قضايا
مجدي إبراهيم: محمد عبده.. من عقلانيّة الإمامة إلى حكمة العارفين.. (2)

3ــ تحرير الفكر من قيد التقليد:
أعود فأقول: كم من حديثٍ جرى بين الإمام محمد عبده وبين أحد هؤلاء المبرَّزين من الغربيين الذين تم ذكرهم فيما سلف؛ فكان مثالاً لتقدير عقل لعقل، وفكر لفكر، وشعور لشعور، وبيان لبيان.
حقاً ! إنّ الفكرة الصادقة المخلصة متى صدرت عن وعى العقل المفكر صادفت تقديراً ممَّن يعي، وممَّن يفكر، وممَّن يخدم بإخلاص عالم الرأي والتفكير.
وكم من جدالٍ أثاره الشيخ الإمام في البيئة العربية فوجد عقولاً معوجَّة تتأوّل الرأي كيما لا تفهمه؛ لا بل هى أبعد ما تكون عن التأويل. بيد أنها لا تتصف بشيء سوى كونها بعيدة عن الفهم والتفهم وكفى، ناهيك عمّا وجده كذلك من نفوس ملوَّثة تجرَّها آفات الضغائن وأوساخ الأحقاد إلى ما لا يليق مطلقاً بالآدميين .. ثم ماذا؟ ثم قلوبُ مطموسة خاوية لا تحمل إلا ما تكنّه دوماً وتفكّر فيه: الحقد والحسد والضغينة وشعور البغضاء وممّا لا حصر له من سواد الضمائر والقلوب.
ذهبوا أولئك جميعاً إلى "العار والازدراء الأبدي" وبقى محمد عبده في قلوبنا وعقولنا حياً محبوباً، وحقيقاً على الدوام بالمحبة المتجددة والحياة الفكرية الصافية.
إنّ الذين جمدوا على التقليد والتخلٌّف والرجعية كانوا في رأى الأستاذ أخطر خلق الله على الإسلام؛ لأنهم حجّروا الدين وفق ما يتصوّرون وأغلقوه على ما يفهمون منه وكفى.
وكفى بهذه الضلالة طعناً في الدين من أقرب طريق. الدين الذي جاء ليرفع شعار الحرية والتّحرُّر يصبح من فوره على ألسنتهم ليس إلا دعوة للتخلَّف والرجعية والجمود على القديم. الدين الذي جاء بالتسامح مع الآخر ينقلبُ لديهم إلى عنف وإرهاب! ولكن الذين ينسون دين الله ويذكرون ما لأنفسهم من دين فيقدِّسون أنفسهم ولا يعرفون تقديساً لشيء غيرها، هم وحدهم فقط أولى بالمحاربة والهجوم وانتفاضة الإصلاح.
وفي ظل ظروف عفنة آسنة، وتقليد يمنع حرية الفكر ويقيد خطاباتها بمقولات واهية، فليس ثمة اجتهاد على الإطلاق. نحتاج اليوم إلى عودة محمد عبده، ما دامت فينا عقلية "الشيخ عليش" العدو اللدود لأكبر مصلح تجديدي عرفته البلاد الشرقية إذ ذاك، فلا زالت عقلية الشيخ محمد عليش تسود قطاعات كبيرة في مؤسساتنا، وتطعن في فريضه الإصلاح وتتعصب على الجمود بمقدار ما تفسد مقومات التجديد. (يُراجع: حوارات محمد عبده مع الشيخ عليش وجموده على القديم، وتمثيله للتطرف في هذا الجمود (الأعمال الكاملة؛ تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1441ه - 1993م جـ 3؛ ص 210).
كان الشيخ محمد عليش هو العدو اللدود للإمام "محمد عبده" أكبر مصلح مجدّد عرفته البلاد الشرقية، ولا تزال قاعات الدرس في بلادنا تهتدي بأمثال عقلية الشيخ عليش أحد شيوخ المالكية الذين وقفوا بالمرصاد لدعوة الإمام محمد عبده، يرفضون الاجتهاد ويعادون تجديد الخطاب الديني، ولا يرون في الإصلاح إلا الكفر والبغضاء والمعاداة؛ إذ كان قطباً بارزاً من أقطاب التقليد والجمود في الأزهر الشريف. وكانت له قناعاته المتصلّبة نحو كل جديد: رفضه، ورفض من يدعو إليه ولو بالقوة القتالية.
