قضايا

عدنان عويّد: التحليل السوسيولوجي للمعرفة

عوامل الوعي البشري: يتطلب بيان مكونات الوعي البشري مناقشة جملة من المسائل والقضايا التي ترتبط بعوامل تشكل هذا الوعي ومنها: مواضيع المعرفة البشرية، ودور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري. ودور الدماغ البشري في تكوبن المعرفة،

1- مواضيع المعرفة البشريّة:

وجدت الطبيعة قبل وجود الإنسان، ومنذ وجودها، ظلت في وحدتها وكليتها مترابطة ومستقلة عن وعيه وأحاسيسه وأفكاره، على الرغم من أن كل النشاط الحيوي الذي مارسه فيها، عبر نشاطه التاريخي هذا لم يستطع في الحقيقة تغيير أشكال الموجودات الأساسيّة فيها، لذلك بقيت الطبيعة وحتى في ظل المجتمعات البشريّة الأكثر تطوراً، محافظة على ماديتها وموضوعيتها وقوانين عملها واستقلاليتها تجاه الإنسان، إلا أنها رغم استقلاليتها، استطاعت في كل مرة يمارس الإنسان نشاطه فيها من أجل اكتشاف آليتها وظواهرها أن تغني معرفته وتطور وعيه تجاهها .

أما بالنسبة للعلاقات أو الظواهر الاجتماعيّة كمواضيع للمعرفة، فهي تكتسب أهميتها هنا، وخاصة بالنسبة للإنسان الذي يرى أن مهمته الأساسيّة تقوم أساساً على تحويل نفسه والمجتمع تحويلاً عقلانيّاً، فالعلاقات الاجتماعيّة في سياق صيرورتها وسيرورتها، هي نتاج للنشاط الشيئي المادي والفكري للإنسان ولا تنفصل عنه، وعند التكلم عن موضوعيّة هذه العلاقات أو الظواهر، فإننا نقصد بالدرجة الأولى واقع صلة هذه العلاقات بالأشياء ذات المواصفات المجسّدة والمتكوّنة من موجودات الطبيعة من جهة، ثم علاقات الملكية والعلاقات الطبقيّة والصراع الطبقي والمؤسسات الاجتماعيّة والعلاقات الفكريّة من جهة ثانية، هذه المواضيع كلها تصبح بعد إنتاجها خارج الإرادة الإنسانيّة ووعي الأجيال المنفردة القائمة في مجتمع معين، في وقت معين، وبصورة مستقلة عنها. (1).

إذن، إن كل تلك المقدمات التاريخيّة التي هي مواضيع موضوعيّة وواقعيّة تماماً بالنسبة لنا، هي في الحقيقة نتاج للنشاط المادي والروحي لأناس ملموسين تماماً ومتمتعين بإرادة حرة ووعي وعواطف، لذلك من هنا يأتي تعقد العمليات المعرفيّة التي تتمثل مواضيعها في علاقات الناس عبر المجتمع، لكون الناس الواعين والمتمتعين بالإرادة والعاطفة، يتصرفون بناء على مواقف فكريّة أو معرفيّة قبليّة، غالباً ما تهيمن عليها المنافع والأهواء بل وحتى الروح الأيديولوجيّة.

إن واقع الظواهر الاجتماعيّة تنعكس من خلال وعي الناس وإرادتهم وتصرفاتهم وآرائهم وأفكارهم، وعلى هذا، فليس التغيير والتحول فقط، بل ومعرفة العلاقات الاجتماعيّة أيضاً، لا يمكن تصورها بدون مراعاة تغيير عالم القيم والأفكار والأيديولوجيات والمصالح، وبناء على ذلك أيضاً، ترتبط عمليّة تحول الظواهر الاجتماعيّة مع مواضيع عمليّة المعرفة، على نحو معين، من خلال وحدة العلاقات الفكريّة والماديّة (الاجتماعيّة) وتبعيتها المتبادلة عبر ممارسة النشاط التحويلي العقلاني منه (2).

