قضايا

غالب المسعودي: الفضاء الرقمي بين حرية التعبير واضطرابات الشخصية

الانزياح من الحيز المادي إلى الوجود الشبكي

الانزياح الوجودي في عصر السيولة

يُمثّل التحول الجذري نحو الرقمنة في مطلع الألفية الثالثة انزياحاً وجودياً (أنطولوجياً) غائراً أعاد صياغة جوهر الشرط الإنساني؛ إذ انتقل الفرد من حيز مادي محكوم بحدود فيزيائية واجتماعية وقيمية جليّة، إلى فضاء شبكي يتسم بالسيولة والتدفق المستمر. إن هذا الانزياح لم يكن مجرد انتقال تقني لوسائل الاتصال، بل هو تحول بنيوي في ماهية الوجود الاجتماعي والنفسي، أفرز ما يمكن تسميته "وهم الحرية المطلقة". يتجلى هذا الوهم في الاعتقاد بأن الفضاء الرقمي يمنح تحرراً كاملاً من القيود الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي تضبط إيقاع الواقع المادي. هذا الاعتقاد خلق بيئة مثالية لظهور ممارسات منحرفة واضطرابات في الشخصية وجدت في المنصات الرقمية وسيطاً مثالياً للتعبير عن مكنوناتها دون رادع.

تتداخل في هذا السياق الأبعاد الفلسفية التي تدرس طبيعة الحرية الرقمية، مع الأبعاد الاجتماعية التي ترصد تفكك الروابط التقليدية في المجتمعات العربية، والأبعاد النفسية التي تحلل السمات "القاتمة" للشخصية وتأثيرها على السلوك الرقمي. إن الفضاء الرقمي في المنطقة العربية يواجه تحديات مضاعفة؛ فمن جهة، يمثل أداة للتمكين المعرفي وتعزيز الحقوق، ومن جهة أخرى، يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج الصراعات التاريخية، ونشر خطاب الكراهية، وبروز أنماط جديدة من الجرائم السلوكية التي تتغذى على مجهولية الهوية وضياع الرقابة الاجتماعية الواعية.

 وهم الحرية المطلقة والمفارقة الأخلاقية

تاريخياً، ارتبط مفهوم الحرية بالقدرة على الفعل ضمن إطار من العقل والإرادة الواعية، وليس مجرد الانفلات العشوائي من القيود. يرى أرسطو أن الحرية الحقيقية تنبع من العقل والقدرة على الاختيار بناءً على الفضيلة، لا اتباع الهوى المطلق. أما في الفضاء الشبكي، فيبرز "وهم الحرية" كنتيجة لغياب الحضور الجسدي المادي، مما يوهم المستخدم بأنه في حيز يتجاوز قوانين الطبيعة والاجتماع. ومع ذلك، يصطدم هذا التصور بحقيقة أن الكون والمجتمعات مبنية على قواعد تضبط إيقاعها، وأن التحلل من كل قيد يؤول بالضرورة إلى استبداد القوي بالضعيف، وهو ما حذر منه "كارل بوبر" في أطروحته حول "مفارقة الحرية"؛ حيث إن الحرية غير المحدودة تؤدي حتماً إلى نقيضها، أي زوال الحرية ذاتها تحت وطأة الفوضى.

يمثل الانزياح نحو الفضاء الرقمي نوعاً من "السيولة الوجودية" (بتعبير زيجمونت بومان)، حيث تتحول الذات من كيان فيزيائي صلب له تبعات ومسؤوليات، إلى "ذات رقمية" مشفرة في رموز وأيقونات. هذا الغياب للجسد يلغي "نظرة الآخر" التي كانت تمثل رادعاً أخلاقياً مركزياً في الفلسفة الوجودية عند "سارتر". ففي الفضاء المادي، يفرض الوجود المكاني للآخر التزاماً أخلاقياً متبادلاً، أما في الفضاء الشبكي، فإن مجهولية الهوية تكسر هذه الحواجز الرمزية، مما يسهل الانزياح نحو ممارسات عدوانية لم يكن الفرد يجرؤ على اجتراحها في حيز الواقع المادي الملموس.

 أزمة الشرط الإنساني في الوجود الشبكي

يتسم الوجود الرقمي بأنه وجود "منزوع الجسد"، وهو ما يضع الكيان الإنساني في مأزق معرفي غير مألوف. إن الفرد في المجتمع الرقمي يصبح "مركباً رقمياً غامضاً" يتم التعبير عنه من خلال الآثار الرقمية كالتفاعلات والمشاركات. هذه الرموز التجريدية تعيد تعريف مفهوم "الحضور"؛ فالفرد موجود رقمياً بقدر ما يترك من أثر لحظي، مما يدفع الأفراد إلى المبالغة الحادة في التعبير عن الذات للوصول إلى "اليقين الوجودي" عبر التفاعل الجماعي الكثيف.

