الطائرُ النَقّار وشُجيرة الصُبّار
إلى: ناطورِ الإبتداع
***
بأجنحةِ الأشواقِ أسرى إلى المُطْلقْ
وليسَ سوى الألغازِ مهما السُرى استغْرقْ
**
فلا بُدَّ للنقّار سَبْرَ جذوعِها
هُنالكَ يحلو التينُ إن شوْكُها أشْفقْ
**
لَعلَّ سُلافَ التينِ طابَ مُعتّقاً
بِحَدْسٍ لنا يُوحي ثُمالةَ ما عَتّقْ
**
وَليْتَ تَفي الأسرارُ غوْثَ بشائرٍ
فسادِنُها الناطورِ أمطرَ بل أغدقْ
**
أما يُدْركُ الناطورِ هَوْلَ شِباكِها
بَلى: إنّما غاوٍ يُراوُدُ كي يَعْلَقْ
**
ينادي على الأفلاكِ هاتِ نيازكاً
فإنّ ركامَ النفسِ أجدبَ بل أملقْ
**
رأى عَدَماً يغشى رَمادَ دَوارِسٍ
فَحَبّرَ ماءَ الروحِ في حرْفهِ الأزرقْ
**
ألا يا نديمَ النخْلِ جَفَّ بُويْبُكمْ
وبدرُ خصيبِ الشطِّ غابَ وَلَمْ يُمْحقْ
**
وَ (برْحيَّةٍ) تُهدي عُذوقَ خَصيبِها
(وبَمْبَرهُ) المعسولُ عُنْقودُهُ أطْرقْ
**
حَنانيْكَ نحّاتاً أحَبَّ رُخامَهُ
وَرَشّقَ أحجارَ الكلامِ إلى الأرْشقْ
**
ونُعماكَ رحّالاً يغيبُ لِيَرتقي
ووقتَ حضورِ القلبِ دمعَ الجوى أهرقْ
**
قَفا أثَراً للسابقينَ ولم يَكنْ
يُقلّدُ مطروقاً فَجوّزَهُ الأسْبقْ
**
دَواليْكَ يُسقينا نبيذَ كُشوفِهِ
فَيا حبّذا كشفٌ يُشيرُ ولا ينطقْ
**
وَلاسيّما إيماءَةٍ بِقصيدتي
تُطوّقُ بالإكْليلِ عاتِقَ مَنْ طوّقْ:
**
سُباعيّةً سكرى عَقيقَ قلائدٍ
وجوهرُها الأْلأءُ من قَزَحٍ أأْنقْ
**
وَبورِكَ سَكْراناً بِسحْرِ طريقَةٍ
فأقْلقَ شيخَ الحانِ: طوبى لِمَنْ أقلقْ
**
رُؤاهُ تراءتْ للأنامِ طلاسِماً
بماءِ مرايا الطِرْسِ فائْتَلَقَ الرونقْ
**
وثمَّ يَواقيتٌ تُنيرُ وَصيدَهُ
وتاهَ فَبابُ الغيبِ مِنْ أزَلٍ مُغلقْ
**
تَفائلَ لمّا حازَ بَيْرَقَ سابِرٍ
فربّتما المعنى يجيءُ مع الببْرقْ
**
وسوفَ يعي الراؤون سِرَّ ضبابِهِ
وكيفَ بهذا التيهِ هوّمَ واستطْرقْ
**
وصوبَ ذُرى الألحانِ مَدَّ سَلالِماً
وَسُلَّمُهُ المِفراسُ يا طالما أرهقْ
**
تَلَقّطَ مِسباري بصيصَ نُبوءةٍ
ولكنَّ مَنٌ أفشى الحقيقةَ قدْ يُشْنقْ
**
فَيا عُرَبَ الأنغامِ حَسْبُكِ نشوةً
بِمُبْتَدِعٍ حتى النشازَ بِها مَوْسقْ
**
تغرّبَ حتى جادَ قوسُ كَمنْجَةٍ
مقامَ بَياتٍ في سَفائِنِهِ شَرّقْ
