قضايا

سجاد مصطفى: السرّ الذي يبتلع العقل.. رحلة الظل إلى النور المفقود

العقل كجريمة مُعلنة: بين السرّ والضوء

ليس في الكون ما يظهر خارقًا للوهلة الأولى سوى حقيقة النفس الغارقة في سرّها، والوعي الذي يغرق في ضوء مزدوج، نور يحرّر وظلام يقيد. نحن نظن العقل أداة للاكتشاف، لكنه غالبًا مرايا متشابكة، كل وجه منها يعكس جزءًا من الحقيقة ويخفي ألف وجه آخر. المعرفة التي نحملها ليست لنا، بل ضيف عابر على صرح الذات، يعلّم ما لم نطلبه ويستر ما نحتاج أن نراه.

في رحاب الفكر، يعلن المنطق جريمته بصمت، فيسجن الروح في سجون المسلمات الموروثة، وتصبح اللغة قيودًا على الحرية قبل أن ندرك أننا أفكار. كل كلمة نتفوه بها، كل مفهوم نبتكره، جزء من شبكة خداع نسميها وعيًا. نمشي في متاهة بلا بداية ولا نهاية، حيث يسبق السياق الاجتماعي الفكرة ويختنق المعنى قبل أن يُولد.

لكن، حين يحس القلب بالانكشاف وتشرق شمس السرّ على النفس، يتضح أن الحرية ليست في الفكر وحده، بل في إدراك أسراره. هنا، بين السرّ والضوء، القيد والتحرر، يولد الإنسان حقيقة نفسه، ليس كعاقل متسلط على المعرفة، بل كروح تدرك أنها جزء من شبكة أزلية أكبر، لا تُرى، ولا تُحاكم، ولا تُقاس بمعايير المنطق البشري.

المعنى الضائع: حين يسبق السياق الاجتماعي الفكرة نفسها ويقتلها قبل ولادتها

في رحاب الوجود، يولد الفكر من سرّ لا يدركه العقل العادي، لكنه غالبًا يُسجن قبل أن يلمس النور. الفكرة التي يظنّ المرء أنها حرة، تكون في واقعها رهينة شبكة الرموز والمظاهر الاجتماعية، لا تولد إلا إذا سمح لها السياق، وإذا رفضها اختنقت قبل أن تشهد الوجود. اللغة، كما يقول محي الدين بن عربي، مرآة الروح، قد تكون سجنًا يحيط بالمعنى قبل أن يولد، فتصبح الكلمات سجلات للممنوع والمغيّب أكثر من كونها أدوات للفهم.

الفكرة الضائعة ليست مجرد فكرة محجوبة، بل دليل أن الوعي الاجتماعي يسبق الفرد. كل اعتقاد، كل مفهوم، يتشكل وفق قوالب لم يخترها صاحبه، بل استقبلها كروح تتلقى نظامها الخفي. وهنا يظهر التناقض العظيم: الإنسان يظن أنه يبتكر، بينما الروح محكومة بنسيج مسبق من القيود الرمزية.

كما قال الرومي: لا تكن عبدًا للكلمات، بل اجعل الكلمات عبدًا لك. قليلون من يصلون إلى هذا التحرر، لأن المجتمع غالبًا يسبق الفكرة، يقيّدها، ويحوّلها إلى صدى لماضٍ لم يعد موجودًا، فتضيع الحرية قبل أن تولد. المعنى الحقيقي لا يُخلق إلا حين يتحرر العقل من قيود الظاهر، حين يصبح الفكر قادرًا على رؤية اللامرئي، على إدراك ما لا يدركه الآخرون، على الإبحار في بحر الروح دون خشية القيود.

وهكذا، تصبح المعاني الضائعة شاهدة على أن الكون لا يعطي الحرية إلا لمن يعرف حدود الأسرار، لا لمن يظن أن المعرفة تبدأ بالمنطق وحده. فالحرية الفكرية ليست القدرة على الاختيار، بل القدرة على إدراك سرّ القيود المفروضة، وإطلاق الفكر في فضاء لا يعرف الحدود، حيث يولد المعنى بلا سياق مسبق، بلا انتظار، بلا حكم مسبق من العقل الجمعي.

