قضايا
زهير الخويلدي: ترتيب جميع الموجودات في الكون بين العناية الإلهية والتفسير العلمي
مقاربة كوسمولوجية
مقدمة: في قلب الكوسمولوجيا، علم دراسة الكون ككل، يقع السؤال الأزلي عن ترتيب جميع الموجودات: هل هذا الترتيب نتيجة عناية إلهية مدبرة، أم تفسير علمي يعتمد على قوانين طبيعية محضة؟
هذا السؤال يجمع بين الفلسفة، الدين، والعلم، حيث يرى البعض الكون كعمل فني إلهي يعكس حكمة خالق، بينما يراه آخرون كنظام ذاتي التطور يخضع لقوانين فيزيائية.
المقاربة الكوسمولوجية هنا تتجاوز النظريات المجردة لتستعرض كيفية ترتيب الكائنات من الذرات إلى المجرات، مستندة إلى التوفيق بين الرؤى الدينية والنظريات العلمية.
في عصرنا، مع تطورات مثل تلك المذكورة في كتاب "الخلق الكتابي وعلم الكونيات الحديث"الذي يناقش كيفية خلق الله للكون وتوجيه تطوره، يصبح هذا التوفيق أكثر إلحاحاً.
سنبدأ بتاريخ الفكرة، ثم ننتقل إلى التفسيرات الدينية والعلمية، وأخيراً نناقش المقارنة والآفاق المستقبلية.
تاريخ الكوسمولوجيا: من الرؤى القديمة إلى العصر الحديث
تاريخ ترتيب الموجودات في الكون يعود إلى الحضارات القديمة، حيث رأى الإغريق الكون كنظام متناسق. أرسطو، في "عن السماء"، وصف الكون ككرة مركزها الأرض، محاطة بكرات سماوية تتحرك بفعل محرك أول غير متحرك، يمثل العناية الإلهية. هذا الترتيب الهيئي يعكس تسلسلاً هرمياً: من المادة الأرضية إلى العناصر السماوية النقية. في العصور الوسطى، دمج الفلاسفة الإسلاميون مثل ابن سينا هذا مع العناية الإلهية، حيث رأى في "الشفاء" الكون كسلسلة من العقول المنبثقة عن الواحد الأول، ترتب الموجودات من العقل الأول إلى العالم السفلي، بفعل قدر إلهي. الغزالي، في "إحياء علوم الدين"، انتقد الفلاسفة لكن أكد على العناية الإلهية كمبدأ يدبر الكل.
في العصر الحديث، مع كوبرنيك وغاليلي، تحول الترتيب إلى نموذج هليوسنتري، ثم نيوتن في "المبادئ الرياضية" رأى الكون كآلة محكومة بقوانين، لكن مع عناية إلهية تحافظ على الاستقرار. هذا التحول فتح الباب للتوفيق بين العلم والدين، كما في مناقشات حديثة حول عدم تعارض الخلق التوراتي مع الكوسمولوجيا الحديثة، حيث يُرى الكون كمنشأ من قبل الله لكن يتطور وفق قوانين طبيعية.
هذا التاريخ يظهر كيف تحول الترتيب من نموذج إلهي مباشر إلى تفسير علمي يتسع للعناية الإلهية كمبدأ أولي.
العناية الإلهية: الترتيب الكوني كعمل إلهي
في الرؤية الدينية، ترتيب الموجودات يعكس عناية إلهية مدبرة، حيث يدبر الله الكون بكل تفاصيله. في الإسلام، يُشار إلى ذلك في القرآن (سورة الملك: 3-4) بوصف الكون كبناء متناسق دون خلل، يعكس حكمة الخالق. ابن عربي، في "الفتوحات المكية"، يرى الكون كتجليات للأسماء الإلهية، حيث ترتب الموجودات في سلسلة وجودية: من الذات الإلهية إلى العرش، ثم الكرسي، فالسموات والأرض، مع العناية كقوة تحافظ على التوازن. في المسيحية، توما الأكويني في "الخلاصة اللاهوتية" يصف العناية الإلهية كحكومة الله للكون، ترتب الكائنات نحو غايتها النهائية، مستنداً إلى أرسطو لكن مع إله شخصي.
هذا الترتيب ليس عشوائياً، بل غائياً: النجوم، الكواكب، الحياة، كلها جزء من خطة إلهية
في مناقشات حديثة، مثل تلك في "إثبات أن العناية الإلهية مسؤولة عن تطور الكون"، يُثبت أن تنظيم الكون يتوافق مع الوحي، حيث تكون العناية الإلهية مسؤولة عن تطور الكون من البداية إلى التعقيد. كذلك، في فيديو "دقة الكون ووجود الله"، يُبرز كيف تعكس دقة الثوابت الفيزيائية عناية إلهية، ترتب الموجودات للسماح بالحياة. هذا الجانب يؤكد على الترتيب كدليل على وجود خالق مدبر.