إن استيعاب ومعرفة الظواهر الاجتماعيّة، رغم تعقدها، يتوقفان في كل لحظة معينة على وجهات نظر القائم بعمليّة المعرفة، ومصالحه، ومشاعره السلبيّة والإيجابيّة، ومثله، وتطلعاته، وأفكاره، ومن هنا تأتي عملية التعقيد المعرفي في هذا الجانب من مواضيع المعرفة كما قلنا سابقاً. ففي الصراع الحاد مثلاً بين القوى الاجتماعية وفي سير التطور التاريخي الأشد تعقيداً في إطار هذا الصراع، يمكن للوعي أن يقع فريسة للأوهام وأن يخلق بذلك موضوعيّاً الحواجز على طريق عمليّة معرفة القوانين الاجتماعيّة، وهذا ما يدفعنا للنظر أيضاً في الوعي ذاته كموضوع لعملية المعرفة.

إن الإنسان في سياق تطور الممارسة الاجتماعيّة التاريخيّة، يمعن النظر في الحالات المتموضعة مباشرة لوعيه، وهذا ما يسمى بإدراك الذات، أي إن الإنسان، إلى جانب إدراكه لمواضيع الطبيعة والمجتمع، لديه القدرة على إدراك ذاته وذات الآخرين المحيطين به، وبذلك يصبح وعيه ووعي الآخرين من خلال هذه القدرة مواضيع معرفة قائمة بذاتها، كما يصبح من مواضيع المعرفة هذه، مضمون وتوجه وعي الفرد ووعي الجماعات الأخرى الاجتماعيّة بشكل عام. ما يعني إن شتى عناصر الوعي، مثل الأمزجة، والمشاعر، والتطلعات، والآراء، والنظريات، والأفكار التي تدرس وعي الفرد ووعي المجتمع، أو أي كتلة اجتماعية كانت، طبقة، طائفة، مذهب ..الخ، تغدو بدورها مواضيع معرفة، بل حتى الآليات الداخليّة التي يخضع لها تطور الوعي، ثم الميول والعمليات التي تنكشف في تطور وعي الأفراد والجماعات، وكذلك الصراع الداخلي بين التطلعات والآراء والأفكار المتعارضة، كما يضاف إلى ذلك أيضا كل ما يتعلق باللاشعور الباطني للإنسان وغير ذلك. ومع ذلك فإن الوعي في المحصلة لا يبقى مجرداً، بل هو يتجسد واقعيّاً في تصرفات وتعابير الناس الملموسين، كما يتجلى في الأعمال والكلمات ومنتجات الثقافة، أي أنه يتحول إلى أشكال مادية ما.

2- دور الدماغ في تكوين المعرفة:

لقد أثبتت التجارب العلميّة لنشاط الإنسان، بأن الوعي البشري – الذي يمثل هنا أفكاره، عواطفه، أحاسيسه، تصوراته، آراءه... إلخ – هو نتاج تطور طويل للمادة، ولكن ليس لكل مادة، بل للمادة الرفيعة التنظيم، وهي الدماغ البشري. وكما دلت العلوم (الفسيولوجية)، فإن كل النشاط النفساني للإنسان يقوم على عمليات مادية محددة هي العمليات الفسيولوجيّة الجارية في الدماغ الإنساني، وبخاصة في نصف الكرة الكبيرين، كما هو معروف علميّا، لذلك كثيراً ما يؤدي أي اضطراب معين في نشاط الدماغ إلى حدوث اضطراب أو خلل في تفكير الإنسان. (3).

يؤكد "بافلوف" في نظريته بأن القدرة الحسيّة تقوم على أساس فسيولوجي، وأن هذه القدرة الحسيّة، تشكل جهازاً يستجيب الكائن خلاله للتأثيرات المباشرة من الأشياء والظواهر العينيّة، إلا أن هذه الإحساسات تبقى لدى الإنسان مضاءة بنور العقل، لذلك يأتي التأكيد هنا بأن الدماغ والعمليات الفسيولوجيّة الجارية، تمثل أساس تشكل الوعي الوعي الإنساني وآليّة عمله، وأنها هي الشرط المادي الذي يستحيل التفكير بدونه.