بوذا قال: إنك لن تعرف العالم حتى تعرف نفسك. المعرفة الحقيقية تتطلب التحرر من القوالب الموروثة، من التصنيفات، من اللغة التي تختنق بها الفكرة. حينها فقط تنكشف الحقيقة في صمت الروح، ويولد المعنى بعيدًا عن القيد، بعيدًا عن السياق الذي يسبق الفكرة ويقتلها قبل ولادتها، فيصبح الفكر نافذة إلى ما وراء الوجود، حيث لا شيء يمكن اختزاله، ولا شيء يمكن السيطرة عليه.

في سكون الروح، حيث لا يصل النظر إلا إلى ما وراء المظاهر، يولد الفكر من سرّ أزلي لا يمكن اختزاله بالكلمات أو بالإدراك العادي. لكن هذا السر غالبًا يُختنق قبل أن يلمس النور، لأن السياق الاجتماعي يسبق الفكرة، يحيط بها، يفرض عليها قيودًا لا تراها العين، ويقتل أي احتمال للحرية قبل أن تولد. اللغة ليست وسيلة للتواصل فقط، بل صرح معقد من الرموز والقيود، تلتف حول المعنى قبل أن يولد، فتصبح الكلمات حواجز وليست جسورًا.

الفكرة الضائعة ليست مجرد فكرة مفقودة، بل شهادة على أن الإنسان يسير غالبًا في متاهة من القيود المفروضة سلفًا. كل ما نعتقد أننا نختاره، كل مفهوم نبتكره، في الغالب استنساخ لموروثات لم نختَرها، ونكاد نصبح أسرى شبكة دقيقة من التصنيفات الاجتماعية، اللغة، العادات، والأعراف. وهنا تكمن المأساة: نحن نظن أننا نفكر، بينما الروح نفسها محكومة بنظام خفي من القيود الرمزية، فلا ندرك أن الفكر الأصلي، الذي يحمل الخروج من المعتاد، غالبًا يُقتل قبل أن يولد.

كما يقول محي الدين بن عربي: من عرف نفسه فقد عرف ربه. كيف يعرف الإنسان نفسه إذا كانت أفكاره وأحاسيسه محتجزة داخل سجون لا يراها؟ الفكرة الضائعة، المعنى الذي لم يولد بعد، يكشف أن الوعي الجمعي يسبق الفرد، وأن المجتمع غالبًا يسبق أي محاولة للفهم الحر. حين تشرق شمس السرّ على الروح، فإنها لا تمنح الحرية للفكر وحده، بل تفرض مواجهة كل ما اعتقدنا أننا نعرفه، مع كل التصنيفات الموروثة، وكل اللغة التي خنقت المعنى قبل أن يرى النور.

الخطورة ليست في الكلمات، بل في إدراك أن كل تفكير، كل اعتقاد، جزء من شبكة خفية أكبر، تجعل من الحرية مجرد وهم، ومن المعرفة صدى ماضٍ يسيطر على الحاضر. يقول الرومي: لا تكن عبدًا للكلمات، بل اجعل الكلمات عبدًا لك. قليلون يملكون الشجاعة ليطلقوا الفكر في فضاء بلا قيود، ليولد المعنى دون رقابة، دون حكم مسبق، ودون خوف من المجتمع الذي يسبق كل فكرة.

بوذا قال: كل ما نكون عليه نتيجة ما فكرنا به. معظم ما نفكر به ليس اختيارنا، بل انعكاس القيود الاجتماعية، الحواجز اللغوية، الشبكة الرمزية التي تكبح الابتكار. إدراك هذا، مواجهة حقيقة أن الحرية الفكرية غالبًا مجرد وهم، هو الصدمة التي يختبرها القارئ. يكتشف أن المعنى الذي يظنه ملكًا له غالبًا ضائع قبل أن يولد، وأن كل فكرة تحمل عبء مواجهة الحقيقة المزدوجة: معرفة الذات ومواجهة الأسرار التي يفرضها السياق الاجتماعي قبل أن يسمح للوعي بالتحرر.