التفسير العلمي: الكوسمولوجيا الحديثة وترتيب الموجودات
من الجانب العلمي، يُفسر ترتيب الموجودات عبر قوانين فيزيائية، دون الحاجة إلى تدخل إلهي مباشر. نموذج الانفجار العظيم، كما في "علم الكون" على ويكيبيديا، يصف بداية الكون قبل 13.8 مليار سنة من نقطة سينغولارية، متوسعاً ليشكل الهيدروجين، الهيليوم، ثم النجوم والمجرات.
هذا الترتيب يعتمد على قوانين مثل الجاذبية النيوتونية والنسبية العامة لأينشتاين، حيث تتشكل الهياكل الكونية من خلال التكتلات: من السحب الغازية إلى المجرات، مع المادة المظلمة والطاقة المظلمة كعناصر رئيسية في الترتيب.
في الكوسمولوجيا المعاصرة، كما في "الكون خلقه وإيجاده بين نظريات العلم الحديث ومسلمات الأديان السماوية" (2024)، يؤكد العلم على الانفجار العظيم كأصل، لكن يترك مجالاً للتوافق مع الأديان.
الترتيب هنا عشوائي جزئياً، مدفوعاً بالاحتمالات الكمومية، كما في نظرية الكون المتعدد، حيث تكون دقة الثوابت نتيجة اختيار من بين اكوان عديدة. هذا يختلف عن العناية الإلهية، لكنه يفسر التعقيد عبر التطور الكوني، من الذرات إلى الحياة عبر الانتخاب الطبيعي.
المقارنة: نقاط الالتقاء والاختلاف في المقاربة الكوسمولوجية
المقارنة بين العناية الإلهية والتفسير العلمي تكشف عن توترات وتوافقات.
في نقاط الاختلاف، يرى العلم الكون كذاتي التطور، بينما الدين يراه غائياً. على سبيل المثال، في مناقشة على ريديت " "من المستحيل التوفيق بين علم الكونيات الحديث واللاهوت العقلي"، يُبرز صعوبة التوفيق بين مركزية الإنسان في الدين واللامركزية في الكوسمولوجيا.
لكن في الالتقاء، كما في هل يشير علم الكونيات الحديث إلى وجود خالق توراتي؟، يُرى الضبط الدقيق للكون دليلاً على خالق إلهي، حيث يتفق الملحدون والمؤمنون على دقة الشروط للحياة.
في الفلسفة الإسلامية، كما في "الكون بين التوحيد والإلحاد"، يُفسر الانفجار العظيم كدليل على الخلق الإلهي، معادلاً بين العلم والتوحيد.
أما في تغريدة أليكس غراي، يُبرز كيف يتفق العلماء والصوفيون على أصل واحد للكون، مع الإبداع كقوة كونية.
هذا التوفيق يجعل الترتيب الكوسمولوجي جسراً بين الاثنين، حيث تكون العناية الإلهية المدبرة للكون.
التحديات المعاصرة: الكوسمولوجيا في 2025 وما بعدها
في 2025، تواجه المقاربة تحديات مثل الثقوب السوداء والكون المتعدد. في "تأملات في التوفيق بين علم الكونيات في العصور الوسطى والحديثة"، يُناقش كيف يترك الكون الحديث مجالاً للعجب الإلهي رغم فقدان النظام الوسطي. كذلك، في تغريدة "مستكشف الفلسفة"، يستخدم بايزيان لإثبات أن الإله يفسر الدقة أفضل من الطبيعة. التحدي الرئيسي هو العدمية، لكن العناية الإلهية توفر معنى، كما في "المفهوم اللاهوتي للعناية الإلهية".
خاتمة: نحو توحيد الرؤى الكوسمولوجية
في الختام، ترتيب جميع الموجودات في الكون يتحدد بين عناية إلهية توفر الغاية والتفسير العلمي الذي يصف الآليات. المقاربة الكوسمولوجية تظهر إمكانية التوفيق، كما في "علم الكون والدين"، حيث يتكامل الدين مع العلم لفهم الكون. هذا الترتيب ليس تناقضاً، بل دعوة لتجاوز الثنائيات نحو رؤية شاملة تعزز الفهم البشري للوجود. فكيف يمكن الجمع دون الوقوع غي التناقض بين الاعتقاد الديني والتفسير العلمي؟
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي






