عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

زويب ماتين: قراءة غرين في عالم من الزجاج والفولاذ

بقلم: زويب ماتين

ترجمة: صالح الرزوق

***

أحيانا، يبدو الأمر غريبا عندما ندرك مدى عدم استعدادنا، كأطفال في المدرسة، للكدح المتواصل والعمل وأداء الواجبات التي ستقيدنا في مرحلة البلوغ. في قصيدة لويليام هنري ديفيز، توجد مرثية لأحوالنا، والقصيدة جزء أساسي من منهج اللغة الإنكليزية لدينا، وقد ورد فيها: "ما هذه الحياة المليئة بالهموم؟. ليس لدينا وقت للوقوف والتأمل".

لا شك أننا نفهم من هذه القصيدة أن "الحياة المليئة بالهموم" تشير إلى يوم دراسي حافل بالواجبات المنزلية. لم نكن ندرك حينها أننا على الأقل نستطيع التمتع بوقت الفراغ الذي يحق لنا الحصول عليه، ولم نكن نعي بعد الهموم والشكوك وخيبات الأمل التي ستطارد ساعات راحتنا وأوقات تأملنا التي نكتسبها بشق الأنفس في مرحلة البلوغ.

للهروب من هذه "الحياة المليئة بالهموم"، ومن القلق حيال الخط الأحمر الذي سيكلفنا بعض الدرجات في أوراق امتحاناتنا، انغمسنا، أو أقله انغمس بعضنا، في الكتب التي أخذتنا بعيدا عن رتابة الدروس والامتحانات اللامتناهية. عندما كنا نقرأها، سواء في ساعة الغداء، أو إذا استعرناها من المكتبة، أو حتى سرا تحت المكتب أثناء نسخ الملاحظات من السبورة، كانت تمنحنا متعة تدوم طويلا، بل وجرعة من تعليم قادم من عالم آخر، كنا نرتشفه بشغف يفوق بكثير ما نستطيع تقديمه لدروسنا. في تلك الكتب، كنا نسافر إلى أراض بعيدة، أو حتى إلى مركز الأرض، ونقرأ قصصا عن فتيان لم يتلقوا تعليما صحيحا، ومع ذلك انطلقوا في مغامرات مليئة بالمخاطر، حيث استطاعوا الصمود أمام البشر. كنا نلتقي بالمغامرين والقراصنة والقتلة واللصوص؛ كما كنا نواجه رجالا غير مرئيين، وغزاة من المريخ، ومصاصي دماء، ووحوشا بشعة. لقد تابع المرء هذه الشخصيات ومؤامراتها بشغف خيالي كبير لدرجة أن الشخصيات الأسطورية مثل فاجين وبيل سايكس، في حالتها البائسة، كانت تبدو حقيقية بشكل غير متوقع - لقد ذكرت المرء ببعض القسوة والمكر البغيض الذي وجده المرء داخل جدران المدرسة والذي سيجده مرة أخرى في مرحلة البلوغ أيضا.