وقد وصل الأمر ـ فيما يرويه الإمام محمد عبده نفسه ـ في عداء الشيخ "عليش" للاجتهاد إلى درجة دفعته أن حمل حربة توجّه بها ليطعن زميله الشيخ السنوسي الذي جرؤ على الاجتهاد، فخرق حرمة الدين واتبع سبيلاً غير سبيل المؤمنين؛ لأنه صنّف كتاباً في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على الأصول المالكية، ولولا مغادرة الشيخ السنوسي القاهرة إذْ ذاك قبل ملاقاة الشيخ عليش، لوقعت الواقعة واغتيل واحد من المجتهدين على يدي أحد التكفيرين من دعاة التقليد. من يصدق فينا هذا العته الفكري؟ كان محمد عبده طالباً بالأزهر، وكان يلقي بالأزهر دروساً في مسجد محمد بك أبو الدهب، فاستدعاه الشيخ عليش ودار بينهما حوار انتهى بمشادة انسحب بعدها الإمام محمد عبده مستعداً لرد اعتداء الشيخ عليش بواسطة عصا وضعها إلى جواره وهو يلقي دروسه على الطلاب.
وقد بلغت بالشيخ عليش الغيرة على الدين من طريق التطرف مبلغها النقيض حتى لقد وصفه "العقاد" وصفاً دقيقاً قائلاً: "وقد كان الشيخ محمد عليش رجلاً صالحاً عفيفاً عن المطامع الدنيوية التي تستهوي طلاب المظاهر من علماء عصره، وكان مخلصاً صادق النيّة في كراهة البدع التي يُخشى منها على الدين، ولكنه إخلاصٌ قاده إلى التطرف الشديد وأوشك أن يبغض إليه كل تفكير يستقل به طالب العلم، ولو كان من تفكير حكماء الإسلام. وأبلغه ابنه يوماً أن طالباً بالأزهر يحضر على جمال الدين الأفغاني، ويقرأ كتب المعتزلة والمتكلمين؛ فحمل عكازه وذهب مع ابنه وأصحابه الشباب إلى حين يجلس الطالب الجريء، ودارت بين العالم الكبير والطالب الناشئ مشادة، أحرى أن تسمى مشاجرة؛ لأنها انتهت إلى التماسك بالأيدي واعتصام العالم الكبير بعكازه، وألجأت الطالب الناشئ إلى اصطحاب عصاه كلما ذهب إلى حلقته، ردّاً لعادية الزملاء المستأنسين بحماية شيخهم، إنْ لم يكن رداً لعادية الشيخ الوقور (راجع العقاد: عبقري الإصلاح والتعليم: ص 151).
لم يكن الإمام محمد عبده أكبر مصلح تجديدي عرفته البلاد الشرقية إذ ذاك بالذي يقبل من الخطابات التراثية القديمة كل ما فيها؛ لأن هذا القبول نفسه يطعن في فريضة الإصلاح بمقدار ما يفسد مقومات التجديد كذلك. ومعنى كلمة تجديد (Modernism): نزعة تأخذ بأساليب جديدة في نواحي الحياة الفكرية والعملية (راجع: المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بتصدير إبراهيم مدكور، القاهرة 1399هـ - 1979م، ص 38).
وقد قال رحمه الله في أخريات حياته حاكياً عن نفسه:" ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري، وأنه على هذا الوجه يعدُّ صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعريف عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.
كل هذا أعدّه أمراً واحداً. وقد خالفتُ في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم. أمّا الأمر الثاني فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كانت في المخاطيات الرسمية بين دواوين الحكومة ومصالحها أو فيما تنشره الجرائد على الكافة، منشأ ومترجماً من لغات أخرى أو في المراسلات بين الناس.
هذه المنهجية ولا شك عندي هى أساس كل نزعة إصلاحية تجديدية تأخذ بها العقول المفكرة، وتضيف عليها فيما لو شاءت، وترفضها العقول البليدة المتحجرة، ولا تقبل منها المساس بما عساه أن يوقظ فيها صحوة العقل وانفتاحه على المعارف الأخرى.
