قضايا
علاء جواد كاظم: فلسفة التمكين الرقمي
هل التكنولوجيا بديل للمعلم ام امتداد لخبرته؟
كان المعلم في السابق المصدر الرئيس للمعلومة والموجه الوحيد للدرس وصاحب السيطرة الكاملة على مجريات العملية التربوية. فضلا عن كونه المقوم الرئيسي لاداء الطلاب والمصمم الوحيد للانشطة التربوية داخل المدرسة. وقد اتسمت العملية التعليمية بوقتها بطابعها التقليدي القائم على الحفظ والتلقيين وقلة التفاعل الصفي، ومحدودية مصادر التعلم التي اقتصرت على الكتاب المدرسي والسبورة، الى جانب الوقت الطويل التي تستغرقه عملية التقويم والتقييم. اما اليوم، قد دخل التعليم مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. في ظل التسارع الهائل في التطور التكنولوجي وما يرافقه من تحديات وفرص حقيقية لتغيير مسار الانسان كيفا وكما. يرى بعض الباحثين أن ازدياد وتيرة استخدام التكنولوجيا الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل الحياة اليومية للانسان قد يحدث تحولا جذريا في انماط التعليم والتعلم ويخلق بيئات تعلم ذاتية ومتكيفة. بينما يؤكد اخرون أن المعلم سيبقى حجر الاساس في العملية التربوية مهما بلغت تطور الادوات الرقمية. ومن هنا يبرز سؤال جدلي: هل ستحل التكنولوجيا الذكية مكان المعلم أم انها امتدادا لخبرته وتعززا لدوره؟. أن هذه الجدلية لا تعبر عن صراع بين القديم والجديد، بقدر ما تعكس محاولة لفهم طبيعية العلاقة المتغيرة بين طرفان يشتركان في غاية واحدة: هي تحقيق تعليم اكثر فعالية وانسانية وقدرة على مواكبة تحديات المستقبل. وبين حيوية حضور المعلم وقدرات ودقة الادوات الذكية، يتشكل مسار تربوي جديد يعيد تعريف التعليم في القرن الواحد والعشرين.
ويقصد بالجدلية هنا "التفاعل بين مسارين قد يبدوان متعارضين" لكنهما بالواقع قد يكونان تكامليين، وهما: المعلم والتكنولوجيا لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. قد ظهرت هذه الجدلية بسبب تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية وقدرتها على تقديم محتوى تعليمي تلقائي، وتقييم فوري، ومحاكات تعليمية فضلا عن وتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب. الامر الذي فتح بابا للتسائل: هل مازال المعلم ضروريا في غرفة الصف؟.
ورغم هذا التطور، ما زال للمعلم ادوار جوهرية لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها، واهمها البعد الانساني والاجتماعي، والتوجيه الفكري والتفكير النقدي، والعدالة بالتعامل مع الفروق الفردية للطلبة، وقيادة الصف الدراسي وفق قواعد السلوك التربوي، وبناء الثقة ومراعاة مشاعر وعواطف الطلبة. فالتكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تبقى اداة مبرمجة تفتقر الى الحس الانساني.
في المقابل، تؤدي التكنولوجيا دورا محوريا في تسريع الوصول الى المعلومة والمعرفة عبر المصادر المفتوحة، وتعزيز التفاعل باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والمحاكاة التعليمية والتجارب الافتراضية، والالعاب التعليمية. كما تمتلك ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على تخصيص التعلم من خلال تتبع مستوى الطالب وتقترح له مسارا يناسب مستواه، فيما يعرف "التعلم التكيفي"، فضلا عن تخفيف العبء الاداري عن المعلم من خلال تصحيح وتقييم الواجبات وادارة الصف الافتراضي واعداد تقارير الاداء.
بعد دخول واستخدام مختلف انواع هذه التقنيات الرقمية في المدرسة وغرفة الصف اسهم في اعادة تعريف دور المعلم الذي لم يعد ناقلا للمعرفة، بل اصبح ميسرا وموجها للتعلم، ومصمما لبيئة التعلم الرقمية ومحللا لبيانات الطلبة ومرشدا لاستخدام ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين جودة التعلم. ونتيجة لذلك، اتسمت العملية التربوية المعاصرة بالتفاعل والتشاركية، والتعلم الذاتي، وتعدد الوسائط الرقمية الى جانب التقييم الفوري والمستمر.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من المخاطر والتحديات التي تفرضها استخدام التكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم، وابرزها تهميش الدور الحيوي للمعلم في حال الافراط في استخدام التقنية وتحويله من قائد تربوي لعملية التعلم الى مجرد مشرف تقني واتساع الفجوة الرقمية بين الطلاب، بالاضافة الى تهديد بعض المهارات الاساسية مثل الكتابة اليدوية والتفكير النقدي والبحث الاكاديمي المنهجي.
ومن هنا تبرز جدلية القوة: من يوجه من؟ وتعد هذه الجدلية واحدة من اكثر الجدليات اثارة في الفكر التربوي المعاصر، اذ لم يعد استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية جديدة الى المنظومة التربوية، بل هو تحولا فلسفيا اعاد طرح سوال جوهري: هل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي منافس للمعلم ام شريك له؟ في حال قاد الذكاء الاصطناعي عملية تعلم الطلبة تحول دور المعلم الى مجرد مراقب وتحول الطالب الى متلقي سلبي يتلقى اجابة جاهزة دون انخراط ذهني في البحث والتحليل. اما اذا قاد المعلم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، أن هذه التقنية تصبح وسيلة للتمكين وتمنح الطلبة تعلما اعمق واكثر تفاعلا من خلال تنمية مهارات التفكير النقدية، وتحليل دقة الاجابات ومصداقيتها.
ومن هنا تبرز الحاجة لايجاد توازن تربوي واخلاقي في اخضاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لفلسفة تربوية معاصرة يقودها المعلم لجعلها وسيلة فعالة وليست غاية في حد ذاتها. فهي تصبح منافسا عندمنا تستخدم بلا رؤية تربوية، وشريكا معرفيا عندما يحدد المعلم اهداف وغايات استخدامها في تعزيز التفكير النقدي والابداعي، ودعم التعلم القائم على الاستقصاء ومعالجة الفروق الفردية وتنمية المهارات الرقمية كالابداع والذكاء الجماعي وحل المشكلات وتقديم الحلول المناسبة.
وفي الختام، يتضح أن العلاقة بين التكنولوجيا الذكية والمعلم ليست صراعا، بل هي علاقة تكامل مشروط بين الاداة الذكية والعقل الانساني. فالتكنولوجيا لا تلغي دور المعلم، لكنها تنهي نموذج المعلم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين لان التعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو تربية شاملة ومتكاملة. وستفسح المجال امام معلم قادر على توظيف الادوات الذكية بوعي تربوي، يقود التعلم نحو الفهم العميق والتحليل والاستنتاج والابداع والتفكير النقدي والتعلم القائم على الاستقصاء.
***
علاء جواد كاظم






