قضايا

فاطمة الدفعي: الهشاشة النفسية وجيل رقائق الثلج

نحن نعاني من هشاشة نفسية؛ بداخلنا فراغ عاطفي وهيجان مشاعر غير طبيعي. نتأثر بكلمة، نبكي بسبب القسوة، ونفرح بالمدح الكاذب. نتصنع القوة ودموعنا تفضحنا، وهي ليست دموع طيبة وإنما تهشم داخلي، رفاهية زائدة وتقديس للأنا. الموازين التي نزن بها علاقاتنا معطلة وغير صحيحة، أصبحنا نقيم الناس حسب نفاقهم، ننخدع بالمظاهر بسرعة لأننا نبحث عمن يكملنا دائماً. هل تعلمون ما هي المشكلة الأساسية؟ هي أننا دائماً نعتبر أنفسنا ناقصين، ننتظر من يفهمنا ونحن نجهل أنفسنا، نعجز عن احتواء أنفسنا وننتظر الاحتواء من خارج ذواتنا.

جيل رقائق الثلج يقتله الحب الكاذب فينتقم ممن حوله. الخيانة اسم لجريمة بشعة نرتكبها في حق أنفسنا؛ لا أحد يخونك لكنك تخون نفسك، لذلك ترى خيانات متتالية عليك ولا ترى الوفاء حولك لأنك لم تتعلمه ولست وفياً لذاتك. قلبك المكسور ليس ذنبه أنه أحب، لا بل ذنبك أنت أنك خدعته وتوهمت أن ذاك الشعور العابر حب. هل تعلمون ما هو الحب؟ سوف أشرحه لكم بحقيقته وليس بخيال مفتعل؛ الحب عبارة عن وهم: شاب يعجب بفتاة لأن جمالها مناسب لذوقه، ثم يبدأ يفكر فيها ليلاً ونهاراً، يغني على هواها ويسهر على طيفها، فتصبح عادة لأنها وصلت للعقل الباطن، والأشياء التي تصل إليه يصبح من الصعب نسيانها أو تغييرها. أي فكرة تكررها على نفسك تصبح عادة ثم تتحول لأسلوب حياة، إذاً فهو ليس حباً، نعم.. حسب علم النفس.

وهذا الانغماس في أوهام العاطفة ليس إلا وجهاً واحداً من وجوه الهشاشة، أما الوجه الآخر فهو تضخيم الألم؛ إذ إننا لا نكتفي بتمجيد الأوهام، بل نبالغ في تصوير أوجاعنا ككوارث وجودية. فلقد ذُكر الحب في القرآن الكريم كضلال: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30]. حتى في هذا العصر القديم قلن النسوة "إنا لنراها في ضلال مبين". ثم ذُكر على أنه حديث نفس من النفس الأمارة بالسوء: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نفسي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 51-53].

الحب عقاب لذنب، وهو مجرد وساوس من النفس الأمارة بالسوء. هل ما زلتم تفكرون أنه حقيقة؟ بل هو سراب يهلك بسببه كل ظمآن للحياة بعيد عن واحة الإيمان، يتخبط في صحراء الأوهام. أفيقوا يا معشر الشباب، فالله عز وجل ذكر الحب في كتابه أنه ذنب وضلال، وذكر ما هو أعظم وأسمى من الحب: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. خلق لكم من أنفسكم؛ إياكم أن تسمحوا لأنفسكم بالانغماس في الضلال فلا تجدون إلا نفوساً ضالة، وتُحرمون من السكن الذي تعمره المودة والرحمة.

مشكلتنا أننا نضخم الألم ونتوقع الكوارث قبل حدوثها، ننتظر النهايات ونحن لم نصنع بدايات من الأساس. كم نحن بائسون! نتحمس لدقائق ونعمل لساعات، ثم عند أول تعثر نبكي لأيام ونشتم أنفسنا ونلوم الحظ ونتهمه بأنه نحس، ونرمي المسؤولية من فوق عاتقنا لعاتق أهلنا ومجتمعنا. نحن لا نتقدم لأننا لا ندرس خطواتنا بقدر ما ندرس محيط الفشل حولنا. نمشي على طريق الأمل لكننا ننظر لليأس متى سيسبق خطواتنا. نتوقع الأسوأ، أو نتوقع أننا أسوأ من أن نحقق حلماً أكبر منا.