المعنى الحقيقي يولد حين يختار الإنسان مواجهة الظلام داخل ذاته، حين يجرؤ على تجاوز اللغة، التصنيفات، كل ما يسبق الفكرة ويقتلها، ليكتشف أنه ليس مجرد مفكر، بل روح تشهد على أسرار الكون، ما لا يُرى، ما لا يُحكم عليه، ما لا يمكن للمنطق البشري أن يحدده. هنا يصبح الفكر جريئًا، المعنى حيًا، والوعي حرًا، ولو للحظة واحدة، في عالم يسعى دائمًا لقتل المعنى قبل أن يولد.

إذا تأملنا النفس البشرية، نجد أن الفكر ليس مجرد حدث داخلي، بل مسرح تتشابك فيه القوى الخفية: اللغة، العرف، الموروث، والخوف من الطرد الاجتماعي. كل فكرة تولد في هذا المسرح ليست حرة، بل محاصرة بين جدران غير مرئية، بين إرادة الفرد والهيمنة الجمعية. وهنا يظهر الضياع الحقيقي: الإنسان يحمل الحقيقة في قلبه، لكنه لا يستطيع التعبير عنها، لأن المعنى يُسجن قبل أن يرى النور.

الوجود، وفق الصوفية، ليس سوى مرآة مزدوجة: المرآة التي نرى فيها أنفسنا، والمرآة التي يخفي فيها الكون أسراره. يقول محي الدين بن عربي: الحقائق العظيمة غالبًا لا تُفهم إلا في صمت الروح. لكن المجتمع يمنع الصمت، يفرض صوت المألوف، يجعل من كل محاولة لفهم المعنى رحلة محفوفة بالمخاطر، حيث قد تُقتل الفكرة في مهدها.

بوذا أكد أن الحرية الحقيقية تبدأ بمعرفة الذات: إنك لن تعرف العالم حتى تعرف نفسك. المعرفة الحقيقية للنفس تتطلب مواجهة القيود التي يفرضها السياق، تجاوز اللغة، التصنيفات، كل ما سبق الفكرة. المعنى الضائع هنا ليس مجرد ضياع الابتكار، بل صرخة من الروح تخبرنا أن الحرية الفكرية غالبًا وهم، وأن كل محاولة للابتكار تضربها قوى خفية قبل أن تولد.

وهكذا، القارئ أمام مواجهة مزدوجة: مع العالم الخارجي الذي يسبق الفكرة ويقتلها، ومع العالم الداخلي الذي يخاف مواجهة ذاته. الفكرة الضائعة تحمله إلى حافة الصمت والشك، حيث كل معنى محتمل يصبح امتحانًا للروح: هل ستختار الإفصاح عن فكرتك، حتى لو رفضها المجتمع؟ أم ستظل صامتًا، جزءًا من شبكة تتحكم فيها القوى الخفية قبل أن يدركها عقلك؟ ليست نهاية، بل نقطة انطلاق. الفكرة الضائعة دعوة للتأمل: هل يمكن أن يولد المعنى حقًا، إذا لم يكن الإنسان مستعدًا لمواجهة ذاته، السياق الذي يسبق الفكر، والخوف الذي يختبئ خلف كل كلمة؟ كل سؤال يفتح بابًا لتساؤلات جديدة، كل إجابة رحلة في بحر الرموز، السرّ، الضياع.

في صمت الليل الداخلي، حيث لا يصل إلا الصمت المهيب، تظهر الروح على حقيقتها: حاملة المعاني، لكنها محاصرة بين أسوار غير مرئية. كل فكرة تحاول الفرار من سجن العقل الاجتماعي تصطدم بجدار الموروث، بالعادات، بالعقائد غير المعلنة التي تتحكم بما يُسمح لنا التفكير فيه. المعنى الضائع ليس صدفة، بل شهادة على أن الروح لا تولد إلا في مواجهة القيود، وأن الحرية الفكرية تبدأ حين نكتشف الأسوار قبل أن نحاول تجاوزها.

