قضايا
حمزة مولخنيف: الزمن المكسور.. كيف غيّرت السرعة الرقمية علاقتنا بالذاكرة والتاريخ؟
لم يعد الزمن في التجربة الإنسانية المعاصرة، ذلك الامتداد المتصل الذي افترضته الفلسفة الكلاسيكية شرطا لإمكان الوعي والتاريخ معا، بل غدا زمنا مكسورا متشظيا، تحكمه إيقاعات متسارعة تُعيد تشكيل علاقتنا بالوجود والمعنى والذاكرة. إن ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تطور تقني محايد، أو في تسارع عرضي لوسائط التواصل، بل هو تحوّل أنطولوجي عميق في بنية العيش الزمني ذاته، تحوّل يطال صميم التجربة الإنسانية، ويعيد ترتيب علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل. ففي ظل السرعة الرقمية تتعرض الذاكرة لضغط غير مسبوق، ويتراجع التاريخ من كونه أفقا للفهم والتأويل إلى مجرد مادة للاستهلاك الرمزي السريع، تُستدعى وتُهمَل وفق منطق اللحظة العابرة.
لقد تصوّر أرسطو الزمن بوصفه عدد الحركة بحسب قبل وبعد، أي باعتباره انتظاما نابعا من تتابع الحركة، بينما ربط أوغسطين الزمن بتجربة النفس، حيث لا يوجد الماضي والمستقبل إلا بقدر ما يحضران في الذاكرة والتوقع. ثم جاء كانط ليمنح الزمن مكانته التأسيسية بوصفه صورة قبلية للحدس، شرطا لإمكان كل تجربة ممكنة. وعلى اختلاف هذه التصورات، فإنها تشترك في افتراض بنية متصلة للزمن، تسمح بتراكم الخبرة وتشكّل الذاكرة واستمرارية التاريخ. غير أن منطق السرعة الرقمية يعمل اليوم على تفكيك هذا الاتصال، محوّلا الزمن إلى وحدات آنية متتابعة لا تسمح بالترسّب، ولا تتيح للتجربة أن تستقر بما يكفي لتتحول إلى معنى قابل للاستبطان.
فالسرعة الرقمية لا تعني فقط تسريع تداول المعلومات، بل تمثل نمط وجود جديدا، يفرض على الوعي إيقاعا قسريا يختزل المسافة بين الحدث وتمثله، وبين الوقوع والتأويل. وقد نبّه بول فيريليو في تحليله لما سماه «الدرومولوجيا»، إلى أن السرعة ليست عاملا تقنيا فحسب، بل سلطة جديدة، إذ إن من يمتلك السرعة يمتلك القدرة على إعادة تعريف الواقع نفسه. فالحدث في زمن السرعة لا يُقاس بعمقه ولا بآثاره البعيدة، بل بقدرته على الظهور السريع والانتشار الواسع، واستقطاب الانتباه قبل أن يذوب في سيل لا ينقطع من الأحداث المتلاحقة. وهكذا تتعرض الذاكرة إلى تآكل بنيوي، لأن ما يُستهلك على عجل لا يجد الزمن الضروري ليُحفظ، ولا المسافة الكافية ليُفهم.
ويظهر هذا التحول بوضوح في الانتقال من التذكر بوصفه فعل استعادة وتأمل، إلى التذكير بوصفه وظيفة تقنية آلية. فقد صارت الذاكرة، في كثير من تجلياتها الرقمية، خارجية ومفوَّضة، تُخزَّن في الخوادم، وتُستدعى عبر الخوارزميات، وتُرتَّب وفق معايير النفعية والاهتمام اللحظي. وهو ما يجعلنا أقرب إلى ما ميّز به هنري برغسون بين الذاكرة الخالصة بوصفها خزّانا للزمن المعاش، والذاكرة العادية المرتبطة بالفعل والمنفعة. غير أن الرقمية لا تكتفي بإضعاف الذاكرة الخالصة، بل تعيد برمجة الذاكرة الوظيفية ذاتها، بحيث يغدو الاستدعاء خاضعا لمنطق الترجيح الخوارزمي، لا لحاجة المعنى أو مقتضيات الفهم.
