أُمِّي
يا وجه اليقين
والحقيقة الأخيرة البتول
كَمْ أَحْتَاجُ إِلَيْكِ
الْقَلْعَةُ الْأَخِيرَةُ أَنْتِ
النَّسْمَةُ الَّتِي يَحْيَا بِهَا الْغَرِيقُ
وَهَذَا الظَّلَامُ يَا أُمِّي
شَبَحٌ يُشْبِهُ غِيَابَكِ الَّذِي أَخْشَى
قَادِمٌ يَا أُمِّي
مُوحِشٌ وَعَنِيفٌ
مِثْلَ سِكِّينٍ أَعْمَى
تَقْتَاتُ عَلَى رِقَابِ الْأَبْرِيَاءِ
زَمَنُنَا الدَّاعِرُ
يَا أُمِّي
كَلِّمِيهِ
أَقْنِعِيهِ وَاحْلِفِي لَهُ بِالنِّيَابَةِ عَنَّا
أَنَّنَا غَيْرُ مُذْنِبِينَ
أُمِّي
أَجِيبِينِي
لِمَاذَا الْبُكَاءُ لِلْكِبَارِ مَعِيبٌ؟
مَا ضَرَّ لَوْ بَكَيْنَا طَوِيلًا
وَانْتَحَبْنَا
عَلَى حَيَاةٍ تُدَحْرِجُنَا فِي أَنْفَاقِهَا الْخَيْبَاتُ
مِثْلَ كُرَةِ الْفُقَرَاءِ مُشَوَّهِينَ
مِثْلَ عَقِبِ سِيجَارَةٍ فِي يَدِ عَجُوزٍ ذَابِلَةٍ
أُمِّي
خَائِفٌ أَنَا وَضَعِيفٌ
صَبْرِي هَزِيلٌ وَإِلَيْكِ أَشْكُو الْهَبَاءَ
يَا طَعْمَ الْمَاءِ يَا أُمِّي
ظَمْآنُ أَنَا مِثْلَ الرَّضِيعِ فِي يَدِ الْيَقِينِ
مَصْلُوبٌ أَنَا
عَلَى مَذْبَحِ الدَّاعِرِينَ
مُعَلَّقَةٌ جُثَّتِي تتدلى مثل كَرَامَتِي
وَدِيدَانُ الْخَيْبَاتِ
تَقْتَاتُ عَلَى مُقْلَتَيَّ
تَدْفِنُنِي الْغِرْبَانُ ظِلًّا ذَبِيحًا
وَتُسَمِّرُنِي عَلَى صَفْحَةٍ سَوْدَاءَ
صَفْحَةٍ
دُونَ حَرْفٍ يُؤْنِسُ وَحْشَةَ الْمَيِّتِ الْأَكْثَرِ مَوْتًا بَيْنَ الْجَمِيعِ
اسْمَعِي يَا أُمِّي
خَائِفٌ أَنَا
مُسْتَوْحِشٌ مِنَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ
أَقْنِعَتُهُمْ مُمِلَّةٌ ثَقِيلَةٌ
مِثْلَ ثقل جَبَلٍ رابض
عَلَى جَنَاحِ فَرَاشَةٍ غَضَّةٍ
أَكْرَهُهُمْ وَهُمْ يُقْسِمُونَ وَيُبَايِعُونَ
أَمْقُتُ دَمِيَ الْبَارِدَ الَّذِي لَا يَصْرُخُ بِالْكَرَاهِيَةِ
أَمْقُتُ ظِلِّيَ الْمُخْتَبِئَ خَلْفِي
أَمْقُتُ الْأَرْصِفَةَ وَالْعَابِرِينَ الْغُرَبَاءَ
الْكُلُّ يَتَرَبَّصُ بِي
لَيعريني فِي هَذَا الزَّمْهَرِيرِ الْمُقِيمِ
تَائِهٌ أَنَا
خَلْفَ الْخَرِيطَةِ الَّتِي أَعْطَتْنِي ظَهْرَهَا الْعُرْيَانَ
مَنْزُوعَةٌ جُذُورِي
كَوَرْدَةِ الرَّافْلِيسِيَا
أَتَطَفَّلُ عَلَى كِبْرِيَائِي أَعْتَاشُ عَلَى ذكراها مَنْفِيًّا عَنِ الْجُذُورِ
أُمِّي
مُدِّي يَدَيْكِ فِي جَيْبِكِ
أَخْرِجِينِي
أَنَا وَذَاتِيَ الْبَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَشَكٍّ
اقْطَعِينِي وَوَزِّعِي أَعْضَائِي عَلَى الْجِبَالِ
وَاسْتَدْعِي مَوْتِي لِأُعَانِقَهُ
فَلَا حَاجَةَ لِلْإِيمَانِ لِأَنَّ اللَّهَ (زَعْلَانُ) عَلَيْنَا جَمِيعًا
أَوْ عَمِّدِينِي
وَاغْسِلِي بِمَاءِ وُضُوئِكِ وَجْهِي
وَاخْلُقِينِي مِنْ طِينِ تُرْبَتِكِ السَّاهِرَةِ
وَكَفِّنِينِي عَلَى عَجَلٍ بِسَجَّادَتِكِ الْعَتِيقَةِ الْمُطَهَّرَةِ
فَأَنَا أَشْتَهِي الْمَوْتَ نَدِيًّا أَوْ نَبِيًّا
لِأَجْلِسَ مَعَ اللَّهِ
طَوِيلًا سَنَجْلِسُ
سَأَبُثُّهُ ذُنُوبَ الْمُنَافِقِينَ وَلَاعِقِي الْمُؤَخِّرَاتِ الْمُتَعَفِّنَةِ
سَأَحُثُّهُ طَوِيلًا
أَنْ يُرْسِلَ طُوفَانًا
وَأَنْ يَعْتَذِرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ
عَنْ سَفِينَةٍ مَجْهُولَةٍ
تَقِلُّ الشُّرَفَاءَ إِلَى الْحَيَاةِ
أَنَا مُتَأَكِّدٌ يَا أُمِّي
أَنَّ الْحُسَيْنَ
سَعِيدٌ بِمَوْتِهِ
كَمَا أَنِّا اتمنى أن يسعدني
كم هو موت سَعِيدٌ آشتهيه
آه يا أمي
لَوْ أَمُوتُ مَوْتَةً أَخِيرَةً وَحَقِيقِيَّةً
***
د. أيمن الناصح