كما يقول محي الدين بن عربي: من عرف القيود عرف الحرية. الحرية ليست غياب القيد، بل وعي بالقيد، إدراكه، ثم التحرر منه. المجتمع لا يسمح بهذا الوعي بسهولة. يسبق الفكرة، يقيّدها، يجعلها تتلاشى، ويترك الفرد يعتقد أنه حر، بينما يسير في متاهة مبرمجة مسبقًا.

بوذا أضاف بعدًا آخر: كل المعاناة تنبع من التعلق. الفكرة التي لم تولد تصبح ضحية تعلقنا بالقبول، بالمعايير، بالصور النمطية. نخشى رفض المجتمع أكثر من فقدان الحقيقة. الضياع ليس مجرد فقدان للمعنى، بل ناتج عن خوف عميق مخفي في الروح: خوف مواجهة ما لا يفهمه الآخرون، وخوف مواجهة أنفسنا.

لكن في قلب الظلام، يظهر بريق الحقيقة لأولئك الذين يجرؤون رؤية ما لا يراه الآخرون. المعنى الضائع يولد إذا تجاوزنا اللغة، التصنيفات، وكل ما سبق الفكرة. هنا يصبح الفكر جريئًا، الروح مستعدة للاختراق، والوعي يتحرر من قيود المجتمع والذات.

الرومي يقول: لا تقتل الفكرة قبل أن تكتشف سرّها. الفكرة الضائعة ليست موتًا، بل رحلة، امتحان للروح: هل يمكن للإنسان رؤية الحقيقة خارج المألوف، خارج التصنيفات، خارج كل ما يفرضه السياق الاجتماعي؟ المعنى الحقيقي يولد حين يتحرر العقل، حين يصبح قادرًا على مواجهة الصمت الداخلي، مواجهة الخوف الذي يكتم الابتكار قبل ولادته.

هنا يصبح القارئ مشاركًا في ولادة الفكرة، ليس مجرد متلقٍ لها. يصبح حاضرًا في مواجهة القوى الخفية التي تتحكم بالوعي، ويكتشف أن الحرية الفكرية ليست مجرد القدرة على الاختيار، بل القدرة على إدراك القيود قبل تطبيقها، إطلاق المعنى قبل أن يُقتل، الإبحار في بحر الرموز والسرّ، حيث يولد الفكر بلا سياق مسبق، بلا حكم مسبق، بلا خوف.

وفي النهاية، المعركة مستمرة: بين الروح والمجتمع، بين الفكر واللغة، بين السرّ والضوء، بين الضياع والولادة. وكل من يقرأ يصبح شاهدًا على الحقيقة الخفية: المعنى الحقيقي غالبًا ضائع، لكنه ينتظر الجرأة لتولده، الوعي ليحمله، الروح لتدعمه.

الذات الممزقة بين الانعكاس والخداع: قراءة في الخيانة الذاتية للوعي

في بحر الوجود، حيث يتشابك الظاهر بالباطن، وتغدو كل صورة انعكاسًا لمرايا غير مرئية، تنكشف الذات كما لم تُعرف من قبل: ممزقة بين ما يظهر وما يخفيه السرّ. الروح، في عمقها، تعرف الحقيقة، لكنها غالبًا تغرق في خديعة العقل، في وهم الفهم، في خيانة ما أرسله الله فيها من نور. كل محاولة إدراك الذات تصطدم بمرايا متعددة، كل منها يعكس شيء من الحقيقة ويخفي ألف سر آخر، هنا يولد الانقسام العميق: الذات التي نعتقد أننا نعرفها ليست إلا قناعًا من الظلال.

محي الدين بن عربي يقول: الحقائق العظمى لا يُدركها إلا من انكسر قلبه أمام سرّ الذات. الانكسار ليس ضعفًا، بل مفتاحًا، يكشف أن الإنسان غالبًا يساهم في خيانة ذاته بدافع الخوف، بمحاولة إعادة إنتاج ما فرضه العالم الخارجي من حدود، قيود، تصنيفات. العقل يظن أنه يقود الروح، لكنه غالبًا أداة خفية لخداعها، يجعلها تؤمن أنها حرة، بينما هي أسيرة تكرار ما لم تختره.

