قضايا
أمين اليافعي: يورغن هابرماس ونقد إيديولوجية التكنولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي
برحيل يورغن هابرماس، فقد الفكر الفلسفي في القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين أبرز أصواته في مدرسة النظرية النقدية. فهابرماس، الذي ينتسب إلى مدرسة فرانكفورت في امتداد هوركهايمر وأدورنو، لم يُضاهَه أحدٌ في جعل التوتر بين عقل التنوير ومنظومات الهيمنة الاجتماعية موضوعاً محورياً لمشروعه الفلسفي الشامل. وتُعدّ مقالته الطويلة الباكرة "التقنية والعلم بوصفهما إيديولوجيا" (1968) والتي كتبها في خضم حركة الطلاب رداً على "الإنسان ذو البُعد الواحد" لهربرت ماركوزه باكورة مشروعه، وهي تتمتع هنا واليوم براهنية مقلقة، في ضوء التطورات التكنولوجية الهائلة، وهيمنة الذكاء الاصطناعي. وفي هذه المقالة، يطرح هابرماس تحدياً جذرياً لأطروحة السيادة غير المشروطة للعقل التقني، ويسعى إلى إعادة صياغة مفهوم "العقلنة" (Rationalisierung) كما صاغه ماكس فيبر، وكشف الطابع الأيديولوجي الذي اكتسبه التقدم العلمي والتقني في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة.
ينطلق هابرماس من التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الاجتماعي: العمل بوصفه فعلاً غائياً عقلانياً (zweckrationales Handeln) واستراتيجياً يسترشد بقواعد تقنية ومعرفة تجريبية، ويستهدف السيطرة على الطبيعة والمجتمع وفق معايير فاعلية النجاح ومنطق الوسيلة والغاية. والفعل التواصلي (kommunikatives Handeln) الذي يتأسس على التوقعات المعيارية، والمتجذّر في التفاهم المتبادل بين الذوات المتحاورة. يُتيح له هذا التمييز أن يُدقّق في مفهوم فيبر للعقلنة: فالتقنية والعلم لا يُشكّلان قوى إنتاج محايدة فحسب، بل باتا يضطلعان بوظيفة الشرعنة الأيديولوجية للهيمنة في المجتمعات الرأسمالية المنظَّمة عوضاً عن الأيديولوجيات البرجوازية الكلاسيكية. كما أن توسُّع منظومات الفعل العقلاني الغائي (الذرائعي) لم تكن بطبيعتها تحررية، لأنه لا يُستتبع وعلى نحوٍ تلقائيٍّ عقلنة للإطار المؤسسي، أي تَحَرُّر الممارسة التواصلية. بل على العكس، يمكن فهم هذا التوسع باعتباره مساراً أيديولوجياً يُهمّش الأسئلة العملية، ويطمُس علاقات الهيمنة تحت غطاء الضرورة التقنية.
يبدأ هابرماس بمناقشة أطروحة ماكس فيبر حول "العقلنة"، حيث يرى فيبر أن العقلانية الغائية تمتد لتشمل كافة مجالات الحياة، لكن هابرماس يركز بشكل خاص على نقد هربرت ماركوزه، الذي جادل بأن التقنية في حد ذاتها أصبحت "مشروعاً سياسياً" وشكلاً من أشكال الهيمنة، الأمر الذي يتفق معه هابرماس كلياً، لكنه يرفض مقترح ماركوزه بالبحث عن "تكنولوجيا جديدة/بديلة" أو "علم جديد"، ويجادل بأن التكنولوجيا شكلٌ متجذر أنثروبولوجيّاً من أشكال التكيف الفعال بين الكائن البشري والطبيعة، والذي لا يمكن استبداله ببساطة بمجرد تفاعل "أخوي" مع الطبيعة.
يرى هابرماس أن التحول الأكبر في المجتمع الرأسمالي المتأخر هو أن العلم والتقنية أصبحا المصدر الأساسي لشرعية النظام السياسي في ظل تراجع الأيديولوجيات التقليدية. ففي المجتمعات التقليدية، كانت السلطة تُبرَّر عبر الأساطير أو الدين، وفي الرأسمالية الليبرالية كان السوق (التبادل العادل) هو المبرر، أما الآن، فإن تحسين مستوى المعيشة بفضل التقدم العلمي هو من بات يضمن ولاء الجماهير. يخشى هابرماس بأن هذه السيرورة العلمية-التقنية ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزع الصبغة السياسية (Depoliticization)، حيث سيتم تحويل القضايا السياسية (التي هي قضايا عملية تتعلق بـ "الحياة الخيرة") إلى قضايا تقنية وإدارية (بيروقراطية) بحتة. وبذلك، تظهر القرارات السياسية كأنها ناتجة عن "ضرورات تقنية"، ولم تعد هناك حاجة لمناقشتها، مما يجعل النقاش العام (الديمقراطي) يبدو غير ضروريا.
