آراء
علاء جواد كاظم: من بغداد الى واشنطن.. قراءة في ازدواجية الشخصية بين الشرق والغرب
عندما كتب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي موضوع تناقض الشخصية في المجتمع العراقي، لم يكن يركز على وضع نفسي محدد، ولا كان يشير إلى تناقض أخلاقي في مجتمع معين دون اخر، بل كان يحاول فهم وتحليل ظاهرة اجتماعية: لماذا يقول الشخص شيء ثم يفعل شيء اخر؟ ولماذا أحياناً يزداد التناقض بين ما يقوله الشخص من قيم وسلوكه الفعلي؟ ولكن السؤال الذي يفترض أن نطرحه الآن: هل هذا التناقض في شخصية الفرد العراقي فقط؟ أم عن الانسان حيثما كان؟
ففي علم النفس الاجتماعي، قدّم الباحث الأمريكي ليون فستينجر نظرية تعرف باسم "التنافر المعرفي"، والتي تفيد بأن الفرد يعاني من توتر داخلي عندما يؤمن بأيديولوجية ويقوم بتصرف متعارض معها. والسياسي الذي يتحدث عن العدالة ثم يبرر امتيازاته، والمواطن الذي يدعو لحماية البيئة من التلوث بينما يفرط في الاستهلاك، والناشط الذي ينتقد الفساد لكنه يسكت عندما يكون الفاعل زميله نافذا، هكذا يعيش اغلبهم هذا التوتر. ولا يصبح التناقض سمة خاصة بثقافة او مجتمع معين، بل هو عنصر أساسي في الطبيعة البشرية ككل. والإنسان بشكل عام يسعى لتحقيق توازن بين قناعاته ومصالحه، وبين السعي المثالي وواقعه.
وشاهد علي الوردي أن المجتمع العراقي عاش لفترة تاريخية طويلة تحت تأثير نظامين من القيم: قيم القبيلة التي تستند إلى العصبية والعادات والتقاليد، وقيم المدنية التي تعتمد على القانون والنظام والعقلانية. هذا التوافق غير المتناسق أنتج شخصية "العراقي يؤمن بالمثل العليا ايمانا شديدا، ولكنه في الوقت نفسه يميل الى مخالفتها في سلوكه اليومي" على حد قوله. لكن عندما ننظر الى الغرب، نجد صورة مختلفة من حيث الشكل، ولكنها متشابهة من حيث الجوهر. في أمريكا، تعتمد السياسة العامة على مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، بينما الواقع يظهر عن فوارق اقتصادية كبيرة وصراعات طبقية وازدواجية سياسية في تطبيق القواعد على طرف دون اخر. أما في أوروبا، تُرفع شعارات العدالة الاجتماعية والحفاظ على البيئة وحقوق الحيوان، لكن اشكال التطبيق لا تتغير بنفس المقدار. وفي هذه الحالة، يظهر مفهوم يسميه علماء الاجتماع "فجوة القيم والسلوك" وهي ليست بعيدة في معناها عن مفهوم التناقض.
لو نظرنا الى الاقتصاد الرأسمالي القائم على تعظيم الارباح، والمصالح الاستراتيجية، والسيطرة على الموارد الرئيسية، وتحالف السياسة مع رأس المال. تظهر الازدواجية من خلال الحديث عن العدالة مقابل تركز الثروة وتكافؤ الفرص، بينما نجد الثروة تتجمع بيد فئة صغيرة جدا من الاشخاص. وتكشف السياسة الدولية ازدواجية اكثر حساسية من الرأسمالية الحديثة حول مفهوم العدالة وواقع تجمع الثروة، وحين تتحول المبادئ الانسانية في السياسة العالمية الى وسائل تفعل في مكان، وتجمد في مكان اخر. لذا نرى الحالة الفلسطينية - الاسرائيلية، الخطاب يستند على مفهوم الدفاع عن النفس، وهذا معترف به دوليا، لكن الاشكال الاخلاقي يظهر عندما يسقط الاف من المدنيين والاطفال والنساء وكبار السن، وتدمر البنى التحتية للمدن بحجة حماية حقوق الشعب اليهودي.
كيف يمكن تبرير قتل ودمار شامل بذريعة الدفاع عن الحقوق؟ وتظهر الازدواجية باوضح صورها عالميا في: دول تدين قصف مدنيين في مكان ما، لكنها تصمت في مكان اخر! وقنوات اعلام تصف طرفا بالارهابي وطرف اخر بممارسة حق الدفاع.