بوذا قال: الوعي هو مرآة تتطلب صفاء النفس لتكشف ما وراء الظل. الصفاء قليل، لأن الروح تصارع الانعكاسات المستمرة، تصارع الأصوات التي تقول: أنت تفكر، أنت تعرف، وأنت حرّ. كل فكر قد يكون صدى لموروث، كل إدراك انعكاس مشوه للواقع، وكل حرية وهم يتسلل بين قيود الذات والمجتمع.

في الامتزاج بين الانعكاس والخداع، تولد الذات الممزقة. تعرف الحقيقة لكنها تخونها، ليس بإرادتها، بل بتقليد الظلال، بمحاولة فهم ما لا يمكن فهمه بالكلمات، بمحاولة تكييف نفسها مع ما يفرضه الواقع الاجتماعي واللغة والتقاليد. هنا يظهر السؤال الصادم: هل يمكن للوعي أن يكون صادقًا إذا كانت الذات جزءًا من شبكة خفية من الخداع الداخلي؟

الرومي يقول: من عرف الظل عرف النور، ومن عرف النور عرف الظل. الذات الممزقة تحمل النور والظل معًا، تسكن في حدّ بين الحقيقة والخيال، المعرفة والخداع، الإرادة والقدر الموروث. كل لحظة وعي، كل شعور بالتحرر، كل فكر جديد، يصبح اختبارًا: هل يرى الإنسان ظل ذاته ويواجهه قبل أن يغرق في خداع الانعكاسات؟

الخيانة الذاتية ليست مجرد خطأ، بل تجربة صوفية وجودية: اختبار للروح لتعرف حدودها، مكانها بين الانعكاس والخداع، لتعرف أن الحرية الفكرية والوعي الصادق لا يولدان إلا حين تجرؤ الذات على مواجهة ما تخفيه عن نفسها، ما يخفيه العالم، ما يفرضه الظل. من يقرأ يصبح شاهدًا على صراع الوعي مع ذاته، على محنة الفكر الذي يسعى للحرية وسط قيود خفية، وعلى سرّ الروح التي تعرف الطريق لكنها تُرغم على السير في متاهة الانعكاسات والخداع قبل أن تصل إلى النور الحقيقي.

الزمن كراوية: كيف يخدعنا الماضي ليُسيطر على مستقبل أفكارنا؟

الزمن ليس خطًا مستقيمًا، ولا مجرد تسلسل للأحداث. الزمن في أعماق الروح كراوية خفية، ينسج فيها الماضي خيوطًا تخدع الحاضر، وتفرض على المستقبل قيودًا لا تراها العين. كل ذكرى، تجربة، لحظة مضت، تصبح جزءًا من شبكة دقيقة تتحكم في إدراكنا، فتقود أفكارنا كما يشاء قبل أن نملك نحن حق القرار. محي الدين بن عربي يقول: الزمن للروح مرايا متلاحقة، تعكس ما كان وما سيكون في آن واحد. الماضي ليس مجرد ذاكرة، بل قوة حية تتحكم بالمفاهيم، تحدد الممكن والمستحيل، وتبني تصوراتنا عن ما يمكن أن يكون. نحن نعتقد أننا نخطط، نبتكر، والمستقبل لنا، بينما في الواقع…

الخاتمة

في آخر المرايا، حيث يذوبُ النور في ظلاله، ويصيرُ السرّ مرئيًا بقدر ما يتخفّى، يقف الوعيُ على حافّة وجوده، متسائلًا: أأنا من يرى، أم أنا ما يُرى بي؟ كلُّ ما كان يومًا وضوحًا، عاد غبشًا، وكلُّ ما ظننّاه يقينًا، تبيّن أنّه صورةٌ تتذكّر نفسها في الماء.