نظن في أنفسنا ظن السوء، نستهين بقدراتنا ولا نؤمن بأننا نستطيع، فتكون النتيجة هي الإخفاق أو نجاح عادي بسيط بقدر أفكارنا البسيطة عن قدراتنا. هشاشتنا النفسية جعلت حياتنا هشة وأحلامنا صغيرة وغير مستقرة وأهدافنا متلاشية مع كل صعاب وتحديات. نحن نضعف ولا نقوى لأننا نهرب ولا نواجه، نخاف ولا نغامر، نتقدم ولا نبادر، نراجع ولا نتقدم.

إن لعبنا لدور الضحية هو القيد الذي يمنعنا من النهوض، وخراب أرواحنا لم يأتِ من الخارج، بل من حصوننا التي أهملناها. فنحن لسنا تلك الدموع ولا بحار الأحزان، لسنا مقيدين بكلام الإحباط ولسنا ضعيفين لدرجة أن يحطمنا الإخفاق، لكننا هشّون من الداخل، لم نبنِ بداخلنا حصوناً منيعة تواجه كل تحديات الحياة ولا تتصدع وتدخل مشاعر البؤس من خلالها إلينا. نحن أهملنا بناء ذواتنا من الداخل واشتغلنا ببناء الخارج، فكانت النتيجة هي الانهيار الدائم حتى عند هبوب رياح عادية. تحدثنا عن الأمل ونسينا أنه يحتاج إلى عمل، وتحدثنا عن الإصرار وانسحبنا عند أول عقبة وعند أول جدار.

وإذا كان التوصيف النفسي يشخص لنا العلة، فإن الشفاء الحقيقي يتجاوز حدود الحروف البشرية ليتصل بوحي السماء؛ حيث الترميم اليقيني. فنحن لسنا بحاجة لجلسات نفسية ولا لشخص يفهمنا، ولا نحتاج لحبيب يكملنا ولا علاج يشفينا؛ لأن الداء فينا ودواه أيضاً فينا. يجب أن نبني ما تهدم فينا ونعمر خراب أرواحنا بالعلم الذي يغذي الإيمان واليقين.

لنرسخ بداخلنا الإيمان بالعلم بالقراءة والاطلاع والفهم الصحيح للإسلام ولأركان الإيمان. لنبني ذواتنا بناءً صحيحاً، نحن بحاجة لبداية مباركة من وحي السماء حيث تجد أرواحنا ملاذها ومسكنها من القرآن الكريم: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رروحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].

سماه الله روحاً لأنه يحيي الروح ويرمم تشققاتها ويبني ما خربته الحياة فيها. لتبني روحك بناءً صحيحاً وقوياً لا يتزعزع، عليك بالقرآن الكريم؛ اقرأ الأحاديث والتفسير، تعلم السنة واقرأ كل ما يتعلق بالدين لتكون من الراسخين في العلم: {لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 162].

أولئك لم يبنوا فقط، بل إنهم رسخوا بناءهم. من كان الله معه فمن عليه؟ كلنا ضائعون حتى نعود لخالقنا العظيم سبحانه، وكلنا متعبون حتى نرتاح بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ونسير على نهجه وعلى خطى صحابته الكرام. نحن بحاجة للدين وهو ليس بحاجتنا، لكننا بدونه مجرد لا شيء، مخلوقات تسير وتعمل ثم تموت وهكذا. لكن من عرف هدفه وعمل لما خلقه الله له فاز فوزاً عظيماً وربح الدنيا والآخرة. أما من ضاع في الدنيا فلن يجد الأمان إلا عند ربه، مهما بحث لن يجد، وسيبقى يبحث حتى يغرق في التيه ويخسر خسراناً مبيناً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري

في المثقف اليوم