عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

حميد القحطاني: بين أنقاض الجدل وصمت الخراب

تأملات في مأزق الدولة والمجتمع

لا يكاد ينهار جسر أو تغرق مدينة في عتمتها الأبدية أو يقف شاب على حافة العدم باحثاً عن لقمة تحفظ له ما تبقى من كرامة، حتى ينبعث من بين الأنقاض ذلك الجدل الأزلي كأنه محكوم بأن يتجدد كلما تجدد الخراب، جدل يلوك الكلمات الكبرى - الدين، التراث، الهوية والعقل الجمعي - بينما يترك الإنسان وحيدا أمام يومه المهشّم. وهكذا يتحول الجوع إلى نقاش في الميتافيزيقيا والعطش إلى سجال أيديولوجي وانهيار الدولة إلى معركة مقدسة بين روحين لا تلتقيان كأن الشعوب لم تُخلق لتحيا، بل لتكون مادة أبدية لتجارب المثقفين ومتاحف النظريات.

غير أن ثمة سؤالاً أكثر صدقا وأشد بساطة يظل معلقا فوق هذا الصخب كله، لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه بوضوح: ما العلاقة بين عقيدة الإنسان الشخصية وبين محطة كهرباء لا تعمل؟ وما الصلة الحقيقية بين تدين موظف وبين شبكة مياه ملوثة؟ وما شأن النصوص كلها - مقدسة كانت أم تنويرية - بطابور البطالة الذي يمتد كجرح مفتوح عبر أعمار الشباب؟

وليست المأساة الكبرى في فشل الدولة وحده - فالفشل قدر تعرفه الأمم وتتجاوزه - بل في أن يظل هذا الفشل بلا تشخيص دقيق يُسمّي جذوره ويواجه أسبابه. فبدلا من أن تُقرأ الأزمة بوصفها أزمة مؤسسات وحوكمة وعدالة توزيع، جرى تحويلها إلى قضية هوية وثقافة وعقيدة، كأن تغيير ما في النفوس كفيل وحده بإضاءة المدن وإجراء الماء وفتح أبواب العمل. وقد أُهدرت في هذه المقاربة القاصرة عقود كاملة، بينما كان الواقع المادي ينهار بصمت تحت أقدام الجميع لا يسمعه أحد لأن الجميع مشغولون بالكلام. لقد خرج العراقي إلى الشارع حاملاً وجعه المعيشي لا أطروحاته الفلسفية.

الحقيقة التي أدركها علي الوردي باكرا وجاهد في إثباتها بصبر العالِم وجرأة المفكر هي أن الإنسان ليس كائنا نظريا يعيش داخل مبادئه المجردة، بل كائن تُشكّله شروط حياته اليومية تشكيلا أعمق مما تُشكّله أي عقيدة أو فلسفة. فالروح تضيق حين يُهان الجسد، والعقل يفقد توازنه حين يعيش تحت إرهاب الخوف والعوز واللايقين.  وليس أشد إغراء على العقل المفكر من الاعتقاد بأن الأخلاق تُنتج الواقع - وهو اعتقاد نبيل في جوهره - غير أن الحقيقة الأكثر قسوة تقول إن الواقع يُعيد تشكيل الأخلاق كل يوم في هدوء لا يُرى وبسرعة لا يُحس بها.

فالإنسان الذي يعيش في دولة لا تحميه ولا تكافئ كفاءته ولا تمنحه حقه سيتحول تدريجيا إلى كائن يبحث عن النجاة لا عن الفضيلة. وحين يغيب القانون تصبح الواسطة قانونا بديلا أكثر فاعلية وأسرع إنجازا. وحين تنهار العدالة تتحول الطائفة والعشيرة إلى ملجأ نفسي واجتماعي، لا لأن الناس أحبوا الانغلاق بل لأنهم لم يجدوا ما هو أرحب وأوثق. وحين يشعر الفرد بالعجز أمام قسوة الحياة يبدأ العقل في البحث عن الخلاص في الغيب أو في القوة أو في الانتماء المغلق. وليست هذه ”طبيعة شرقية“ كما يتوهم بعض المتعجلين في أحكامهم، بل هي استجابات بشرية تتكرر في كل مكان يفشل فيه العمران، من أحياء المدن الأوروبية المهمّشة إلى أطراف أمريكا المنسية. الجغرافيا تتغير والظاهرة واحدة لأن الطبيعة الإنسانية لا تتغير حين تتغير العناوين.