العقلُ هنا لا يُفكّر، بل يُفكَّر به. يُستعمل كأداةٍ في يدِ المعنى، يُقادُ إلى السؤال كما يُقاد الأعمى إلى الضوء. فمنذ متى كان النور خلاصًا؟ أوليس هو الوجه الآخر للاحتراق؟

قال بوذا: «من رآني لم يرَني»، وكأنّ المعرفة لعنةٌ على من ظنَّ أنه امتلكها، إذ لا يرى إلا مرآةَ نفسه في ما يراه. وقال نيتشه: «احذر من أن تُحدّق في الهاوية، فالهاوية تحدّق فيك»، لكن صاحب السِّرّ يُعلّق ساخرًا: وأيُّ هاويةٍ أعظم من أن تحدّق فيك نفسك؟

في هذا الوجود الملتبس، لا تُقاس الحقيقة بظهورها، بل بقدرتها على الاختفاء. فكلّ شيءٍ يُشرق، يَخلق ظلّه. والظلّ لا يفارق النور، بل يسكن فيه. كأن الكون كلّه لعبةُ مرايا يتبادل فيها الوجود والأثر وجهيهما، حتى يغدو السؤال ذاته مرآةً لا تعكس سوى سؤالٍ آخر.

يقول ابن عربي: «العين لا ترى إلا نفسها في كلّ شيء»، وكأنّه أراد أن يقول إننا لا نُدرك العالم، بل نُعيد تأويل أنفسنا فيه. فالمعرفة ليست كشفًا، بل نسيانٌ مقدّس، إذ لا يصل إلى النور إلا من احترق فيه.

الزمن — هذا الكائن الغامض الذي يسير نحونا أكثر مما نسير إليه — يراقبنا بصمتٍ لا يُحتمل. ليس الوقتُ ما نمضي فيه، بل هو ما يمضي فينا، يكتبنا في دفاترٍ غير مرئية، ثم يُعيد ترتيب الحكاية قبل أن نعي أننا كنا فيها. في كل لحظةٍ، يولد موتٌ صغير، وكل موتٍ يفتح بابًا لحياةٍ لم تُكتب بعد.

سأل الحلاج وهو يُصلب في مرآة الغيب: «أأنا الذي أهوى، أم أنا الذي أُهوى بي؟»، فكان الجواب صمتًا يشبه المعنى. فالروح، حين تشتدّ غربتها، لا تعود تبحث عن الله، بل عن أثر الله فيها. وفي كل صرخةٍ من صرخاته، كان يسمع نداءً واحدًا: إن الطريق إلى الوجود يمرّ من الهاوية.

إن كل فكرةٍ تولد، تُنجب ضدّها، وكلّ يقينٍ يكتب وصيّته منذ اللحظة الأولى. فالحقيقة ليست حجرًا في معبدٍ، بل سيلٌ يجرف من ظنّ أنه أمسكه. وأشدّ أنواع الضياع قُدسيةً، أن تتيه وأنت في قلب الطريق.

قال بوذا: «لا تسأل عن النور، كن أنت الظلّ الذي عرفه». وقال هيدغر: «الكينونة تُخفي نفسها لتُعرّف نفسها». أمّا صاحب السِّرّ فيقول:

إن السرّ الذي يُكشف ليس سرًّا، وإن النور الذي يُرى ليس نورًا، وإن الطريق الذي يُسمّى طريقًا ليس طريقًا، بل وهمٌ يتنكّر باسم الحقيقة.

العقل في نهايته لا يكتشف، بل يُكتشَف به. والروح لا تصل، بل تُساق إلى نفسها كما يُقاد الغريب إلى وطنٍ لا يعرفه. هناك فقط، في العتمة التي تعقُبُ النور، تتجلّى البدايات على هيئة نهايات، وتعود الأسئلة إلى صمتها الأول.

في النهاية، لا يُدرك السرّ من يُفكّكه، بل من يضيع فيه. فكلّ معرفةٍ تُكتب هي موتٌ مؤجَّلٌ للحقيقة، وكلّ صمتٍ يُحافَظ عليه هو نجاةٌ من وضوحٍ يقتل.

وهكذا، يظلّ الوعيُ في نفيٍ دائمٍ لذاته، يبحث عن مَن يبحث عنه، وينسى أنه هو من بدأ السؤال.

***

صاحب السِّرّ. سجاد مصطفى حمود

 

في المثقف اليوم