عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: نيتشه وإعادة اختراع الانسان

اذا قيل لنا اننا سنعيش حياتنا في دورة لا متناهية من العود الأبدي تماما كما كانت في كل مظهر وفي كل حدث، كل ألم وكل مرح، مرة بعد أخرى الى الأبد، هل سيملؤنا هذا الاحتمال بالفرح ام باليأس؟

هذا هو التحدي الذي ألقاه نيتشه بوجه النقاش الفلسفي القديم في الفكر الغربي حول الرغبة الحرة مقابل الحتمية، لتحديد معنى ان تكون انسانا.

افلاطون اختار الإرادة الحرة، معلناً اننا يجب ان نسترشد بالخير، المثال الأبدي، لكي لا نقع في فخ عبودية الانسان للعواطف والرغبة. لكن أليس املاءات الخير ذاته هي شكل من عبودية عليا للحتمية؟ بعد ألفين سنة لاحقة، دعا كانط أيضا للإرادة الحرة، مع التنويه بان جميع أفعالنا يجب ان تكون قابلة للتطبيق العالمي، وهو شرط سمح بالدخول الى الحتمية من الباب الخلفي. هو اتخذ رؤية راديكالية في اننا مقيّدون دائما لقول الحقيقة، حتى لو جعلنا ذلك شركاء في الجريمة.

وفي التعاليم الفيدانتية vedantic teaching، يضع مفهوم الكارما (نصنع أنفسنا من خلال ما فعلناه) حدودا للإرادة الحرة من خلال نتائج أفعالنا واخطاؤنا الماضية .

بدءاً من ادّعائه الشهير حول موت الإله، وحيث أضعف العلم ومعه العلمانية العقيدة المسيحية، حاول نيتشه اختراع بوصلة أخلاقية تتجاوز الثنائية التقليدية للخير والشر. مسميا الإرادة الحرة بـ "غباء فظ" اخترعها الاستبداد الديني لإثارة الشعور بالذنب لدى البشرية ودفعها الى عقلية العبودية والخضوع، هو دعا الى "إعادة تقييم" ثورية للقيم تعتمد ليس على التدبير الإلهي وانما على رغبتنا الفطرية للقوة، ليس للسيطرة على الآخرين وانما للسيطرة على الذات، لتحقيق سيادة ذاتية والتطور الى الانسان الخارق (ubermensch).

وفي عمله الشهير (عام 1883)، هكذا تكلم زرادشت، والذي هو قصيدة نثرية موجزة بدلا من رسالة فلسفية، طرح نيتشه ثلاث مراحل لمسار إعادة اختراع الإنسانية: الجمل، الذي يحمل أثقال القيم المفروضة، الأسد، المكافح الشرس لأجل الحرية، الطفل، الذي وُلد من جديد كشخص مؤكد للحياة، مؤيد منتصر، بلا أمل في الجنة، ولا خوف من النار، مستعدا لتحمّل الانتصارات ومآسي الحياة الأرضية حتى في وجه الأبدية المتخيلة للعود الابدي.

زرادشت، الرجل الشاب – وهو اسم وهمي مشتق من zoroaster مؤسس الزرادشتية أقدم الديانات العالمية – ينسحب الى ملاذ محصن في جبل ثم يعود الى عالم البشر لنشر رسالته الايحائية في طريقة جديدة للتفكير والحياة للإنسانية لتحقيق الهدف النهائي في الانسان الخارق، ليس في الآخرة، وانما في الحاضر.

هذا التمجيد للإنسان الخارق، الذي اُختطف وشُوّه من جانب النازيين، اسيء فهمه في التقاليد الشعبية وتسبب في ان يوصم نيتشه بالفاشي المتخفِّ، رغم انه كان ناقدا مدى الحياة للاشتراكية القومية ومعاداة السامية.

***

حاتم حميد محسن