مانيفستو الوهم والجمال
يعجبني كثيرا أن أباهي بشعري الرطب المنساب وببريقه الأخاذ. تضحك زوجتي وأحيانا صغاري عندما أصرّ على هذا الادعاء. أبتسم عادة لأن حكاية شعري الذي ليس رطباً ولا منساباً ليست إلا أحد الأوهام التي أعيشها، وأتملكها بإضمار خفي وممتع، ربما لصورة أريد أن أكون عليها. وكلما ألححت، قالت لي زوجتي. أرني شعرك الرطب. فأمد يدي إليه كمن يلمس شيئا ليس له، ثم أعيدها خالية. غير أن الخلو لا يزعجني، لأن المتعة كانت في اللحظة التي سبقت اللمس، حين كان الشعر رطباً في خيالي. أعني بلا مواربة أن الوهم لا يُهزم باللمس، فاللمس وحده قد يمنحنا فرصة أن نكتشف أن الخيال أمتع من الجسد.
يرتهن كل هذا إلى افتقاد أزلي للإحساس الصحيح بالنفس. أعني عدم قدرة الوعي الباطني على التنبه الدائم للمقاس أو لطريقة الامتداد في الفضاء. هذا التوجس المستمر للموضع يشكل تمريناً على اكتشاف ذاتي. فعادة اللباس مثلا غادرت وظيفتها الأخلاقية والوقائية إلى وظيفة استعمالية واجتماعية، فصيغة الموضة تعتمد الهوس الدائم بالتعين واكتشاف المقاس واحتجاز الفضاء. طريقة متواترة لاكتشاف هذا الجسد الذي يمجد هوسنا الدائم بشكلنا المفقود.
هذا الوهم نفسه يدعو إلى الإصرار على فتح دولاب قديم والنظر في أشيائه اليائسة، والتأكد كل مرة من وجودها، من غير أن ننفض الغبار عنها. لا تبدو قصة الدولاب اعتباطا. لأن عدم الإقلاع عن هذا الطقس سيعطيك الانطباع أن شيئاً خفياً يسكن في ظلمته، ولأنه كان بعيداً عن المجانية التي تأكل منا نصف العمر. لماذا هذا الدولاب بالذات؟ لماذا نفتحه ولا ننفض غباره؟ لأنّنا لا نريد أن نراه نضراً. نريده كما هو مهملاً، يائساً. يأس الطرف الآخر طمأنينة. فالأشياء التي هجرنا الاهتمام بها وتُركت جانبا، تشهد أننا كنا هناك. كالجرح الذي نضغط عليه كي نتحقق أنه ما زال يؤلم. أعني أن الدولاب خزانة أوقات لم نعشها بالكامل. نفتحه كي نعيشها ناقصة. ثم نفعل ذلك مع المستقبل أيضا. نتخيل كلمات ستقال لنا، أو انتصارات سنحققها، ثم نعيش فرحتها قبل أوانها. نعود إلى تخيلها حين لا تتحقق. عندما تسألنا الذاكرة: هل كان هذا حقيقة؟ نقف حائرين. هذه الحيرة هي اللذة. أظنها رياضة في تأجيل خيبة الأمل، وتمريناً على احتمال أن تكون الحقيقة أقل بهاء
يحدث أن أستيقظ كل صباح وفي يدي بقايا حلم لم يكتمل. أحاول أن أمسك بخيطه قبل أن يفلت، كمن يركض خلف دخان. أغمض عيني من جديد لعلي أستكمله. لكن استعادته أشبه بمن يحاول أن يمد يده إلى ماء يجري. تخبرني زوجتي أنني تكلمت كثيراً في النوم؟ فأروي لها، هربا من الحرج، حكاية مبتورة وأزين فراغاتها بتفاصيل من عندي، حتى يصير ما أرويه أجمل مما رأيته.
تمتلك الكتابة هذا الاعتقاد الدائم بالاكتمال والبهاء. حتى تلك التي تُقترف ببشاعة، لا تنحاز إلى ذائقتنا فقط، لكنها تتهرب من النقد. الكتابة فعل ذهني موقوت بلحظة ضاغطة، قادرة على تجميع الجهد الفكري من كل الاتجاهات. لي فيها عجب أن أكتب الفقرة فأظنها مكتملة. ثم أعود فأرى فراغات لم تكن هناك، أو جملة كأنها لم تُكتب بيدي. وكأن النص كائن حي يمتد وينكمش، أو مرآة متغيرة كلما ابتعد الناظر. لست أدري إن أخطأت في التقدير أم إن النص يتهرب مني؟ لعل كليهما صواب.