ولا يعود التاريخ مجالا للسردية الكبرى التي تمنح الحاضر جذوره وأفقه، بل يتحول إلى أرشيف مفتوح، قابل للتجزئة وإعادة التركيب، وفق طلب السوق الرمزي ومنطق التداول السريع. وقد كان والتر بنيامين قد حذّر من «التاريخانية» التي ترى التاريخ تتابعا خطيا للأحداث، داعيا إلى إنقاذ لحظات الماضي المقموع من النسيان. غير أن المفارقة المعاصرة تكمن في أن الماضي صار متاحا بكثافة غير مسبوقة، ومع ذلك يتراجع حضوره الفعّال في الوعي. فوفرة الأرشفة لا تعني كثافة الفهم، بل قد تفضي إلى تخمة معرفية تُفقد الذاكرة قدرتها على الاختيار والتمييز.
إن الزمن المكسور الذي تخلقه السرعة الرقمية يُنتج حاضرا متضخما، حاضرا يلتهم الماضي ويؤجّل المستقبل. وقد وصف فرانسوا هارتوغ هذا الوضع بمفهوم «النظام الحاضري»، حيث يغدو الحاضر المرجعية الوحيدة، ويُعاد تأويل الماضي بما يخدم احتياجات اللحظة، بينما يُختزل المستقبل إلى توقعات قصيرة الأمد. وفي ظل هذا النظام، تفقد الذاكرة طابعها البنائي، أي قدرتها على الربط بين الأزمنة، وتتحول إلى مستودع صور ومقاطع وأحداث منفصلة، لا يجمعها خيط سردي متماسك.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون الالتفات إلى الاقتصاد السياسي للسرعة الرقمية. فالرأسمالية المعاصرة، وقد انتقلت إلى طورها المعرفي والرقمي، باتت تستخرج القيمة من الانتباه والزمن الذهني بقدر ما تستخرجها من العمل المادي. وهنا تغدو الذاكرة عائقا محتملا لأن التذكر يبطئ الإيقاع، ويفتح مجالا للمساءلة والنقد. لذلك يُعاد تشكيل علاقتنا بالماضي على نحو يجعل النسيان وظيفة بنيوية لا مجرد قصور فردي. وقد أشار هربرت ماركيوز إلى أن السيطرة الحديثة لا تمارس بالقمع المباشر، بل بإنتاج حاجات وأنماط وعي تُفرغ النقد من محتواه، بحيث يمكننا أن نقول إن السرعة الرقمية تُتمّ هذا المسار عبر تحويل الزمن ذاته إلى مورد قابل للاستنزاف.
تتعرض الذات لانقسام زمني حاد، إذ تُطالَب بالحضور الدائم والاستجابة الفورية، وإعادة تشكيل نفسها وفق تدفقات متغيرة من الخطابات والصور. فالهوية التي كانت تُبنى تاريخيا عبر تراكم السرديات الشخصية والجماعية، تصير هوية سائلة، على حد تعبير زيغمونت باومان، قابلة للتعديل السريع، ومشدودة إلى راهن لا يستقر. وهكذا تغدو الذاكرة عبئا على الذات، لأنها تذكّرها باستمرارية لم يعد لها موطئ قدم في عالم يفضّل المرونة على الرسوخ.
ويمتد هذا التفكك الزمني ليصيب البنية الأخلاقية للوعي التاريخي. فحين يغدو الماضي مادة قابلة للاستحضار الانتقائي، لا بوصفه تجربة مؤسسة بل بوصفه مخزونا رمزيا جاهزا للتوظيف، تفقد الذاكرة بعدها القيمي، وتتحول من مجال للمساءلة إلى أداة للتبرير أو الزينة الخطابية. وقد أشار نيتشه إلى أن الإفراط في التاريخ قد يثقل الحاضر، غير أن ما نعيشه اليوم هو تفريغ التاريخ من قوته النقدية، لا امتلاؤه بها. فالذاكرة الرقمية على كثافتها لا تمنحنا حكمة التاريخ، لأنها تُغرق الوعي في وفرة لا تسمح بالترسّب.
وينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بأخلاق النسيان السريع، حيث تتوالى الأحداث الجسيمة دون أن تترك أثرا يتناسب مع فداحتها. فالكوارث والحروب ما إن تبلغ ذروة التداول، حتى تُزاحمها أحداث أخرى، فتغدو جزءا من أرشيف متراكم لا يستدعي الوقوف أو الحداد أو التفكير الطويل. وقد لاحظت سوزان سونتاغ أن تكرار عرض صور الألم قد يؤدي إلى بلادة الحس الأخلاقي بدل تعميقه، وفي زمن السرعة الرقمية تتكثف هذه البلادة، لأن الصورة لا تُمنح الزمن الضروري لتتحول إلى تجربة داخلية.
ويتغير تبعا لذلك معنى الشهادة التاريخية. فالشاهد الذي كان يحمل عبء الذاكرة بوصفها أمانة، يتحول إلى منتج محتوى، يخضع لمنطق المنصات، حيث القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الدلالة. وهنا تتقاطع السرعة الرقمية مع ما وصفه غي ديبور بمجتمع الفرجة، غير أن الفرجة الرقمية تُسرَّع إلى حد تلاشيها، لأن ما يُعرض اليوم يُنسى غدا.
كما يشهد مفهوم الأرشيف تحولا جذريا. فالأرشيف الرقمي بسيولته ولامركزيته، يخضع لمنطق الخوارزميات التي تقرر ما يظهر وما يُخفى. وقد نبّه جاك دريدا إلى أن كل أرشفة تنطوي على سلطة، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسية فقط، بل تقنية أيضا، وهو ما يجعل التاريخ نفسه خاضعا لمنطق الترجيح لا لمنطق الحقيقة.
ويطرح هذا الوضع إشكال الحقيقة التاريخية، إذ تتجاور الوقائع مع التأويلات والدعايات، ويضيق الزمن المتاح للتحقق والتفكير. وقد حذّرت حنّة آرنت من أن أخطر أشكال الكذب هو خلق واقع بديل متماسك ظاهريا، وهو ما يجد في السرعة الرقمية بيئة مثالية للانتشار.
ولا يقف الخطر عند تشويه الماضي، بل يمتد إلى تقويض أفق المستقبل. فحين يفقد التاريخ عمقه، يفقد المستقبل معناه، ويتحول إلى امتداد تقني للحاضر. وقد ربط إرنست بلوخ الأمل بالزمن المستقبلي بوصفه أفقا لم يتحقق بعد، غير أن السرعة الرقمية تُفرغ الانتظار من معناه، لأنها توهم بالإشباع الفوري.
وهكذا نواجه مفارقة عميقة: فالتقنيات التي وُعدت بتحرير الإنسان من قيود الزمن أسهمت في إنتاج شكل جديد من العبودية الزمنية. وقد وصف هارتموت روزا هذا الوضع بالتسارع الاجتماعي، حيث لا يؤدي التسارع إلى توفير الوقت، بل إلى شعور دائم بندرته.
ويترتب عن ذلك تراجع القدرة على السرد الذاتي. فالسيرة الشخصية تتشظى إلى لحظات موثقة، دون أن تنتظم في قصة ذات معنى. وقد بيّن بول ريكور أن الهوية السردية شرط لإمكان القول بـ«أنا» عبر الزمن، غير أن السرعة الرقمية تُضعف هذا الشرط.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من إمكانات مقاومة. فالسرعة الرقمية بقدر ما تفكك الذاكرة، يمكن أن تفتح إمكانات جديدة لإعادة تركيبها، شرط إدراجها في أفق نقدي يعيد الاعتبار للبطء والمسافة والتأمل. وهنا تستعيد الفلسفة دورها بوصفها تفكيرا في شروط الزمن، لا خطابا خارج التاريخ.
وواضح أن الزمن المكسور ليس مجرد نتيجة عرضية للتقدم التقني، بل تعبير عن أزمة أعمق في علاقتنا بالمعنى. فالذاكرة حين تُختزل إلى وظيفة تقنية، تفقد بعدها الإنساني، والتاريخ حين يُحوَّل إلى محتوى سريع التداول، يفقد قدرته على الإضاءة. ويبقى الرهان مفتوحا على إمكان إعادة وصل ما انكسر، لا بالعودة إلى زمن ماضٍ، بل بابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تجعل من البطء فضيلة، ومن التذكر فعل مقاومة، ومن التاريخ أفقا للفهم لا مجرد مستودع للصور.
