بعد أن حوّل مدينته إلى مهرجان مفتوح للعاشقات، لم يعد الرجل يعرف أين تنتهي النساء اللواتي عرفهن وأين تبدأ النساء اللواتي اخترعهن. كانت له عدة كاملة تليق بعاشق محترف: نظارات سوداء للتحديق من خلفها دون أن يُكتشف، وصحف مثقوبة بعناية تسمح له بمراقبة المقهى المقابل، ومنظار صغير للشواطئ، وآخر أكبر للأيام التي يكون فيها البحر كريمًا بالنساء. وكان يحمل هذه الأدوات بجدية عالم آثار يبحث عن حضارة مفقودة، مع فارق بسيط هو أنه كان يبحث عن امرأة ترتدي مايوهًا.
كان يرى امرأة من نافذة الترام فتبتسم، فيعود إلى البيت مقتنعًا بأنها قضت الليل كله تنتظره. وكانت أخرى تترك مظلتها في المقهى، فيفسر الأمر على أنه حيلة كي تعود في اليوم التالي. وثالثة تسأله عن اسم الشارع، فيخبر أصدقاءه أنها لم تكن تريد معرفة الشارع، وإنما كانت تريد معرفة الطريق إليه. وهكذا أخذت مدينته، في روايته، شكل معرض دائم للحب، كل شارع فيه موعد مؤجل، وكل مقهى كمين، وكل امرأة مصادفة تنتظر أن تتحول إلى فصل في سيرته.
وذات مساء خرج من السينما، وكان الثلج ينزل بهدوء، فرأى امرأة تقف عند المدخل وتنظر إلى ساعتها. نظر إليها، فنظرت إليه، ثم عادت إلى الساعة. قال في سره: «الموعد تأخر». بقي واقفًا تحت الثلج حتى جاءت سيارة أجرة، فركبت المرأة وغادرت. التفت إلى صديقه وقال: «كانت تنتظرني». قال صديقه: «ربما كانت تنتظر سيارة الأجرة». أجابه: «أنت دائمًا تفسد الجانب الشعري من الوقائع».
بعد ذلك بدأ يصدر أسطورته إلى المدن الأخرى. دخل فندقًا ذات ليلة، فناولته موظفة الاستقبال جواز سفره، ثم أعطته المفتاح وقالت: «الغرفة 214». نظر إلى المفتاح، ثم إلى الموظفة، ثم عاد إلى صديقه وقال: «عرفتني». قال صديقه: «إنها الغرفة التي حجزتها». فرد عليه: «كان يمكن أن تعطيني 215». ومنذ تلك اللحظة أصبحت موظفة الاستقبال، في روايته، أول امرأة في تلك المدينة تخفي ارتباكها خلف مهنة الاستقبال.
وذات صيف وقف على شاطئ مزدحم بمنظاره، ثم أعلن بعد عودته أن ثلاث نساء تبادلن النظرات بسببه، وأن رابعة سقطت في الماء من شدة التأثر. ولما سأله صديقه كيف عرف أنها سقطت بسببه، أجاب: «كانت تنظر نحوي قبل أن تغرق». وفي مناسبة أخرى أشعل سيجارته أمام امرأة في محطة قطار، فسعلت وابتعدت خطوتين. قال: «أربكتها». وبعد شهر صارت القصة أن المرأة وقعت في حبه من الطريقة التي أشعل بها سيجارته.
أما أعظم حكاياته فكانت عن سفينة سياحية تعرضت لحادث في البحر. كان، بحسب روايته، واقفًا على الشاطئ حين لمح امرأة تصارع الأمواج. خلع معطفه، ورمى نفسه في الماء، وأنقذها بعد معركة كادت تستمر حتى الغروب. وحين استعادت أنفاسها، نظرت إليه وقالت إنها لن تنسى الرجل الذي أنقذ حياتها. ظل يروي الحكاية سنوات، وفي كل مرة كان البحر يصبح أكثر هياجًا، والسفينة أكبر، والأمواج أعلى، والمرأة أجمل، أما هو فكان يقترب شيئًا فشيئًا من مرتبة أبطال الميثولوجيا.
