قضايا

محمد الربيعي: تأملات في السيادة الخوارزمية

قراءة في عقل الباحث والمفكر تحسين الشيخلي

جاءت مقالة تحسين الشيخلي عن اعمال الملتقى العربي للذكاء الاصطناعي الذي اقامه اتحاد مجالس البحث العلمي العربي – جامعة الدول العربية بالتعاون مع جامعة المستقبل ببابل، لتكشف ما وراء النقاشات التقنية وتضعنا امام سؤال مصيري: هل نناقش الذكاء الاصطناعي، ام نعيش داخل ذكاء الاخرين؟

هذا السؤال يقود الى جوهر رؤيته: ان الخطر الحقيقي ليس في التاخر التقني، بل في فقدان السيادة المعرفية. الشيخلي يرى ان من يملك الخوارزمية يملك الواقع، وان الدول التي لا تمتلك نماذجها وبياناتها ستعيش داخل عقل غيرها، حتى لو بدت متقدمة تقنيا. هنا يظهر مفهومه عن "الاستعمار الخوارزمي": استعمار بلا جنود، لكنه يفرض ارادته عبر البنية التقنية ذاتها.

لقد كشف الشيخلي عن "الغفلة التقنية" التي قد تجعلنا ننبهر بالتطبيقات ونغفل عن الاصول. اعجابي بهذا الطرح ينبع من انه لا يكتفي بالحديث عن المستقبل كزمن سياتي، بل يفتش عن الهوية داخل الاكواد، عن الذات التي قد تضيع ان لم نملك عقلنا الخوارزمي. ومن هذا الوعي المبكر بخطر الغفلة التقنية، ينتقل الشيخلي الى التحذير الاشد خطورة: التبعية المعرفية.

"الاستعمار الناعم" والتحرر المعرفي

توقفت طويلا عند تحذيره من هذه التبعية. هنا اجد نفسي ماخوذا بعمق الفكرة، فالاستعمار الخوارزمي الذي وصفه الشيخلي هو استعمار بلا جنود، لكنه اخطر لانه يتسلل الى لا وعينا الجمعي. اعجابي بهذا التصوير انه يضعنا امام حقيقة ان الخوارزمية هي "دستور العصر الرقمي"، فاذا لم نكتب دستورنا بايدينا وبقيمنا، سنظل مجرد بيانات في جداول الاخرين. السيادة الخوارزمية التي ينادي بها الشيخلي هي بالفعل "بيان استقلال" جديد، يذكرنا ان التحرر في المستقبل لن يكون سياسيا او اقتصاديا فقط، بل معرفيا ايضا. واكثر ما يدهشني في هذا الطرح انه يحول القلق الى طاقة بحثية خلاقة، ويجعل من الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير.

حوار "الواقع" و"الرؤية"

لكن الشيخلي لا يكتفي بالتحذير، بل يفتح بابا للحوار بين الواقع القائم والرؤية الممكنة. في ردوده على بعض المداخلات، تجلى نبل الشيخلي وادبه الفكري، فهو لا ينكر فجوة الواقع، لكنه يرفض ان تتحول هذه الفجوة الى مقبرة للطموح. اعجبتني هذه الصرامة الممزوجة باللطف، لانها تجعل الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير. المجتمع الذي يتبنى هذه الرؤية لن ينتظر حتى يمتلك شروط السيادة ليبدا الحديث عنها، بل سيحول القلق الى وقود للبحث العلمي الجاد، ويجعل من الفكرة مشروعا للتحرر المعرفي.

ومع ذلك، فان هذه الرؤية، مهما كانت استشرافية وملهمة، تصطدم بواقع البحث العلمي العربي. فالتقدم في سباق الخوارزميات لا يمكن ان يتحقق في فراغ، بل هو جزء من منظومة اكبر اسمها العلم والبحث والابتكار. لا يمكن ان نطالب بذكاء اصطناعي عربي مستقل ونحن نهمل جذور المعرفة، ونترك الجامعات بلا انتاج علمي، والمختبرات بلا تمويل، والعقول بلا بيئة محفزة.

فالسيادة الخوارزمية ليست غصنا يمكن ان يزدهر وحده، بل هي ثمرة شجرة كاملة. من يملك الرقائق يملك القدرة الحسابية، ومن يملك البيانات يملك المادة الخام، لكن من يملك البحث العلمي يملك القدرة على تحويل هذه العناصر الى عقل صناعي مستقل. بدون ذلك، سنظل مجرد مدخلات في انظمة الاخرين، مهما بدا اننا نواكب العصر.

ان تبني رؤية الشيخلي سيظل امنية ما لم نبدا باصلاح جذري للبحث العلمي العربي. فالمستقبل لن يقسم الدول الى متقدمة ومتخلفة، بل الى دول تفكر بذاتها ودول يُفكر عنها. ولكي نكون من الفئة الاولى، علينا ان نعيد بناء منظومتنا العلمية من الاساس:

- تعليم يزرع حب البحث والتفكير لا مجرد حفظ المناهج.

- جامعات تنتج معرفة لا شهادات.

- سياسات تعتبر مراكز البيانات والنماذج الوطنية اصولا سيادية لا تقل اهمية عن النفط او الحدود.

- ثقافة ترى في الابتكار شرطا للبقاء لا ترفا.

وهنا يكتمل المعنى الذي طرحه الشيخلي: ان السيادة الخوارزمية لن تتحقق الا اذا امتلكنا الشجرة كاملة، لا غصنا واحدا. ومن لا يملك منظومته العلمية، لن يملك خوارزمياته، وسيظل يعيش داخل عقل الاخرين.

اخيرا، لقد علمتني قراءة الشيخلي ان المستقبل ليس مكانا نذهب اليه، بل هو خوارزمية نصممها الان. اعجابي بافكاره يتجدد كلما ادركت ان السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نستخدم ذكاءنا نحن، ام ذكاء الاخرين؟

***

محمد الربيعي

في المثقف اليوم