يصف هابرماس في مقالته "الوعي التكنوقراطي" بأنه أخطر من الأيديولوجيات القديمة لأنه يمحو التمييز بين الممارسة العملية والتقنية في أذهان الناس، كما لا يعكس رفضاً للسياق الأخلاقي، بل قمعاً لمفهوم "الأخلاق" كفئة تُعنَى بظروف الحياة عموماً، ويُجرِّد الوعي العام إطار التفاعل اليومي الذي تنشأ فيه الهيمنة والأيديولوجيا. هذا الوعي يجعل المجتمع بالضرورة أو بالحاجة ينظر إلى نفسه كنظام "ذاتي التنظيم" لا يحتاج سوى إلى الإدارة الفنية. وبهذا يُعامِل البشر أنفسهم ومجتمعهم وفق معايير الفعل الغائي العقلاني والسلوك التكيفي فقط، متجاهلين إمكانية الفعل التواصلي الحر. بينما يؤكد هابرماس أن التحرر الحقيقي لا يأتي من زيادة الكثافة أو الفاعلية التقنية، بل من "عقلنة التفاعل" البشري ذاته، وإزالة القيود/استراتيجيات الهيمنة عن التواصل الاجتماعي، وإقامة نقاش عام حر وعلني وخالٍ من التشوّه حول المعايير والغايات الاجتماعية.
يمنح عصر الذكاء الاصطناعي أطروحات هابرماس الجوهرية راهنيةً مقلقة، ويدفع تناقضاتها الداخلية إلى ذروتها. كانت عقلانية السيطرة التي حللها هابرماس في الرأسمالية المتأخرة تتوسل بالتقنية لإضفاء الشرعية على نفسها؛ أما في عصر الخوارزميات فإنها تتخذ شكلاً جديداً بالغ الكفاءة في التمويه. فحين كان التقدم العلمي-التقني في عام 1968 يحلّ محل التشكيل السياسي للإرادة العامة بوصفه أساساً للشرعية، يضطلع الذكاء الاصطناعي اليوم بهذه الوظيفة بقُدرة إخفاء أكبر بكثير: فقراراته لا تبدو سياسية، بل رياضية تلقائية، نتائج لعمليات تحسين لا تحتاج إلى أي مسوّغ معياري. وبذلك يكتمل ما وصفه هابرماس بأنه اللبّ الأيديولوجي للوعي التكنوقراطي: محو الفارق بين الممارسة العملية والتقنية. وفي الوقت ذاته تتحول طبيعة العمل ذاته تحولاً جوهرياً. كان هابرماس قد حدّد العمل باعتباره فعلاً عقلانياً ذرائعياً مهيكلاً بقواعد تقنية، تؤدي عقلنته إلى رفع الطاقة الإنتاجية دون أن يستلزم ذلك بالضرورة تحوّلاً في الإطار المؤسسي. غير أن الذكاء الاصطناعي ينخر هذا التحديد من الداخل: فهو لا يستولي على المهام الأداتية المتكررة فحسب، بل يتوغل في تلك المجالات التي كانت حكراً على الفعل التواصلي عند هابرماس: التشخيص، والإرشاد، والحجاج، والتأويل. فحين تُصدِر النماذج اللغوية الكبرى تقارير خبيرة، وتُحاكي المحادثات العلاجية، وتُمهّد للقرارات القانونية، لا تتلاشى الحدود بين العمل والتفاعل في الوعي فحسب، بل في الواقع المؤسسي ذاته. وتكتسب شرعية السيطرة بذلك نوعاً جديداً من انعدام القابلية للاعتراض أو الاختراق: فحيث يَحكُم القاضي يمكن مساءلة حكمه وتعليله؛ وحيث تُصنِّف الخوارزمية من يستحق الائتمان أو من يُعزّل طلب توظيفه تتوارى القرارات المعيارية وراء عقلانية تُقدِّم نفسها في موقف المحايد من القيم. كان هابرماس قد بيّن أن عقلانية العلم والتقنية تُنتِج في صورتها معرفةً قابلة للتوظيف التقني تُخفي مضمونها السياسي. والذكاء الاصطناعي يُجذّر هذا التشخيص: فهو لا يُنتج فحسب معرفةً تبدو محايدة سياسياً، بل يتخذ قرارات مُشفَّرة هيكلياً باعتبارها لاسياسية، في حين أنها متجذرة في علاقات الهيمنة تجذراً عميقاً. وبذلك، أصبحت المسألة التي طرحها هابرماس - وهي كيف يمكن ضمان التواصل الخالي من الهيمنة والتشوّه على الصعيد المؤسسي في مواجهة نزع الطابع السياسي التكنوقراطي - أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه أصعب في الإجابة عنها؛ لأن "الذات التواصلية"، التي بنى هابرماس آماله عليها، لا تتشكل اليوم بفعل الإكراهات الاقتصادية فحسب، بل بفعل البنية التحتية للخوارزميات وعملية تكوين الإدراك والحكم عليها.
***
أمين اليافعي