وبعد الكتب، وخاصة تلك التي تتناول قصصا مثل "القباطنة الشجعان" أو رواية بلاي عن تمرد سفينة باونتي، كانت الأفلام التي يشاهدها المرء في ذلك العمر، والتي تصور ضباطا ورجالا يرسلون في مهمات جريئة خلف خطوط العدو، وعملاء سريين يرسلون إلى أراض خلابة لإنقاذ الموقف، هي التي تترك للانطباع ااأولي عن عمل الرجال في المكاتب. وبطبيعة الحال، الأفلام التي وثقت هذا الجانب الأخير هي بواكير أفلام جيمس بوند، لأن كل تلك "المهمات السرية للغاية"، وتلك المغامرات الممتعة في الجزر الاستوائية والمدن الصاخبة في الجانب الآخر من العالم، وداخل غرف في الأهرامات أو في أوكار الأشرار الكائنة في البراكين، هي عادة ما تأتي بعد اجتماع أو "إحاطة “مع رئيس بوند المدعو ببساطة "إم". في تلك الغرفة الرسمية المريحة ذات الباب الجلدي، كان يأمره بوضوح وتهذيب قائلا - "اجلس، 007" - تمهيدا لشيء مثير قادم. لطالما راودتني ذكرى هذا المشهد المتكرر خلال تلك الساعات الكئيبة في الفصل الدراسي المضاء بالنيون؛ فإذا كان الأولاد الآخرون يتوقون إلى مباراة كرة قدم مثيرة على أرض الملعب الرملية، كنت أتوق إلى أمر، أكثر تعقيدا، له إيحاءات ساخرة، وينتهي بعقاب على ذنب جسيم. كنت أتخيل أنهم يستدعونني إلى غرفة المدير - غرفة مكيفة فاخرة وواسعة كقاعة تدريس، ومزودة بمقاعد ذات ذراعين ومبطنة ومريحة بالمقارنة مع مقاعدنا الخشبية الصلبة. كانت ملامح مديرنا سمراء، ونادرا ما تكون ودودة، وتبدو مشدودة للغاية وهو مكفن في ثوبه الأبيض الناصع ولا سيما في المناسبات الرسمية، لكن في بقية الأوقات يرتدي قميصا أبيض وسروالا قطنيا أكثر سوادا من وجهه. وهذه الملامح لا تضاهي وقار "إم" الهادئ، بل والمذهول، كما يجسده الممثل المبهر دائما، السيد برنارد لي.

لعل سبب هذا الخيال الذي لا يزال يرافقني هو أن والدي كان دائم الترحال في أرجاء البلاد بحكم عمله، وكان عند عودته، إلى جانب الألعاب والحلوى وغيرها من التذكارات التي يحملها من رحلاته (ناهيك عن النسخ المقرصنة من أفلام الحرب والتجسس القديمة التي يشتريها من الباعة المتجولين الماليزيين)، يسليني بقصصه عما مر به من تجارب - مثل قصص رجال الأعمال الأجانب الذين التقاهم، ومشاهد وأصوات من تلك البلدان الأجنبية، والوجبات الفاخرة التي تقدم في أطباق رويال دولتون حين يكون على متن الدرجة الأولى. على النقيض من ذلك، لم يكن ينسيني رتابة المكان، في مكتبه، سوى "سحر" آلات التصوير، بصوتها المميز ونقراتها، والأختام المطاطية وأحبارها. ومع ذلك يأخذ المكان بالتضاؤل أمام رحابة حكايات سفرياته.

بعد أكثر من خمسة عشر عاما على أول زيارة إلى المكتب الحقيقي، وجدت نفسي أعمل في شركة وساطة، ومثل ذلك الطفل، كنت مفتونا بالآلات أكثر من الرجال أو النساء. كنت أجد متعة كبيرة في آلات توزيع المشروبات التي تصب الشاي الساخن والقهوة والشوكولا، وحتى حساء البندورة، بصوت صاخب، في أقل من دقيقة. لكن ربما كان هذا القدر الضئيل من التسلية هو كل ما يمكن للمرء أن يتطلع إليه. فالعمل، حتى في أكثر الأيام ازدحاما، لا يمثل أي شيء له قيمة أو جدير بالتقدير، وكان المرء يعد الدقائق، كما يعد الصبي الأسابيع والأيام المتبقية لعطلته المدرسية، حتى ساعة المغادرة، و وحينها تكون منهكا للغاية، بل وربما محبطا.