إن أحاسيس الإنسان مثل، الرؤية، السمع، الشم، اللمس.. الخ، لا يمكن لها أن تنشأ وتتطور كما هو معروف بداهة إلا تحت تأثير مواضيع الوعي التي جئنا على ذكرها سابقاً. وهذه المواضيع بما تحمل من صفات وخصائص، مثل اللون، الرائحة، الأصوات، الحرارة... إلخ، تؤثر في حواس الإنسان، ثم ينتقل التأثير الحاصل عبر الأعصاب إلى قشرة نصفي الكرة الكبيرين، حيث تظهر أيضاً الأحاسيس المناسبة، وعلى أساس هذه الأحاسيس تتشكل المدركات والتصورات والمفاهيم وغيرها من أشكال الفكر، وكلها في المحصلة تمثل صوراً، أي انعكاسات دقيقة إلى هذا الحد أو ذاك للأشياء والظواهر الموجودة موضوعيّاً، ولا يمكن لهذه الصور أن تظهر في وعي الإنسان، بدون أشياء وظواهر مواضيع الوعي / التفكير، إلا أن الإنسان عبر نشاطه الطويل وتشكل وعيه، يصبح فيما بعد قادراً على الإبداع الذهني/ المعرفي من خلال التراكم المعرفي عنده، كأن يتصور مخططاً لبناء هندسي لمرحلة زمنيّة لاحقة، أو يضع نظريّة لنظام اجتماعي مقبل... وهكذا. إلا أن هذه التصورات في حقيقة الأمر لا يمكن لها أن تفرخ بشكل مجرد، أي هي لا يمكن لها أن تنشأ إلا على أساس انعكاس ما هو موجود بالفعل. بمعنى آخر، هي تقوم على معرفة الإنسان للواقع الموضوعي المحيط به، واحتمالات واتجاهات تطوره .(1).     ولكن يبقى السؤال المشروع يطرح نفسه بعمق وهو: هل يكفي الدماغ وحده مع مواضيع العمل لتشكل الوعي؟.

لا شك أن الجوب سيكون / لا /، على اعتبار أن هناك شرطاً آخر لا بد أن يتوفر لتحقيق عمليّة المعرفة، أي لا بد من (عمل الإنسان نفسه)، هذا العمل الذي أكدت تجارب الإنسان العمليّة التاريخيّة، بأن الإنسان من خلاه استطاع أن يطور نفسه.

ثالثاً: دور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري:

في سياق عمل الإنسان التاريخي الطويل، جرى تطور كبير ومستمر في أعضائه ووعيه، فأثناء مواجهته الأشياء والظواهر في الطبيعة، وفي مجرى حصوله على وسائل عيشه، تعلم خصائصها وراح يميز ما هو مشترك ومختلف بينها، وفي كل مرة يعمل فيها من أجل تحسين أدوات عمله، كان يرافق هذا التحسين تطور في مهاراته اليدوية وفي وعيه ومراكز إحساسه لاستيعاب عمليات تحسين تلك الأدوات، هذا بالإضافة إلى دور التراكم المعرفي المتوارث من جيل إلى آخر والذي خدم الأجيال اللاحقة على تواصل تحسين هذه الأدوات وتطويرها.

لقد ارتبط وعي الإنسان منذ البدء ارتباطا عضوياً بعمله، إلا أن هذا الوعي أخذ ومع مرور الأيام وفي كل مرة يحصل فيها تطور في هذا الوعي، يستقل شيئاً فشيئاً عن الممارسة المباشرة لحياة الإنسان، ليصبح هو نفس موضوع عمل ومعرفة بذاته. أي إن الإنسان استطاع عبر التطور التاريخي، والتراكم المعرفي الحاصل نتيجة هذا التطور، أن يسعَا لفهم أفكاره ومشاعره ومصالحه ودوافعه وتصرفاته ومكانه ودوره في العمليّة الإنتاجيّة والاجتماعيّة، وهذا السعي أسهم بدوره في تطوير مهاراته العمليّة والفكريّة معاً، هذه المهارات التي تمثلت بأبهى صورها في كل الإنجازات الحضارية المعاصرة.

***

عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

1- غليزيرمان- قوانين التطور الاجتماعي – دار التقدم – موسكو-1983 – ص ص129 وما بعدها.

2- المرجع نفسه.

3- أفاناسييف – أسس المعارف العلمية – دار التقدم موسكو– 1979 ص54 وما بعدها .

4- المرجع نفسه.

في المثقف اليوم