قضايا
حسن لمين: من أجل نهضة تعليمية مغربية.. بين الرؤية والطموح والعوائق
يُعَدُّ التعليم في أي بلد مرآةً لمشروعه المجتمعي وأداة مركزية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وفي السياق المغربي، يشكّل ملف التعليم منذ عقود أحد أبرز التحديات التي لا تزال تؤرق صناع القرار، وتثير نقاشًا متواصلًا في مختلف الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية. فالحديث عن النهضة التعليمية في المغرب يستدعي الوقوف عند ثلاثية مترابطة: الرؤية الإصلاحية، والطموح المجتمعي، والعوائق البنيوية، وهي ثلاثية تُحدد مسار التحول الذي تتطلع إليه البلاد في هذا المجال الحيوي.
ملامح الرؤية الإصلاحية
تبنّى المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة سلسلة من الإصلاحات الكبرى في المجال التربوي، لعل أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، الذي اعتُبر لحظة تأسيسية في إعادة التفكير في المدرسة المغربية، ثم جاء بعده البرنامج الاستعجالي (2009-2012)، فـرؤية 2030، التي راهنت على جعل التعليم في قلب النموذج التنموي الوطني.
الرؤية الحالية للإصلاح ترتكز على محاور عدة، أهمها:
- ترسيخ مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
- تحسين جودة التعلمات.
- إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.
- تعزيز دور الرقمنة والابتكار في العملية التعليمية.
- تأهيل العنصر البشري، خاصة المدرسين وأطر الإدارة التربوية.
لكن ما يُسجَّل، رغم تعدد هذه المحاولات، هو وجود فجوة واضحة بين التصورات النظرية الطموحة والواقع الميداني الذي ما يزال يعاني من أعطاب بنيوية مزمنة.
تطوير المناهج الدراسية…الرهانات والصعوبات
إن أي حديث عن إصلاح المنظومة التعليمية لا يستقيم دون التطرق إلى مسألة المناهج الدراسية. فالمقررات هي وعاء المعرفة والقيم التي يُفترض أن يُبنى بها المواطن الصالح والكفء. وقد شهد المغرب عدة مراجعات لهذه المناهج، لكن معظمها بقي رهين المقاربة التجزيئية أو ذات الطابع التقني، دون معالجة جوهرية للأسئلة الكبرى، من قبيل: ما نوع الإنسان الذي نريده؟ وما دور المدرسة في بناء هذا الإنسان؟
رغم بعض الجهود التي بُذلت في إدماج القيم الحقوقية، وتكريس مقاربات بالكفايات، وتبني البيداغوجيا النشيطة، إلا أن المقررات ما تزال:
- ثقيلة المحتوى وضعيفة التحفيز.
- تُراكم المعارف بدلًا من تنمية الروح النقدية والإبداعية.
- تعاني من انفصالها عن الواقع، خصوصًا في التعليم القروي.
- تُدرّس بلغة غير مستقرة (بين العربية، والفرنسية، ومحاولات إدماج الأمازيغية والإنجليزية).
هذا التذبذب اللغوي يُضعف كثيرًا من فعالية العملية التعليمية، ويخلق صراعًا هوياتيًا ومعرفيًا لدى المتعلمين، الذين يُطالبون بفهم مضامين لا تُقدَّم لهم بلغتهم الأم، ولا بلغة علمية موحدة.
الطموح المجتمعي وأزمة الثقة
التحولات التي يشهدها المغرب في مختلف الميادين أفرزت طموحًا مجتمعيًا متزايدًا نحو تعليم منصف وذي جودة، لكن هذا الطموح يصطدم بـأزمة ثقة حقيقية في المدرسة العمومية. هذه الأزمة تعكسها عدة مؤشرات:
- لجوء الأسر، حتى ذات الدخل المحدود، إلى القطاع الخاص رغم كلفته الباهظة.
- انتشار دروس الدعم المؤدى عنها، ما يعمّق الفوارق الطبقية.
- تراجع مكانة الأستاذ في الوعي الجمعي، بفعل ظروف العمل غير المشجعة، والمشاكل المرتبطة بالتوظيف الجهوي، وضعف التكوين الأساس والمستمر.
في هذا السياق، تغيب الرغبة في الاستثمار في المدرسة العمومية كمشروع وطني جامع، ويستفحل نوع من اللامبالاة أو الاستسلام للأمر الواقع، مما يهدد الأسس القيمية لأي إصلاح حقيقي.
العوائق البنيوية للإصلاح
رغم الاعتراف السياسي المتكرر بمكانة التعليم كأولوية وطنية، فإن عوائق الإصلاح تبقى عميقة، نذكر منها:
- ضعف الحكامة:
لا تزال المنظومة تعاني من التداخل في الصلاحيات، وغياب آليات صارمة للتتبع والتقويم، وخلل في توزيع الموارد.
- الهشاشةالمجالية:
التفاوتات بين الوسطين الحضري والقروي صارخة، سواء من حيث البنية التحتية أو عدد الأطر التربوية أو جودة التكوين.
- التمويل:
الاستثمار في التعليم لا يزال دون المطلوب، كما أن صرف الميزانيات لا يراعي دائمًا الأولويات الحقيقية (البحث العلمي، التكوين المستمر، التحفيز).
- الإرادةالسياسية:
غياب نفس طويل المدى والتناوب المستمر على تدبير القطاع يُفرغان الإصلاحات من مضمونها، ويكرسان نوعًا من العبث المؤسساتي.
أي أفق للنهضة التعليمية في المغرب؟
لا يمكن التفكير في نهضة تعليمية حقيقية دون تبنّي مقاربة شمولية تُعيد الاعتبار للمدرسة كمؤسسة لإنتاج الإنسان والمواطن، لا فقط كفضاء لتلقين المعارف.
نهضة التعليم تتطلب:
- إعادة الاعتبار للمدرس: مهنيًا وماديًا ورمزيًا.
- دمقرطة التعليم: أي تجاوز الفوارق بين الجهات والطبقات.
- إصلاح جذري للمنهاج الدراسي: من حيث اللغة، والمحتوى، والطريقة.
- تفعيل حقيقي للجهوية التربوية: بما يسمح لكل جهة بالاستجابة لخصوصياتها الثقافية والتنموية.
- دمج الرقمنة والتكنولوجيا بشكل ذكي ومتدرج.
- ترسيخ ثقافة التقييم والمحاسبة في مختلف مفاصل النظام.
لكن الأهم هو امتلاك إرادة سياسية صادقة، تضع التعليم فوق كل الحسابات الظرفية، وتجعل من المدرسة العمومية رافعة استراتيجية للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية.
إن الطموح نحو نهضة تعليمية مغربية ليس رفاهًا فكريًا، بل هو ضرورة تاريخية ومجتمعية لا تحتمل التأجيل. فإما أن نمتلك الشجاعة الكافية لكسر الحلقة المفرغة بين الإصلاح والتراجع، وإما أن نظل ندور في دوامة القرارات المؤجلة والرؤى المنفصلة عن الواقع.
وبين الرؤية والطموح والعوائق، تقف المدرسة المغربية اليوم على مفترق طرق حاسم: فإما أن تكون قاطرة للتقدم، أو أن تبقى عالقة في أزمات مزمنة، تكلف البلاد أجيالًا ضائعة ومستقبلًا مهدورًا.
***
حسن لمين
مدرس اللغة العربية ومهتم بالشأن التربوي