في عامي الرابع كعامل، بدأت أقرأ لغراهام غرين، الكاتب الذي أصبحت أعماله مصدر عزاء لي كلما اشتدت وطأة الحياة. في رواياته الأولى، وجدت صدى عميقا ليأسي وإحباطي في عالم لا يترجم فيه العمل إلى نجاح، ولا تكسب فيه من العزم والإصرار أية كرامة. لقد تركت جيمس بوند، ببدلاته الأنيقة وحقيبته الخطيرة، في عالم الخيال. بدلا من ذلك، وجدت صورة معاكسة ومقلقة لكنها مريحة في شخصية رايفن الطريد، بياقة معطفه الرث الذي يخفي شفة الأرنب، وكان محكوما عليه بحياة لا تنتهي من الكراهية والعداء، وهو يطارد رب عمله عديم الضمير في أرجاء البلاد - وهذا هدف قاس وصريح، لكنه يحتوي على قدر من الإنسانية، لأنه يريد أن ينتقم من عالم واسع جدا وقوي للغاية. «عالم واسع جدا وقوي للغاية»... بينما كنت أجلس كل صباح على درجات الرخام الضخمة للمبنى الذي يضم مكتب الشركة التي عملت بها، أقرأ بضع صفحات أخرى عن رايفن الذي يحاول أن يتهرب من مطارديه الذين يلاحقونه بلا هوادة رغم العلامة المشوهة التي تدينه، لم يسعني إلا أن أشعر بضرورة إخفاء احتمال وقوعي بالخطأ وأن أثبت أنني شخص يتحلى بالصدق والنبالة. وهذا الشعور يشبه الإصابة بطاعون قاتل وميؤوس منه. لكن اليوم الذي انقضى كان حالكا كشوارع نوتيج Nottwich حيث اختبأ رايفن وتجول بسرية تامة، تحت أضواء النيون التي تسطع عليه. كل يوم، كنت أخشى احتمال أن أتعرض للتفتيش ثم يقبض علي في النهاية بسبب خطأ تافه، وبالتالي يحكم علي بالإذلال مرة أخرى. لا عجب إذا، أنه عندما قرأت «جوهر القضية»، رأيت سكوبي متحسسا من نظرات ويلسون المريبة والقاسية، وهي تسبر كل حركة يقوم بها، وفي نفس الوقت شاركته شعوره وتفهمته، فقد كنت مثل السوريين أنفسهم.

تقول الرواية: "ويلسون يكتب تقارير عنا جميعا يا سكوبي. عن فريزر، وتود، وثيمبليريج، وعني أيضا. وهو يعتقد أنني متساهل للغاية. لكن هذا لا يهم. رأيته يمزق تقاريره، وبالطبع ويلسون يكتب تقارير عنه".

قبل عام من بدء عملي في شركة أخرى، قرأت رواية "العامل البشري"، تلك الرواية الرائعة والقاتمة التي تصور رجالا ضائعين ويعملون في جهاز المخابرات، ثم يجدون أنفسهم في حالة شك بأخلاقهم ودوافعهم عند اكتشاف أي تسريب. لعل هذه الرواية كانت الترياق الفعال ضد غواية العمل مع الاستخبارات والتجسس كما صوره لنا فليمنغ في أفلامه، ومن المثير للاهتمام أن ندرك أن غرين نفسه كان ينوي أن تكون روايته تفكيكا للعنف والشهرة اللذين ارتبطا دائما بجيمس بوند. قبل أن تنتهي الرواية المحكمة، ذات الطابع الرثائي تقريبا، نشعر بأول مرارة حيال هذا الإحساس بخيبة الأمل والغدر، وتندحر الاحتمالات الرومانسية وما يرافقها من إثارة، ويأتي ذلك في هذا الحوار الذي لا ينسى بين كاسل وديفيس.

يقول: "ماذا عن مسدس لوغر؟ أظن أنك كنت تملك مسدس لوغر. أو قلم حبر متفجر؟".

"لا. لم نكن يوما من محبي أفلام جيمس بوند هنا. لم يسمح لي بحمل مسدس، وكانت سيارتي الوحيدة مستعملة ومن ماركة موريس".

"ربما كان من الممكن على الأقل أن نحصل على مسدس لوغر واحد نتقاسمه. عصرنا عصر الإرهاب."

قال كاسل على أمل تهدئة ديفيس: "لكن لدينا جهاز تشويش".