واجهت دعوة الإمام محمد عبده متاعب تجسدت في تحطيم الجمود في المؤسسات الدينية؛ فلئن كان يأس من إصلاح الأزهر، إلى الدرجة التي بلغ فيها أن يقول: "إذا كان لي حظ من العلم الصحيح ... فإنني لم أحصّله إلا بعد أن مكثتُ عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة" (محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1441ه - 1993م، جـ 3، ص194).
وهو مع ذلك، لم يكن ييأس مطلقاً من الإصلاح الإسلامي، وهو مُقرر مع الكدح الدائم إلى ملكوت رب العالمين. قال يوماً لتلميذه رشيد رضا: فلئن دفعتني الصوارف إلى اليأس من إصلاح الأزهر؛ فإنني لا أيأس من الإصلاح الإسلامي، بل أترك الحكومة وأختار أفراداً من المستعدين، فأربيهم على طريقة التصوف التي ربيتُ عليها؛ ليكونوا خلفاً لي في خدمة الإسلام (الأعمال الكاملة؛ جـ 3، ص 193).
كان تمكين الزعامات الدينية هو العائق الأكبر أمام دعوته المستنيرة بنور العقل ونور التبصير.
وهذه الزعامات هى التي واجهها بكل شجاعة؛ إذ ليس في الإسلام سلطة دينية ولا كهنوت يتمثل في سلطة رجال الدين. وبما أن الكهانة الدينية تمنع حق الاجتهاد والتجديد وتلغي دور العقل في الفهم وإعمال النظر، فليس في الإسلام كهانة تقدّس ما لا قداسة له، فكل قداسة تقف عائقاً أمام تحرير العقل في المطالبة بحقه وإقامة ميزانه باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية، بل هى أفضلها على الحقيقة، إنما هى ليست من الإسلام في شيء؛ لأنها ضد الإيمان بالله بداهةً.
ولعلّ هذا هو الذي جعله يُفرق تفرقة حاسمة بين عمل أئمة الدنيا وعمل أئمة الدين، ويضرب السلطة ضربة لا تقوم لها قائمة بعدُ، وإنه ليرى:" أن الإيمان بالله يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية، وهى دعوى القداسة والوساطة عند الله، ودعوى التشريع والقول على الله بدون إذن الله، أو السلطة الدنيوية، وهى سلطة الملك والاستبداد، فإنّ العبوديّة لغير الله تهبط بالبشر إلى درجة الحيوان المُسَّخر أو الزرع المستنبت. وحقٌ على الإنسان أن لا يرضى لنفسه أن يكون عبداً ذليلاً لبشر مثله؛ لمجرد لقب ديني أو دنيوي، وقد أعزّه الله بالإيمان.
وإنمّا أئمة الدين عنده مبلغون لما شرع الله وليسوا هم رؤساء دين، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام الله. وإنما الخضوع الديني لله ولشرعه، لا لشخوصهم وألقابهم".
ثم إنه ليحدد معنى الإسلام الحقيقي بالنظر إلى الحق وحده لا إلى الأشخاص الذين يؤخذ عنهم هذا الحق، تحديداً لا يخلو من النظرة العقلية ومن الطلاقة الروحية معاً؛ ليرفع الإنسان إلى مراقي الكمال.
وبما إن الإسلام الصحيح يرفع نفس صاحبه إلى ذروة الكمال الإنساني إذا استطاع أن يحققه ويعمل على الدوام على تحقيقه، فقد "قضى بأن لا يكون للكون إلا قاهر واحد يدين له بالعبودية كل مخلوق، وحظر على الناس مقامين لا يمكن الرقي إليهما: مقام الألوهية التي تفرد بها. ومقام النبوة التي أختص بمنحها من شاء، ثم أغلق بابها. وما عدا ذلك من مراتب الكمال فهي بين يدي الإنسان، ينالها باستعداده، ولا يحول دونها حجاب إلا ما كان من تقصيره في عمله أو قصور في نظره .. إذا اعتقدتَ بقصور فضل الله عنك وقفت نفسك حيث وضعتها ولن تسطيع إلى التقدّم سبيلاً" (محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق وتقديم محمد عمارة، جـ 3، ص 235).
وعندي أن هذه العبارة الأخيرة عبارة صوفيّة خالصة، تمزج الشعور الديني بالتسليم القلبي، وتقارب بين الروح المثالي والتجريد للذوق الديني من ناحية، والفكر العملي الذي بغيره لا يكون الكمال كمالاً في مساعي التجربة ومساعي الارتقاء.
