قضايا
ابتهال عبد الوهاب: لا تغتالوا اللحظة
دائما ما اتمسك باللحظة بشراسة واقبض على كل تفصيلة بها واوثقها.. لا اجمل من ان تكون رهن اعتقالها . تؤبدها وتحتفل بعدد الثواني بها ولا تركنها لأمنية مؤجلة في ذمة المجهول ومزاجية الزمان.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي.
دائما ما اكتب عن اللحظه.. اللحظة الحاضرة هي ما تملك.. اللحظه رغم أنها عابرة ووهمية وسرابية لكنها اليقين الوحيد الذي أملكه على أطلال هذا العالم الخرب.
للا اؤمن باسطورة اللحظة المناسبة كأنها موعد سماوي بينما الحقيقة ان اللحظة الوحيدة الممكنة هي الان. وان الرغبة التي لا تختبر تتحول مع الزمن الى ندم صامت.
لم نوجد في هذا العالم لامتلاك الاشياء بل لاختبار المعنى. الاشياء تكدس. تستبدل. تنسى، اما التجارب فتنقش نفسها في الوعي فتهذب الروح وتعيد تعريفنا لانفسنا.
المال ضرورة نعم لكنه وسيلة لا غاية. اداة لعبور الحياة لا لاحتجازها وحين نربط سعادتنا بما نكسبه نحول اعمارنا الى جداول حسابية باردة وننسى ان القلب لا يفهم لغة الأرقام. كم من بشر عاشوا عمرهم وهم يستعدون للحياة ولم يعيشوها قط. ادخروا الفرح ليوم التقاعد واجلوا الاحلام الى زمن افتراضي وبنوا بيوتا لم يسكنوها وخططوا لايام لم تأت. كانوا يركضون خلف الامان فخسروا الطمانينة وسعوا الى الاستقرار ففقدوا التوازن. الفلسفة البسيطة للحياة تقول لا تجعل النجاح عدوا لسلامك الداخلي. ليس المجد في اعلى منصب ولا القيمة في اثقل لقب بل في ان تنام دون ثقل وان تستيقظ دون خوف وان تجد في يومك مساحة لك لا لما يفرض عليك. الحياة لا تقاس بما نملكه بل بما نعيشه فعلا وبالصدق الذي نمنحه لانفسنا. فالحياة قصيرة على ان نعيشها مؤجلين واثمن ما نملكه ليس المال بل العمر وكل ما لم نفعله فيه لن يعاد.
فلسفة عيش اللحظة ليست نزوة حديثة، هي ضاربة في عمق الوعي الإنساني، من عمر الخيام الذي قال: غدا بظهر الغيب واليوم لي. الى نيتشه الذي دعا لان نعيش الحياة كما لو كنا نرقص على حافة الهاوية. كلاهما يذكرنا ان كثافة الوجود لا تتحقق الا بالحضور الكامل في الان.
المؤمنون باللحظة هم العبثيون، الإنسان العبثي. لا يأمل فيما هو قادم، لأنه يردد دائما: إذا كنا نمتلك أفعالنا فإننا لا نملك نتائجها. نحن ألقي بنا في عالم لم نختره ولم نرتب لهذا المجئ، لذلك كل شئ محفوف بالعبثية واللاجدوي. نعيش بين الأمس والغد وننسى أن الحياة لا تعطينا سوى الآن. لحظة واحدة مليئة بالتفاصيل، كل ما نحتاجه. واعتقد ان الوعي بالحاضر ليس هروبا من الألم بل عودة للسلام، استراحة محارب من أفكار متراكضة ومشاعر متخبطة.
نحن الكائن الحي الوحيد الذي يدرك حتمية الموت ولذا لا يجوز أن نؤجل السعادة إلى زمن قادم، يجب أن نكون سعداء الآن. لهذا لا يستقيم أن نضيع الوقت في الصراعات والتفاهات بعيدا عن الفرح والمسرات وإدخال السعادة على علاقاتنا ومحيطنا معنويا وماديا. بعيدا عن خطابات الوعيد الكهنوتية التي تمارس النصب والإحتيال على إرادتنا واختياراتنا وتطلعاتنا.
العظيم دويستوفسكي أعتمد في غرس أدبه داخل الوجدان على وصف اللحظة كأنها ذات روح أبدية عندما كان يعيش تفاصيلها من لحظة ميلادها الخاطفة إلى أن تموت ببطء وتسكن قيعان الذاكرة، كل شيء يسكن التفاصيل الصغيرة التي تهرب من طغيان الإنكار او العاطفة.
اما عني فدائما ما اتمسك باللحظة بشراسة.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي. ضوء القمر.. دفء الشمس.. نباتاتي الصغيره.. كتبي ومكتبتي.. كوب الشاي الساخن.. اغنيات فيروز المحببه والأقرب لقلبي.. إن التمعن في تفاصيل هذه الأشياء بحثا عن الجمال في المكان حولي يسد جميع الثقوب التي أحدثتها الأيام الشاقة في روحي.
لابد للانسان ان يقتنص الفرص، يعيش الحياة وكأنه لا يوجد غدا، ربما الآن هي اخر لحظة لك لتقول كلمة لمن تحب، لتأكل وجبتك المفضلة، لتبوح بشعور اخفيته دوما، ولذلك ارى ان الحياة غاليه جدا لأن اللحظات لن تتكرر ولن تعيشها مستقبلا. العلاج بالواقع وقوة الان أفضل علاج من الاستغراق في الماضي أو اوهام واحلام غدا.
لن انتظر الوقت المناسب لافعل ما اريد، سوف افعل كل ما بإمكاني لتحقيقه وانجازه - لن اشتري اشياء لا احتاجها حتى ابهر من حولي، لن اربط سعادتي بما اجنيه من المال، لن اصدق اكذوبة "عندما اصل للتقاعد" سوف افعل ما يحلو لي؛ لا اريد ان امتلك الاشياء، اريد ان اخوض التجارب.
علينا ان نرتب الاولويات في حياتنا قبل فوات الأوان. لا تؤجل نفسك. لا ترهن فرحك لمستقبل غامض. ولا تستهلك روحك في سباق لا خط نهاية له. عش بخفة من يفهم ان الامتلاك لا يمنح معنى، وان المناصب لا تعوض روحا منهكة. احتفظ بسلامك الداخلي. الانسان ليس مشروع ادخار للمستقبل ولا كائنا مؤجلا الى حين. انه حدث عابر في زمن عابر ولا يملك من اليقين سوى هذه اللحظة. من يفهم هذا يتحرر من وهم التراكم ومن اسطورة الوصول. ويصالح فكرة النقص بوصفها شرطا انسانيا لا عيبا. فالمعنى لا يسكن القمم بل يسكن الطريق. الحياة لا تمنح فرصة ثانية واعظم حكمة هي ان نحيا قبل ان نصبح مجرد ذكري في ذاكرة الزمن.
***
ابتهال عبد الوهاب