والفقر - هذا الكائن الخفي الذي لا يُرى كاملا إلا من داخله - لا ينتج الجوع وحده. إنه ينتج طريقة في التفكير وبنية في الرؤية وأفقا محدود المدى لا يتجاوز الغد القريب. فحين تستقر الفوضى زمنا طويلا فإنها لا تدمر الشوارع وحدها، بل تتسلل إلى بنية العقل ذاتها، فينكمش التفكير بعيد المدى ويتراجع الإيمان بالمؤسسات ويصبح الولاء للقوي أكثر منطقية وأكثر أمانا من الولاء للقانون الغائب. هناك لا يعود العقل معنيا بالحقيقة بقدر ما يصبح معنيا بالحماية، ولا يعود السؤال الجوهري ”ما الصحيح؟ “ بل ”ما الذي يُبقيني حيا؟ “ وهو سؤال مشروع تماما، بل هو أصدق الأسئلة وأكثرها إنسانية في لحظة الخطر.

ولهذا فإن كثيرا مما يُسمى” ثقافة متخلفة“ ليس سوى تكيف ذكي مع واقع مختل. فالواسطة ليست قيمة أخلاقية متجذرة في الروح، بل آلية بقاء في مجتمع فقد ثقته بالعدالة منذ أمد بعيد. والفساد الصغير الذي يمارسه الموظف البسيط ليس دائما نزوعا شريرا، بل هو أحيانا محاولة يائسة للتكيف مع نظام كامل قائم على النهب المنظّم. وأخطر ما يفعله البؤس أنه لا يسرق المال وحده، بل يسرق المعنى أيضا، وحين يفقد الإنسان ثقته بجدوى الجهد الشريف يبدأ الانهيار الداخلي للأخلاق من حيث لا يُحس في صمت أشد هولا من كل ضجيج.

بيد أن ثمة ما هو أعمق من الفقر الاقتصادي، إذ يتحول الفساد في المجتمعات المأزومة - حين يُترك بلا محاسبة - من انحراف عارض إلى عالَم قائم بذاته له طبقاته ومصالحه وشبكاته وأدوات دفاعه المتطورة. ثمة دائماً سياسيٌّ يحتاج إلى مقاول ومقاول يحتاج إلى موظف وموظف يحتاج إلى غطاء حزبي وحزب يحتاج إلى خطاب هوياتي يحميه من المساءلة. وهكذا تنشأ دولة خفية داخل الدولة لا يحكمها دستور ولا قانون، بل شبكة من المصالح المتبادلة المحكمة.

وهنا تحديدا تصبح الهوية أخطر أسلحة الفساد وأمضاها. فالسياسي الفاشل لا يريدك أن تسأله: أين ذهبت الأموال؟ لماذا تعطلت المشاريع؟ ولماذا يرزح الناس في الظلام؟ بل يريدك أن تسأله: من أي طائفة أنت؟ ومع أي معسكر تقف؟ لأن معركة الهوية هي المعركة الوحيدة التي يستطيع الفاسد الانتصار فيها دائما، بينما يخسر في أي نقاش عن الأداء والإنجاز. إنه يحتمي بالمقدس أو بالقومية أو بالمظلومية التاريخية ليهرب من سؤال الكفاءة والنتائج. وهكذا تتحول الشعوب شيئا فشيئا من مجتمعات تطالب بحقوقها إلى جماعات تدافع عن رموزها، حتى وهي تغرق معها في نفس الخراب.

وقد أثبت التاريخ - بلغته الصارمة التي لا تحتمل التأويل - أن الدين لا يبني حضارة ولا يهدمها وحده، تماما كما أن العلمانية لا تصنع تقدما تلقائيا بمجرد رفعها شعارا. فكم من مجتمعات متدينة استطاعت بناء مؤسسات راسخة ودولة رشيدة، وكم من أنظمة رفعت رايات التحرر والحداثة ثم غرقت في أشد صور الاستبداد والفساد قتامة. إن المعضلة الحقيقية ليست في طبيعة العقائد التي يحملها الناس، بل في قدرة المجتمع على بناء دولة تتجاوز الأهواء والهويات نحو القانون والمؤسسة والكفاءة.