هذا مصير ديفيس المسكين المحكوم بالموت، بل وحتى، كما لاحظ كاسل بمرارة، المكتوب عليه "الهروب" ليس فقط من الشبهات بل ومن رتابة حياته التي لا تنتهي، والذي يحمل في طياته عنصر السخرية المألوف في روايات غرين. حين يدلي ألفريد جونز، بطل رواية " دكتور فيشر من جنيف"، بتعليق طائش عن أرباب عمله - وهو صانع شوكولاتة في فيفي - قائلا: "أن الشركات الكبرى، مثل أجهزة المخابرات، تطالب موظفيها بالولاء أكثر من الأمانة"، يلقى ديفيس الشريف دائما والمخلص، حتفه على يد منظمته بدلا من كاسل المؤمن ولكن الخائن. 

وحينما كنت أقرأ رواية "تحت الحديقة"، أولا في المنزل عندما كنا جميعا محبوسين خلال فترة الوباء، ثم أكثر من مرة في شرفة المكتب المتربة، وكلما حاولت الهروب من ضرورة إظهار ولائي الفاتر للشركة، فاجأتني تعليمات جافيت الصادمة والموجهة لويليام وايلديتش قائلا له: "كن غير مخلص. إنه واجبك تجاه الجنس البشري. الجنس البشري بحاجة إلى البقاء، والرجل المخلص هو الذي يموت أولا بسبب القلق أو الرصاص أو الإرهاق".

حاولت طوال هذه السنوات أن أكون خائنا قدر الإمكان، لكن شعورا متأصلا بالواجب والمسؤولية كان دائما يحبط خططي المعقدة. كان هذا الشعور نابعا إلى حد ما من إحساسي بأنني مراقب باستمرار، مثل "دي" في رواية "العميل السري" - جنون ارتياب لا يلين وتجد جذوره في انعدام الثقة.

تقول الرواية: "لم يكن متأكدا من أنه غير مراقب في هذه اللحظة؛ لم يكن متأكدا أنه ليس من الصواب أن يكون مراقبا... والمراقب (بكسر القاف) - هل كان مراقبا (بفتح القاف)؟. لقد طارده للحظة شعور لا نهاية له بعدم الثقة".

إخشر أن تبدو هذه الأفكار والتأملات، قاتمة للغاية، ولذا ينبغي لي أن أتطرق إلى الجانب الساخر من تصوير غرين لهذا الهوس المرضي الذي يسود كل مهنة، ولا سيما في أجهزة المخابرات، حيث تكون المصلحة الذاتية الخبيثة، كما هو الحال في أي مكتب يتكون من قاعات للاجتماعات ومن صفوف ومكاتب، هي السبيل الوحيد للبقاء. كم مرة، حين نسمع عن مصير مروع وعشوائي نتيجة قرار تتخذه سلطات اجتمعت في غرفة معزولة، شعرنا بأننا مهمشون تقريبا عن مجريات الأمور؟. من منا لا يتعاطف مع توسل وورمولد المضطرب في رواية "رجلنا في هافانا" حين يكشف هوثورن، ببرود يكاد يكون تاما، عن المصير الذي ينتظره؟.

يقول: "هل تمانع في إخباري كيف سيقتلونني؟. كما ترى، الأمر يهمني شخصياً...". وبالطبع، من البديهي أنه لم يكن هناك، طيلة هذه السنوات العشر، أي مفر من تلك الحقيقة الأكثر وضوحا وتأثيرا على الإطلاق، ألا وهي الفشل الحتمي الذي يبدو وكأنه قدر محتوم، في سبيل الحصول على ترقية. حقيقة أدركها بيرترام جيدا في روايته "الخاسر يكسب كل شيء" .

كنت مساعد محاسب (مساعد محاسب متقدم في السن)، وقد جعل اتساع المكان الترقية تبدو كأنها شبه مستحيلة. لأرتقي من الطابق الأرضي، كان علي أن أكون تمثالا بحد ذاتي.

***

................

* الترجمة عن المجلة الفصلية (كوارتيرلي ماغازين). عدد 5 آذار 2025. تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي.

* زويب ماتين ZOEB MATIN كاتب محتوى هندي.

في المثقف اليوم