قضايا
بتول فاروق: كيف صارت الطرقات للرجال حصرا؟
في العراق والدول العربية- وربما كل دول العالم الثالث، كل تحرش أو مضايقة للنساء في الفضاء العام، تُلام النساء عليه، في تصور مسبق أن الشارع هو مكان خاص بالرجال، وأن خروج البنت والمرأة اليه، ستكون معرضة للاعتداء، وعليها تحمّل وزر ذلك الخروج..
كيف صار ذلك؟
بما أن الرجل هو الممثل الرسمي للإنسان في عرف هذه المجتمعات، فهو يجب أن يكون المسيطر، وهو من يجب أن يحدد السلطة، ومن يجب أن يكون خاضعا له، ففي مجتمعاتنا المتدينة تدينا ذكوريا، جسد المرأة يُقرأ ك "مشكلة "، فيطلب من المرأة أن تختفي وأن يكون جسدها في مكان مغلق قابل للضبط، بينما يُعفى الجسد الذكوري من المساءلة، فالتحرش والمضايقة هو ليس شهوة ذكورية عارمة غير قابلة للضبط بل هو أداة سيطرة وسلطة لتذكر المرأة بأن المكان ليس لها لتعود الى المكان الذي فيه الخضوع والضبط والمراقبة، كما يرى فوكو ذلك1.
صار الشارع للرجال، ليس لأنهم أصحاب حق بل لأن سلطتهم جعلت وجود المرأة فيه مكلفا نفسيا وأخلاقيا وجسديا.
وهذا هو الامتداد غير المعلن للطاعة، كل رجل في الشارع صار وكيلا رمزيا عن الزوج أو الأب. فصار المجتمع رقيبا على طاعة المرأة، فحين تضايق المرأة في الشارع يتم السؤال: أين أهلها؟ هل خرجت بعلمهم، هل خرجت بإذن؟ وهل التزمت الحدود؟
عند هابرماس2: الفضاء العام مجال للنقاش والحضور والفاعلية ويفترض فاعلين أحرارا متكافئين، بينما فقه الطاعة يفترض رجلا فاعلا وأمرأة مأذونة.
فالمرأة لاتدخل الشارع بوصفها مواطنة بل بوصفها مستثناة مشروطة، تسلب منها الأهلية للمشاركة الفاعلة. فحين يقال للمرأة أن الشارع والفضاءات العامة خطر عليك فهذا اقصاء سياسي ناعم، لأن من لايظهر في الفضاء العام لا يُسمع صوته ولايُحسب رأيه، ولايعترف بوجوده كأنسان كامل، وهو ليس مواطنا كاملا كذلك، فهي موجودة بيلوجيا، وعليها البقاء ضمن هذا الوجود فقط، ولا يحق لها أن تكون حاضرة سياسيا، أي فاعلة ومؤثرة في الحياة العامة فضلا عن الخاصة، وجودها لايتعدى طاعتها وخضوعها الى ما يدار بها حياتها. فعمل فقه الطاعة بوصفه آلية معرفية مؤولة لضبط الجسد الأنثوي في الفضائين العام والخاص، مما يؤدي الى إقصائها من الشارع الذي هو مكان الفعل والتحرر والمشاركة.
فصار الشارع للرجال ليس بنص صريح: أن الشارع حرام على النساء والفتيات، بل عبر ربط الطاعة بحرية الحركة، وربطها هذه الحركة بالأخلاق، وربط الاخلاق بسلامة الرجل لابسلامة المرأة، -فالرجل لابد أن لايثار ولابد أن يحافظ على عرضه هو-، واعفاء الرجل من المسؤولية وتحميل المرأة عبء الوقاية وعدم الخروج للشارع الخطر عليها وعلى عرض الرجل.
***
ا. د. بتول فاروق
.........................
1- أنظر: فوكو، ميشيل، المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، ترجمة: د. علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع الصفدي. بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990م.
2- أنظر: الفضاء العمومي وعقلنه الفعل التواصلي عند هابرماس، عائشة مذكور، جمال الدين بن سليمان، مجلة المقدمة للعلوم الإنسانية، والاجتماعية، المجلد التاسع، العدد ٢، ديسمبر ٢٠٢٤. ص٢٤٦.