وحين يغيب هذا المعنى للدولة - الدولة بوصفها كيانا أخلاقيا لا مجرد جهاز قمع وتوزيع غنائم - تتحول السياسة إلى غنيمة والإدارة إلى محاصصة والوطن إلى ساحة صراع بين شبكات المصالح. لهذا فإن السؤال الجوهري لم يكن يوما: ”هل الحاكم متدين أم علماني؟“ بل: هل توجد مؤسسات تستطيع محاسبته أصلا، بصرف النظر عن عقيدته ورايته وخطابه؟ الدول الحديثة الراسخة لم تُبنَ لأن البشر فيها ملائكة، بل لأنها أقامت أنظمة تجعل كلفة الفساد أعلى من منافعه. فيها لا يعتمد النظام على طهارة النفوس، بل على صرامة القوانين واستقلال القضاء وشفافية الحوكمة. فالعدالة ليست وعظا، بل هندسة مؤسسات وهذا الفرق بين المفهومين هو الفرق بين حضارة وأطلال.

وكل نهضة حقيقية في التاريخ - سواء انطلقت من قرار سياسي حاسم في القمة أو من ضغط شعبي متراكم في القاعدة - لم تتجذّر إلا حين ترجمت نفسها إلى تغيير ملموس في شروط الحياة اليومية للناس، فعلا لا وعدا. فالقرار السياسي مِعوَل لا بناء وإنما البناء الحقيقي هو ما يذوقه الناس في مسكنهم وعملهم وأمان غدهم. الثورة الصناعية لم تغيّر الاقتصاد الأوروبي وحده، بل غيّرت العقل الأوروبي نفسه وأعادت تشكيل ما يطلبه الناس ويتصورونه ممكنا. وحين نشأت الطبقة الوسطى - بمهندسيها وأطبائها ومعلميها وأصحاب المشاريع - بدأت تنشأ ثقافة جديدة تطالب بالدولة الحديثة لأن مصالحها اليومية باتت مرتبطة بالنظام والاستقرار والعقلانية. ارتبطت مصلحتها بالقانون فصارت تطالب بالقانون، وارتبط مستقبلها بالمؤسسة فصارت تبني المؤسسة. هكذا تنشأ الثقافة من الشروط لا الشروط من الثقافة.

فالإنسان الذي يمتلك عملا كريما وأمانا اجتماعيا ومستقبلا واضحا لأطفاله يصبح أكثر قدرة على التفكير الحر والنقد والمشاركة المدنية. أما الإنسان المحاصر بالخوف والحاجة، فإنه يبحث عن النجاة قبل الحرية وعن الخبز قبل الكرامة لا لأنه لا يستحق الكرامة، بل لأن الجائع لا يستطيع أن يفكر في شيء غير الجوع. ومن هنا وحده يُفهم لماذا لا يمكن إصلاح العقل في بيئة مدمّرة: لأن العقل نفسه يصبح أسير شروط البقاء يعمل بأدواته كلها في خدمة غاية واحدة هي الاستمرار.

وهكذا نصل إلى الحقيقة التي طالما هرب منها الجدل الأيديولوجي بكل فصائله، الحقيقة البسيطة التي لا تحتمل الزخرفة ولا تقبل الالتفاف: إن أخطر ما أصاب المجتمعات العربية ليس الفقر وحده، بل تحويل الأنظار بعيدا عن جذور الفشل الحقيقية، باستنزاف الوعي في معارك الهوية والرموز والعقائد بينما كانت الدولة تتآكل والمؤسسات تنهار والفساد يتحول إلى قدر يومي مقبول. وما لم يتحول النقد من مطاردة العقائد إلى مساءلة الأداء ومحاسبة الأنظمة وبناء المؤسسات، فإن هذه الحلقة ستستمر إلى ما لا نهاية جيلا يرث من الجيل الذي قبله نفس الخراب ونفس الجدل ونفس العجز.

معركة النهضة ليست معركة ضد دين أو طائفة أو تراث أو حداثة. إنها معركة ضد كل ما يحول دون قيام الدولة الحقيقية، الفساد الذي ينهب والاستبداد الذي يُعطّل والمحاصصة التي تُفرغ المؤسسات والهوياتية التي تحمي الفاشلين من المساءلة. كلها وجوه لظاهرة واحدة: غياب العمران الذي يصون الإنسان ويُتيح له أن ينمو. والحضارة لا تبدأ حين يتفق المثقفون على عقيدة مشتركة، بل حين تبدأ الأمم في بناء الإنسان عبر بناء شروط حياته الكريمة.  لأن الإنسان لا يزدهر بالشعارات، بل بالعدالة. ولا يتحرر بالخطب، بل بالأمان. ولا يصبح عقلانيا لأن أحدا طلب منه ذلك، بل لأن الحياة الكريمة نفسها - حين تتحقق - تعيد تشكيل عقله وروحه ووعيه من الداخل في صمت لا يُسمع وبعمق لا يُقاس.

***

حميد القحطاني