**
فَأوّاهُ يالحنَ البياتِ مع الصَبا
أراقا دَمَ الأوتارِ حينَ الجوى إغروْرقْ
**
لَهُ بِدَعٌ حُسنى تَشُعُّ ضلالَةً
تُضيءُ رُبى الفردوسِ تحتَ الذي حَلّقْ
**
ذنوبُ غُواةِ الشعرِ تُغْفَرُ جُنحةً
فَبشّرَتِ الألحانُ سادِنَها الأنزقْ
**
سُيولُ عُيونٍ في البواطنِ أجْهَشتْ
وَشَلّالُها الهدّارُ أغْرقَ مَنْ أغْرَقْ
**
طُيوفُ أماسيهِ تلوحُ مواكباً
تَزيدُ هوى المفتونِ في نخْلةِ الجوسقْ
**
أضاء فناءَ الكوخِ خَفْقُ يَراعَةٍ
كأنّ شُعاعَ النجْمِ من دمعها يُسْرَقٌ
**
فأسرجَ نحوَ البُرْجِ جمْرَ خسائرٍ
وهل تُبْعَثُ العَنْقاءَ من دونِ أن تُحْرقْ؟
**
بِفيْءِ مَجازِ الوَجْدِ شَيَّدَ خُلْوةً
لعلَّ بِرِمْشِ الريحِ أبوابَها تُطْرقْ
**
على ضَفَةِ المجهولِ صومعةً بنى
بها المَلَأُ الأوفى لقافيةٍ صفّقْ
**
وحادَ عَنِ المُعْتادِ نحوَ غرائبٍ
وقابَ كُوى الديجورِ كوكبهُ أشرقْ
**
تراءت له الأحقابُ قيدَ سلاسلٍ
فَنوّرتِ المِشكاةُ قُمْقُمَهُ الأعمقْ
**
يقولُ كفى الأسلافَ عَزْفُ ربابَةٍ
فعاشقُها المأسورُ آنَ لَهُ يُعْتَقْ
**
فَصاغَ سَليلُ الماءِ من مُتَرَدّمٍ
مُعلّقةَ الآتينَ أنّى بها نلحقْ؟
**
رُوَيْدَكَ نقّاداً يُعيبُ صِياغَةً
مَذاقُكَ خانَ الشَهْدِ أم فَمُكَ الأشْدقْ؟
**
أرامَ سوى تجنيحِ مُعْجَمَ سالِفٍ
فغادرَ مأثوراً تَهلْهلَ إذ أخْلقْ؟
**
يُفتّقُ أكماماً لعلَّ جديدَها
يُبدّلُ أسمالَ القديمِ ولا يَرْتقْ
**
عَقيبَ صدى الطوفانِ جاشَ لُبابُهُ
فرجْرجَ في المخيالِ رؤيا كما الزئبقْ
**
تجاوزَ مألوفَ البُحورِ مدادُهُ
وحينَ تمادى النوْءُ طارَ بهِ الزورقْ
**
يجوسُ عناقيدَ السريرةِ قاطِفاً
وَيَرْشفُ من ناقوطِ سُلافِها الأعرقْ
**
يُنادمُ (شاماناً )ويخلعُ شيْخَهُ
فَصارَ مُريدَ النايَ بل عودِهِ الأصدقْ؟
**
فَيا عَبْقَرَ الغاوينَ جِئْتُكَ سائلاً
قَرينَ خُطى المشّاءِ كم مَرّةً أخْفقْ؟
**
بُعيْدَ هُطولِ الوحْيِ زاغَ مُوارِباً
وأرْعدَ قَبْلَ الصُورِ من بعدِ ما أبْرقْ
**
فَيالكَ صُبّاراً تشوّكَ تينُهُ
وَقَطُّ قَذى الأشواكِ (رنثاهُ) لن تعشقْ
**
فحازَ رُؤى (رَيّاهُ ) دونَ رِضابِها
وَعاودَ عزفَ الناي في قَبْوِهِ الخندقْ
***
د. مصطفى علي