ثم إنّ شيخنا ليقرِّر حقيقة بالغة التسامح والرُّوحانيَّة، وهى عندي حقيقة كبرى سبقه إليها كبار الرُوحانيين الذين مثلوا الحياة الروحيّة في الإسلام خير تمثيل؛ كالحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، والجيلي، وابن سبعين، وأعنى بها "وحدة الأديان"، فماذا عَسَاه يقول؟
إنه ليقول:" الدين دين الله وهو دين واحد في الأوليين والأخريين، لا تختلف إلا صوَرَهُ ومظاهره. أمّا روحه وحقيقته وما طُوُلب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء والمرسلين فهو لا يتغير: إيمانٌ بالله وحده، وإخلاصٌ له في العبادة، ومعاونة الناس بعضهم البعض في الخير، وكف أذاهم بعضهم عن بعض ما قدروا. وهذا لا ينافى الارتقاء في الدين بارتقاء عقول البشر واستعدادهم لكمال الهداية" (محمد عبده: الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية: جمْع رشيد رضا, مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1954م - 1373ه, ص145).
لا ريب كانت محاربته لشتى ألوان الجمود والتقليد لا تعنى أنه كان ـ طيّب الله ثراه ـ يحارب أشخاصاً بعينهم بمقدار ما تعنى لدينا إنه كان يحارب عقولاً تتوارث الآفات الفكريّة جيلاً وراء جيل، ثم تتشبث بما ترث من هذه الآفات؛ ليكون سبيلها الوحيد الذي لا تعرف سواه هو التقليد.
والتقليد آفة والجمود على القديم آفة. والآفات التي من هذا النوع تنخر كما السوس في عقول الأمم فلا تنهض ولا تتقدّم.
لا تتقدّم أمتنا العربية والإسلامية قيد أنملة إلى الأمام بالجمود والتقليد، في حين ترى الأمم من حولها ناهضة قوية، لكنها آفة العقول المحدودة التي تتوارث داء الغفلة والضلالة والتحجير على عباد الله تحت ستار المحافظة على الدين، والدين من العقول المحدودة المغلقة بُراء.
إنه ليريد شيئاً نافعاً لأمته بدلاً من هذه الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى التي ألفت على زمن العصور الوسطى (محمد عبده: الأعمال الكاملة: جـ 3 ، ص 201).
وفي حِكَمِه القصيرة النافذة التي جمعها عنه تلميذه رشيد رضا قال محمد عبده:" أَشَدُّ التعب أن ترى من حولك مرضى وأنت لا تستطيع معالجتهم". وواضح أن المرضى هنا ليسوا مرضى الأبدان وحدها؛ بل كذلك مرضى الأفئدة والنفوس والعقول والأذهان؛ فإنّ معالجة مرضى القلوب والأذهان أشدُّ تعباً من معالجة مرضى الأبدان.
هذه هى معاناة شيخنا الحقيقية: نقد الفكر التقليدي، ومحاربة العقول البليدة المتحجِّرة، التي ظلت ومازالت تتخذ من الدين غطاءً تخفى وراءَهُ تخلُّفها وجهالتها، وتيبس أدمغتها، وجمودها وتقليدها، وأطماعها الدنيوية ونفوذها السلطوي البغيض.
ولعله بهذا كله؛ يكون محمد عبده أول من غرس في التربة العربية معالم بارزة يتأسس عليها وينشط بها التفكير النقدي.
والدين لا يدعو إلى التخلف، ولا إلى الجمود والتقليد، ولا إلى الطمع والنفوذ والتسلط والزعامات الموبوءة. الدين يدعو إلى الانفتاح والتسامح والمراجعة والتصحيح والطاعة لله والامتثال لأمره.
ومَنْ لا يفهم القرآن، ومن لا يقرأه على حضور وطلاقة لا يستطيع أن يقوم على الحقيقة بمهمة الدعوة الدينية في الإسلام، ولا يمكن لهذه الأمة أن تقوم في رأى الأستاذ الإمام إلا بالروح التي كانت في القرن الأوَّل وهى "رُوح القرآن"؛ وكل ما عداه فهو حجاب بينه وبين العلم والعمل.
(وللحديث بقية)
***
بقلم: د. مجدي إبراهيم
أستاذ الفلسفة - جامعة أسوان