وتظهر الازدواجية عندما تتحدث الانظمة الليبرالية عن الحرية وحقوق الإنسان والحيوان، لكنها تتعاون مع جهات دولية تخالف هذه الحريات والحقوق. وتتبنى الأحزاب مبادئ العدالة والإصلاح المؤسسي والاقتصادي، لكنها تتبع طرق ملتوية للوصول إلى مركز القرار. ويزخر الخطاب السياسي بالقيم النبيلة، إلا أن القرارات غالبًا ما تتأثر بحسابات استراتيجية. المشكلة لا تكمن في وجود المصالح، فطبيعة السياسة "لعبة المصالح لا المبادئ" ولكن التناقض يكمن في القول المعلن والواقع المطبق.
فالتناقض لا يسكن في خطابات الدول وحدها، بل تتجلى أحيانًا في قلب النخب التي تتكلم بأسم المبادئ والقيم وهي غارقة في ما يناقضها. وواحدة من أهم القضايا احراجا في السياسية والاعلام: قضية جيفري ابستبن، وهو رجل اعمال امريكي مرتبط بقادة العالم والنخب السياسية والاقتصادية والاعلامية، اتهم بادارة شبكة للاستغلال الجنسي لاطفال قاصرين، انتهت قصته بموته في زنزانته داخل السجن عام 2019. وصدى هذه الجريمة ضد الانسانية البريئة لم تكن في الجريمة ذاتها، بل في شبكة العلاقات: اسماء لامعة، نخب عالمية نافذة، موسسات قرار، وشخصيات تقاتل ليلا ونهارا عن حقوق الانسان، بينما كانت لديها علاقة بدرجات مختلفة بشخص مدان بجرائم اخلاقية يندى لها جبين الانسانية.
وهل يعني التناقض نفاق؟ يدرس علم النفس الأخلاقي الفرق بين "النفاق المتعمد" و "التناقض غير الواعي". ويؤمن العديد من الأفراد بمبادئ الصدق والعدالة، ولكن عند مواجهة موقف حقيقي، عادة ما تميل الأمور للمصلحة الشخصية، ليس بسبب رغبتهم في الخداع، بل لأن الإنسان يتكون من دوافع متنوعة: مثل الحاجة إلى القبول الاجتماعي، والبحث عن الامان، والخوف، والطموح. وبمعنى آخر، قد لا يعني التناقض دائمًا نفاق، بل يمكن أن يمثل أحيانًا صراع داخلي بين ما نرغب في أن نقوله وما يمكننا فعله. والحالة بين الشرق والغرب: اختلاف السياق لا الجوهر، بينما يربط علي الوردي ظاهرة الازدواجية بالسياق الاجتماعي والتاريخي للفرد العراقي، في حين النظريات الغربية تناولتها من منظور ظاهرة انسانية عامة للشخص.
وهنا الاختلاف ليس في وجود التناقض، وإنما في كيفية تحليله وتفسيره في المجتمع الشرقي، الذي يُعتبر غالبًا نتاج لصراع حضاري وقيمي. وبالمقابل يُعتبر بمثابة آلية نفسية طبيعية أو نتيجة لتعقيد المجتمعات المتحضرة في المجتمع الغربي. ومع ذلك، تبقى النتيجة تصب في زاوية واحدة، والإنسان يعيش دائمًا بين واقعيين، واقع المثال وواقع الفعل.
وهل نستطيع ان ننهي هذه الازدواجية؟ من الصعب جدا إنهائها بشكل كامل، لأنها جزء من طبيعة الإنسان الذي يعيش في عالم مملوء بالقيم والمبادئ المختلفة والضغوطات النفسية والاجتماعية. إلا أنه يمكن تقليلها من خلال: تعزيز الشفافية في السياسة، تقوية المهنية في المؤسسات، تشجيع ثقافة النقد الذاتي، واستقلالية الاعلام، والتثقيف على أهمية التطابق بين الاقوال والأفعال. والا تكون الازدواجية خطرة عندما تتطور إلى ثقافة سائدة تفسر التناقض ضرورة بدلاً من الاعتراف به تناقض.
وختاما، الازدواجية قصة الانسان اينما كان لا الجغرافيا المكانية، ومن بغداد الى واشنطن، يبقى التناقض صفة إنسان يعيش بين القول والفعل. لا نكون وحدنا في تناقضنا، ولا هم ملائكة خالية من الازدواجية. كل واحد منا يمتلك نسخته الفريدة من هذا التناقض. وربما السؤال الأهم ليس: هل نحن نعيش ازدواجية؟ لكن: هل لدينا الجرأة للاعتراف بازدواجيتنا، والسعي لتضييق الفجوة بين أقوالنا وأفعالنا؟ علي الوردي قد كتب عن العراق لكن فكرته تتجاوز حدوده الجغرافية، والتناقض ليس مهزلة شرقية او فضيحة غربية، بل مراة انسانية مشتركة.
***
علاء جواد كاظم







