آراء

حيدر عبد السادة: حرب النبوءات

إنّ من أبرز الشوائب التي تعتري الطبيعة البشرية، وتدفع الإنسان أحياناً إلى مغادرة فضاء إنسانيته الرحب، هو تعطّشه المزمن للصراع والتضاد والتناحر مع الآخر، فبدل أن يكون الاختلاف مجالاً للتكامل والتفاعل الخلّاق، يتحول في كثير من الأحيان إلى وقودٍ دائم للتوتر والنزاع، بل إنّ بعض الأفراد قد يجدون في الصراع نوعاً من الإشباع الوجودي، حتى ليغدو غيابه مدعاةً للقلق والاضطراب، فيسعى الإنسان-بشكلٍ أو بآخر- إلى اختلاق أسبابٍ جديدة للنزاع كلما خمدت نيرانه، ولعلّ هذه الظاهرة يمكن تفسيرها في إطار التحليل النفسي والاجتماعي، غير أنّ خطورتها الحقيقية تظهر حين تتجاوز نطاق الفرد، فتنتقل من كونها مجرد حالة إلى عدّها ظاهرة، فتصبح سلوكاً جمعياً أو حتى نمطاً في سلوك الدول.

والأكثر غرابة أنّ هذه العقدة لم تعد حبيسة النفس الإنسانية الفردية، بل أخذت تتجسد في بنية النظام الدولي ذاته، فالدول التي تخضع لسلطة الحاكم الأوحد قد تنزلق بسهولة نحو إشعال الحروب، لا بدافع الضرورة الاستراتيجية فحسب، بل استجابةً لرغبات نفسية أو أيديولوجية لدى النخبة الحاكمة، وهكذا تتحول الحرب من وسيلة اضطرارية لحل النزاعات إلى أداة لتغذية نزعات السلطة وإشباع هوس الهيمنة.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ الإنساني يجعل من الحرب ظاهرة شبه ملازمة لمسيرة المجتمعات البشرية، فهي من جهة تبدو طبيعية، لكثرة تكرارها عبر العصور، لكنها من جهة أخرى تبدو ظاهرة غير طبيعية لأنّ جذورها الحقيقية غالباً ما تكون مشوّهة أو غامضة، ومزيجاً معقداً من الطموحات السياسية والمصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية. ولعلّ أبرز القضايا التي كثيراً ما تؤسس لاندلاع الحروب تتمثل في الصراع على السيادة، أو الخيانة والتحالفات المتغيرة، أو التنافس على الموارد والثروات، وغالباً ما تنتهي هذه الحروب -بعد كلفٍ باهظة- إلى طاولة المفاوضات، حيث يجري ترسيم الحدود أو إعادة توزيع المصالح والاعتراف المتبادل بالحقوق.

غير أنّ الحروب التي يشهدها عالمنا المعاصر تبدو مختلفة إلى حدٍ كبير عن حروب الماضي، فالكثيرون ما زالوا ينظرون إلى الصراعات الجارية بوصفها مجرد نزاعات سيادية أو جيوسياسية بين قوى دولية وإقليمية، كالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غير أنّ التحولات المتسارعة في المعطيات السياسية والفكرية توحي بأنّ هذه القراءة لم تعد كافية لتفسير طبيعة الصراع الراهن. فما يجري اليوم يبدو أقرب إلى صراعٍ تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الهواجس العقائدية والرؤى الماورائية لنهاية التاريخ، إذ إنّ بعض الفاعلين في هذا الصراع يستندون إلى تصورات دينية أو نبوءات غيبية يرون فيها إطاراً لتحقيق العدالة الإلهية على الأرض، أو تمهيداً لأحداث كبرى مرتبطة بنهاية الزمان.

فعلى الجانب الإسرائيلي، تبرز لدى بعض التيارات الدينية الصهيونية رؤية توراتية تتحدث عن تحقيق الحلم التاريخي بإقامة دولة تمتد -وفق التأويلات الشائعة- من النيل إلى الفرات، بوصفها تحقيقاً لنبوءات دينية ورمزاً لنهاية حقبة الشتات التي عاشها اليهود لقرون طويلة. وفي المقابل، يظهر في الجانب الإيراني حضور قوي لفكرة المهدوية، أي انتظار ظهور الإمام المهدي الغائب... وعلى الرغم من أنّ فكرة المهدي موجودة في التراث الإسلامي عموماً، فإنّها اكتسبت في الفكر الشيعي الاثني عشري بعداً سياسياً خاصاً، لا سيما بعد أن أعلن روح الله الخميني قيام نظام يقوم على نظرية ولاية الفقيه بوصفها صيغة لقيادة الأمة في زمن غيبة الإمام.

وقد تطورت هذه الفكرة لاحقاً لتصبح جزءاً من الخطاب السياسي والديني في إيران، حيث يرى بعض المنظّرين أنّ الأحداث الكبرى والصراعات الإقليمية قد تكون مقدمات لظهور الإمام المنتظر. وفي هذا السياق تُطرح أحياناً تصورات رمزية عن شخصيات تاريخية أو سياسية يمكن أن تؤدي أدواراً مرتبطة بالروايات المهدوية، وهو ما يضفي على الصراع بُعداً رمزياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

أما إسرائيل فتسعى إلى إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط بما يضمن تفوقها الاستراتيجي وإعادة ترتيب توازنات القوة في المنطقة، وقد بدأت هذه العملية منذ عقود عبر إضعاف أو إسقاط الأنظمة التي عارضت مشروعها السياسي أو رفضت فكرة التطبيع معها، وفي ظل هذه التحولات، تبدو إيران اليوم إحدى القوى الإقليمية القليلة القادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

ومن هنا، فأن أي تحوّل جذري في موقع إيران الإقليمي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة، قد تتكرس فيها الهيمنة الإسرائيلية ضمن منظومة إقليمية ودولية جديدة، وربما تحظى هذه المنظومة بقبول عربي أوسع وإشراف دولي مباشر.

وهكذا، يبدو أنّ الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد نزاع سياسي تقليدي على النفوذ والموارد، بل أصبح ميداناً تتقاطع فيه المصالح الجيوسياسية مع التصورات العقائدية والتاريخية... وفي مثل هذا السياق المعقد، تصبح الحروب أكثر خطورة، لأنّها لا تُخاض فقط باسم المصالح، بل أحياناً باسم النبوءات والأحلام الكبرى التي يصعب إخضاعها لمنطق العقل أو التسويات السياسي.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

في المثقف اليوم