أكتب الكلمة وأظن أنني وضعت فيها كل ما أريد، كمن يغلق حقيبة على أشيائه ويطمئن أنها هناك. ثم يقرأها آخر فيخرج منها بغير ما وضعت، وكأن الحقيبة انفتحت في الطريق ونثرت محتواها على قارعة أخرى. لا أغضب من هذا، لأنني أدرك أن معاني اللغة وهم مشترك. أتوهم أنني قلت ويتوهم أنه فهم. تولد بينهما قراءة ثالثة لا تشبه نيتي ولا تخون فهمه. لنقل كاتباً، أي كاتب يعيد قراءة رسائله القديمة فيجد نفسه فيها غريباً رغم أن الحبر لم يتغير. فماذا تغير إذن؟ لا شيء إلا أنه صار قارئا لنفسه. هو أمر قد يبدو اعتباطا لكن للمسافة والزمن أثر. أظن أن كل رسالة زجاجة نرميها في بحر، لا نعرف أي شاطئ سيلتقطها، ولا أي وجه سيبتسم أو يعبس حين يقرأها. هذا الجهل بالمصير هو ما يمنح الكتابة نشوتها. إننا نرميها إلى الريح، ونصدق أنها ستعود كما أردناها.
لا ينافي الوهم الجمالي الإدراك. على المرء أن يميز أن الذائقة في تحولاتها تفقد موازين التقنين. نمسك الجمال كمن يمسك الماء بيديه. يتسرب كلما اشتد القبض عليه. هذا ما جعل النقاد يختلفون في تعريفه، لأنه يفر من التعريف كما يفر الظل من الضوء. الجمال ليس صفة في الشيء. هو لحظة تواطؤ بين الشيء والناظر والمتلقي. ما أراه جمالاً، قد يراه الآخر قبحاً. لسنا أمام خطأ أو صواب. نحن أمام بصمات. لعل هذا هو المقاس الحقيقي. ليس مقاساً للجمال في ذاته. هو مقاس لقدرتنا على الاختلاف دون أن نكسر المرايا.
ترتهن قوة النص إلى هذا الظن المحفز على الانتشاء بالمعنى، أو التصور الدائم بالقبض على الجمال. لا يختلف عن إعجابنا بأصواتنا تحت الدش، أو قدرتنا على الغناء بصوت أوسع من أم كلثوم فقط في صمتنا. تعتمد رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" على خدعة النظر. يرى من بعيد شجرة واحدة وهو يعلم أنها غابة، لكنه يقبل الخدعة. إننا في النهاية رواة نبحث عن زمن أضعناه عن قصد.
يحدث أن أرى صورة قديمة التقطها صديق منذ سنوات، فلا أتعرف على الجالس فيها. أقول لنفسي. هل هذا أنا حقاً؟ أشعر أن الصورة تخونني أكثر مما تخلدني، لأنها حبست لحظة واحدة وزعمت أنها أنا جمبعا، بينما كنت في تلك اللحظة أفكر في شيء آخر تماما،. ربما في وجبة الغداء أو في دَين لم أسدده. يحمل كل منا صورا كثيرة يوزعها على الناس دون أن يقصد. أعجب كيف تُبنى هوية من شذرات متناثرة في رؤوس آخرين، كفسيفساء موزعة لا نملك منها إلا قطعة واحدة بينما الباقي محفوظ عند غرباء لن نلتقيهم ثانية. أتساءل أحياناً: أي صورة ستبقى بعدي؟ ولمن؟ أدرك أن هذا السؤال نفسه ملتبس، لأن البقاء ليس ملكاً أقرره. هو ملك الذاكرة التي ستحتفظ بما يحلو لها وتنسى الباقي أو ترميه.
تبقى لحظة الجمال مرهونة بوهم الجمال التام أو الكمال، رغم زعمها أن النص فوق المعنى. الامتداد في الفضاء لا يعادله إلا المقام في اعتقادنا نحن. أعرف أنني أمام المرآة أرى كل صباح وجهاً ليس وجهي تماما. أرى فيه شيئاً من أبي، من صديق قديم، من بطل فيلم قديم. أحاول أن أميز ملامحي فلا أعثر عليها. ثم أبتسم، لأن هذا التشوه هو ما يجعلني أنا. فلو كنت شبيها لنفسي، لكان دليلا على أنني لم أعش.
لن تكون هذه دعوة للقرار داخل لعبة تحرسها فزاعة. هي محاولة تقول إن تكريس مفهوم لذائقة معينة تحكمه الأوهام. التراكم لا يبرر وحده علو العمل الفني، لكنه يؤكد أنه ينحاز إلى الذائقة الجمعية، مثلما أريد أن أباهي بشعري المنساب.
***
سعيف علي