وإذا كان هذا التشخيص يكشف عمق الأزمة التي يعيشها الزمن الإنساني في أفق السرعة الرقمية، فإنه لا ينبغي أن نكتفي بوصف الانكسار، بل أن نفتح أفقا للتفكير في إمكانات تجاوزه. فالفلسفة منذ نشأتها لم تكن مجرد مرآة تعكس ما هو كائن، بل ممارسة نقدية تسائل شروط إمكانه وحدوده. ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في الزمن المكسور ليس ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية، لأن الطريقة التي نعيش بها الزمن تحدد في العمق، الطريقة التي نكون بها بشرا.
إن استعادة المعنى لا تمرّ عبر إنكار السرعة أو رفض التقنية، بل عبر إعادة إدراجها ضمن أفق إنساني أوسع، يعترف بأن ليس كل تسريع تقدما، ولا كل إبطاء نكوصا. فالزمن كما تُظهر التجربة التاريخية والفلسفية، ليس مجرد وعاء محايد للأحداث، بل هو شرط لتكوّن الوعي وتشكّل المسؤولية ونشوء القيم. وحين يُختزل الزمن إلى مورد يُستنزف، أو إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة، يفقد الإنسان قدرته على بناء علاقة أخلاقية مع ماضيه ومع غيره ومع ذاته.
ويكتسي مفهوم البطء دلالة جديدة، لا بوصفه نقيضا تقنيا للسرعة، بل بوصفه موقفا نقديا من العالم. فالانتباه البطيء والتذكر المتأني والقراءة العميقة ليست مجرد ممارسات ثقافية، بل أشكال مقاومة رمزية لمنطق الاستهلاك الزمني. إنها محاولات لاستعادة المسافة الضرورية بين الحدث وتأويله، والصورة وتجربتها، وبين المعلومة ومعناها. حيث يغدو البطء شرطا للفهم، لا عائقا أمامه.
كما أن إعادة الاعتبار للتاريخ لا تعني العودة إلى سرديات كبرى مغلقة، بل تعني استعادة البعد التأويلي للتجربة الماضية. فالتاريخ حين يُفهم بوصفه حوارا مفتوحا بين الأزمنة، يسمح للحاضر بأن يرى حدوده، وللمستقبل بأن يظل أفقا لا مشروعا تقنيا محضا. وهنا تبرز أهمية الذاكرة بوصفها فعل اختيار ومسؤولية، لا مجرد تخزين واستدعاء. فالذاكرة الإنسانية بخلاف الذاكرة الآلية، تقوم على النسيان بقدر ما تقوم على التذكر، لكن نسيانها ليس محوا بل ترتيبا للمعنى.
وتظل التربية بمعناها الواسع، مجالا حاسما لإعادة بناء علاقتنا بالزمن. فتعليم التفكير التاريخي وتنمية الحس النقدي تجاه الصور والمعلومات وتعويد الأجيال على الصبر المعرفي، كلها شروط ضرورية لمواجهة آثار التسارع الرقمي. فالمعركة ليست ضد التقنية، بل ضد اختزال الإنسان في مستهلك زمني، وضد تحويل الوعي إلى سطح قابل للاختراق الدائم.
الزمن المكسور ليس واقعا طبيعيا لا فكاك منه، بل نتاج اختيارات حضارية وثقافية قابلة للمساءلة. وإعادة وصل ما انكسر تقتضي شجاعة فكرية للاعتراف بأن التقدم التقني حين ينفصل عن المعنى، يتحول إلى قوة إفقار للخبرة الإنسانية. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استعادة زمن ماضٍ، ولا في الارتماء الكامل في زمن آلي قادم، بل في ابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تسمح للإنسان بأن يسكن زمنه بدل أن يُسحق داخله.
إن مقاومة انكسار الزمن تبدأ من استعادة الحق في التأمل وفي السرد وفي الذاكرة الحيّة. فحيثما وُجد زمن يُفهم ويُروى ويُفكَّر فيه، يمكن للمعنى أن يستعيد أنفاسه، وللتاريخ أن يعود أفقا للفهم، لا مجرد صدى باهت في ضجيج السرعة الرقمية.
***
د. حمزة مولخنيف






