبة الشخصية الحرة.
لقد كان احتجاجَ ندى الفطري على صلصة الطعام ومذاقها، احتجاجا على ذلك الإصرار المؤسساتي الخفي على قولبة الجميع، وتدجينهم داخل الذائقة الجمعية نفسها، والقبول القسري المذل.
أما وجبةُ الإفطار الصباحية، فكانت حكايةً أخرى تمامًا، وشأنًا يفيضُ بالتوق.
كانت ندى ترتقب مجيئها بشيءٍ يشبه الحنين الروحي الجارف، أكثر من شبهه بجوع الجسد، فهناك، في الصباحات القارسة النقيّة التي تتسلل خلالها خيوطُ الشمس الأولى باستحياء عبر النوافذ البلورية الفسيحة، كانت تلمس عزاءً صغيرًا وضِمادًا مؤقتًا في قطع الأجبان، والبيض، ورائحة القهوة الدافئة. لكنَّ أكثرَ ما كان يمسُّ نياطَ قلبها ويعتصر وجدانَها، هو ذلك الخبزُ الساخن، بشكله المحبب، وقشرتِه الذهبيةِ البراقة، ورائحتِه العبِقة التي كانت توقظ في أعمق نقطةٍ من كينونتها صورًا بعيدةً وظلالًا دافئة، ظنت واهمةً أن عواصفَ المغترب قد أهالت عليها الترابَ واندثرت إلى الأبد.
كانَ الخبزُ برائحته يبعثُ في مَساربِ رُوحِها ذاتَ الشَّذى الدافئِ لخبزِ أمّها. وما إن تقع نكهته الزكية في مجرى أنفها وتلامسَ حواسَّها، حتى كانت عَقاربُ السَّنواتِ تتراجعُ فجأةً إلى الوراء، كستارٍ مَخمليٍّ عتيق يُسحب ببطءٍ ليتجلى وراءه الفقد، فتعود طفلةً صغيرةً ريانة، تقرفص بسلامٍ في باحة الدار العتيقة قرب أمّها، تراقب بشغفٍ كفّيها المباركتين وهما تخرجان الأرغفةَ القانية من جوف التنور الملتهب، وتملآن أركانَ البيت بذلك الدفءِ الإنساني الفريد الذي لا تصنعه أعوادُ النار وحدها، بل تصنعه، في المقام الأول، طمأنينةُ القلوب وأمنُ النفوس.
وكانت إثر ذلك، تكتشف بدهشةٍ موجعةٍ تملأ الصدر، أن الذاكرةَ البشرية لا تسكنُ تلافيف العقل وخلاياه فقط، انما تختبئ وتلوذ أحيانًا في تفاصيل الرائحة، وفي نكهة الطعم، وفي ملامحَ بالغة الضآلة، لكنها قادرةٌ بقوةٍ وسحر على إعادة الإنسان المشتت إلى جوهر نفسه بعد غيابٍ ونفيٍ طويلين.
لكل ذلك، كانت ندى تأخذ من كسر الخبز والجبن ما يكفي لسدِّ رَمقِها، تخبئه بعنايةٍ فائقةٍ وحذر في منديل، كمن يدّخر ذخيرةً حية أو جزءًا ثمينًا من طفولته الغابرة، ثم تكتفي به بديلًا طاهرًا عن وجبة الغداء الثقيلة التي لم تستطع، برغم محاولاتها المستميتة، أن تألفَها أو تسيغَ طعمَها يومًا. كان الأمرُ برمته أشبه بمحاولةٍ غريزيةٍ للتشبث بكل ما هو مألوفٌ وإنساني، وسط عالمٍ موحشٍ تآكلت ملامحُه وبدا لها باردًا، مصنوعًا بالكامل من إجراءاتٍ بيروقراطيةٍ جامدة لا نبض فيها للحياة.
لكن حتى تلك العزلةُ الصغيرة والآمنة، لم يُكتب لها أن تُترك لندى بسلام.
ففي أحد الأيام المشحونة بالجفاف، اثناء عودتها من الافطار استوقفتها المشرفةُ بنبرةٍ فجّة، امتزجت فيها قسوةُ اللوم بصرامة اللوائح، وسألتها بفضولٍ بارد عن سبب غيابها وانقطاعها المتكرر عن ارتياد المطعم اثناء وجبة الغداء. حاولت ندى، بهدوءٍ متزن، أن تشرح لها بأنها لا تشتهي صنفَ الطعام المُعدّ، إلا أن المشرفةَ لم تبدُ معنيةً بأعذارها، بقدر عنايتها الفائقة بالتسجيل الرقمي اليومي.. قالت لها بلهجةٍ حاسمةٍ لا تقبل الجدال:
ـ إن لزامًا عليكِ الحضور المادي إلى قاعة الطعام، ومسح البطاقة الإلكترونية عبر الجهاز لإثبات وجودكِ الفعلي وامتلاء الخانة، حتى وإن لم تلمسي وجبتَكِ أو تأكلي شيئًا.
كم بدت تلك اللحظة القاسية واضحة في انكشاف الزيف الإنساني. كأن حضورَ الجسد وهيأتِه المادية أهمُّ بكثير لدى هذه المنظومة من حاجة الروح ونزفها، وأن النظامَ البيروقراطيَّ الصارم لا يكترث مطلقًا إن كان الإنسان في داخله جائعًا مقهورًا، أو مشبعًا مكرمًا، سعيدًا محلقًا، أو محطمًا تذروه الرياح، فكلُّ همّهم يكمن في أن يظهر الاسمُ ساطعًا في السجلات، وأن يكتمل الصفُ الرقمي الشهري بلا فراغاتٍ تشوه التقارير الرسمية.
ومنذ ذلك اليوم العاصف، بدأت ندى تلج عتبةَ المطعم كمن يؤدي واجبًا بيروقراطيًا مقيتًا أو عقوبةً مفروضة، لا أكثر ولا أقل.. تمرر بطاقتها الإلكترونية الباردة عبر كاشف المسح الآلي، تتقدم ببطءٍ بين الطاولات المنسقة، ثم تجلس دقائقَ معدوداتٍ صامتةً مطرقة، قبل أن تغادر القاعةَ العريضة سريعًا.
غير أنها، في إحدى المرات، انتبهت بلمحةٍ خاطفة إلى نزيلةٍ تقبع على مقربةٍ منها، تحدّق في طبقها الممتلئ بنظراتٍ غارقة في الذهول دون أن تلمسه. كانت تلك المرأة تمسك الشوكةَ بوهنٍ وتجمدٍ لثوانٍ، ثم تعيدها إلى مكانها برفق، تراقب بقية النزلاء بوجلٍ وهم يلتهمون طعامهم بنهم، وتنتظر بصبرٍ شاحبٍ حتى يفرغ الجميع من وجباتهم، قبل أن تحمل صحنها الممتلئ كما هو، وتعيده إلى نافذة المطبخ دون أن تتذوق منه لقمةً واحدة.
حينها فقط، شعرت ندى بشيءٍ يشبه العزاءَ الحزين الصامت يسري في أوصال روحها المتعبة.. ابتسمت في سريرة نفسها ابتسامةً باهتةً وادعة، وقالت مخاطبةً ظلها الواهن:
"إذن، لم أكن أنا وحدي النشاز الغريب في سيمفونية هذا النظام الممسوخ!"
يتبع
***
سعاد الراعي
...................
* الفصل الثاني عشر من رواية تحت الطبع