سأله صديقه ذات مرة: «وأين كانت تسكن؟»
قال: «في مدينة جميلة مطلة على بركان».
صمت الصديق قليلًا ثم قال: «بركان؟»
قال الرجل: «نعم».
«وهل كان البركان نشطًا؟»
ابتسم العاشق ابتسامة رجل لا يرضى بأن تفسد الجغرافيا عليه قصة حب.
قال: «كان في ذلك شيء من الرومانسية».
ومنذ ذلك الحين صار البركان نفسه جزءًا من أسطورته؛ كان يقول إن المرأة كانت تنظر إلى البركان كل صباح وتتذكر الرجل الذي أنقذها من البحر، وإن المدينة كلها كانت تعرف قصته، وإن الدخان المتصاعد من الجبل لم يكن سوى إشارة من الطبيعة إلى قوة الحب.
بعد أن اتسعت الحكايات أكثر مما تحتمل مدينة واحدة، بدأ الرجل يعتقد أن النساء في المدن البعيدة يتناقلن خبره كما يتناقل الناس أخبار المطر. كانت تصله رسائل من مدن لم يزرها قط، واحدة تبدأ بعبارة «أعرف أنك ستأتي»، وأخرى تنتهي بعنوان فندق، وثالثة لا تحتوي إلا على اسم مدينة. وكان يقرأها بوقار رجل أتعبته الشهرة، ثم يقول للنادل: «يبدو أنني تأخرت كثيرًا عن موعدي».
وكان يقع في الحب بسرعة لا تليق برجل يدّعي كل هذه الخبرة؛ أحيانًا قبل أن يعرف اسم المرأة، وأحيانًا قبل أن يسمع صوتها، وفي الحالات الاستثنائية كان يقع في الحب قبل أن يراها. دخل ذات مساء مقهى، فنهضت امرأة وغادرت فورًا. تابعها بعينيه وقال لصديقه: «لقد تأثرت». قال الصديق: «ربما كانت ذاهبة إلى بيتها». أجابه: «الحب له طرق غامضة».
ومع السنوات صار لكل مصادفة عنده تاريخ، ولكل ابتسامة قصة، ولكل خطأ عاطفة، ولكل امرأة لم تلتفت إليه سبب عميق يمنعها من إظهار مشاعرها. حتى النساء اللواتي لم يرينه قط دخلن سيرته بطريقة ما؛ واحدة احتفظت بمنديل لأن الرجل مر بالقرب منها في الشتاء، وأخرى كتبت قصيدة عنه دون أن تعرف اسمه، وثالثة رفضت الزواج لأنها كانت تنتظر عودته، ورابعة سمّت قطها باسمه، وخامسة لم تفعل شيئًا على الإطلاق، فكان ذلك أكثر ما أثار حيرته، لأنها، في رأيه، كانت تخفي شيئًا.
وفي أحد الأيام عاد إلى مدينته. سار في الشوارع التي صنع منها أسطورته، مر بالسينما، ودخل المقهى، وجلس إلى الطاولة نفسها. كانت الثلوج تتساقط، والنساء يعبرن الشارع في معاطف طويلة، والمدينة مشغولة بمواعيدها الحقيقية. انتظر امرأة تلتفت، ونادلة ترتبك، ورسالة مجهولة تصل، أو حتى سيجارة تحتاج إلى نار. مرت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يحدث شيء. طلب قهوته، فأحضرتها النادلة دون ابتسامة. أشعل سيجارته وحده.
وحين خرج من المقهى، سمع صوت امرأة خلفه: «عفوًا، هل تعرف أين تقع محطة الحافلات؟» استدار ببطء، وعدّل ياقة معطفه، ونظر إليها بثقة رجل عاد إليه مجده. قالت المرأة: «أبحث عن المحطة». أشار إليها إلى الطريق، فشكرته ومضت. بقي واقفًا لحظة، يتابعها بعينيه، ثم ابتسم ابتسامة العاشق الذي وجد أخيرًا تفسيرًا لما حدث وقال: «كانت مرتبكة».
***
بولص آدم