من منظور "سبينوزا"، تكمن الحرية في الوعي بالأسباب والامتثال للقوانين الطبيعية، بينما يعتبر الانقياد الكامل للانفعالات "عبودية". وفي الفضاء الشبكي، يجد المستخدم نفسه منقاداً لانفعالات لحظية تغذيها المنطق البرمجي (الخوارزمي) للمنصات، مما يحول "وهم الحرية" إلى شكل من أشكال الاستلاب التقني، حيث يصبح الفرد مفعولاً به ومادة خاماً للمنظومة الرقمية بدلاً من أن يكون فاعلاً حراً يسعى للمعرفة.

 التحولات الاجتماعية في البيئة العربية

تواجه الهوية العربية في العصر الرقمي صراعاً محتدماً بين "الهوية الافتراضية" التي تتبنى قيم العولمة الاستهلاكية، وبين "الهوية الأصيلة" المشبعة بالتراث والتقاليد. أدى هذا الصراع إلى تآكل أركان النظام الاجتماعي التقليدي، حيث تراجع دور المؤسسات الضابطة كالأبوة والمدرسة لصالح الشبكات العالمية والقيم العابرة للحدود.

يبرز هنا مفهوم "الفرد الكبسولة"، وهو الفرد الذي يتقوقع في حالة من "العزلة الحقيقية" رغم تواصله الافتراضي الكثيف مع الملايين. هذا النمط الوجودي يقلل من جودة الوقت العائلي ويخلق فجوة تواصلية عميقة بين الأجيال. هذه العزلة المادية تعزز النزعة الفردانية الرقمية، حيث يبحث الفرد عن "انتماء وهمي" في مجموعات افتراضية قد تتبنى أفكاراً متطرفة أو ممارسات منحرفة لتعويض النقص في الروابط الاجتماعية الواقعية.

السمات الشخصية القاتمة والتفاعل الرقمي

يعد الفضاء الرقمي بيئة جاذبة للأفراد الذين يحملون "السمات القاتمة الأربع": النرجسية، والنفعية الذرائعية (الميكيافيلية)، والاعتلال النفسي (السيكوباتية)، والسادية. توفر هذه المنصات آليات لإشباع الاحتياجات النفسية المضطربة لهؤلاء الأفراد بطرق مدمرة للمحيط الاجتماعي:

النرجسية الرقمية:

 تتسم بالسعي المرضي للفت الانتباه وتضخم الأنا. يجد هؤلاء في المنصات وسيلة لتقديم "نسخة مثالية" متخيلة عن ذواتهم، عبر تعديل الصور ونشر النجاحات الوهمية للسيطرة على نظرة الآخرين.

النفعية الذرائعية:

 تتجلى في التلاعب بالآخرين واستخدامهم كأدوات لتحقيق مآرب نفعية. يستخدم هؤلاء الفضاء الرقمي لنشر الشائعات الممنهجة والخداع الإلكتروني للسيطرة على الوعي الجمعي.

الاعتلال النفسي الرقمي:

 يظهر من خلال غياب التعاطف والاندفاعية العمياء، والقيام بسلوكيات عدوانية كالتنمر الإلكتروني دون شعور بالذنب، مستغلين المجهولية للهروب من التبعات القانونية.

السادية الرقمية:

 وهي الاستمتاع الصريح بإلحاق الأذى النفسي بالآخرين، وترتبط بظاهرة "التصيد الرقمي" حيث يتعمد المستخدم استفزاز الآخرين وجرهم لنزاعات حادة للاستمتاع بضيقهم واضطرابهم.

تشير الدراسات في البيئة العربية إلى بزوغ ما يسمى "التكيف النرجسي الرقمي"، حيث تعيد المنصات صياغة السمات الشخصية بناءً على آليات المكافأة البرمجية (الإعجابات)، مما قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في تقدير الذات في حال غياب التفاعل المنشود.

أثر انخفاض الكبح النفسي عبر الإنترنت

يعد مفهوم "انخفاض الكبح" حجر الزاوية في تفسير الممارسات المنحرفة رقمياً؛ إذ يؤدي غياب التواصل المباشر إلى خفض القيود الاجتماعية. في المجتمعات العربية التي تلعب فيها قيمة "الحياء الاجتماعي" دوراً ضابطاً، يسمح الإنترنت بتجاوز هذه الضوابط، مما يولد نوعين من الانفلات:

الانفلات الحميد:

 الذي يسمح بالبوح الوجداني وطلب الدعم في القضايا الحساسة.

الانفلات السام:

 الذي يؤدي لانطلاق الدوافع العدوانية، واستخدام الألفاظ النابية، وممارسة خطاب الكراهية الذي يهدد السلم المجتمعي.

 التوتر بين الحرية والضبط القانوني

تواجه دول المنطقة معضلة قانونية في الموازنة بين حماية حرية التعبير كحق دستوري أصيل، وبين ضرورة صون المصلحة العامة. ويلاحظ وجود اتجاه نحو "التجريم المفرط" عبر صياغات قانونية فضفاضة مثل "تهديد المبادئ الأسرية" أو "نشر أخبار كاذبة"، مما يمنح السلطات صلاحيات قد تقوض المحتوى التعبيري المشروع. كما أن توسع المراقبة الرقمية يخلق بيئة من "الرقابة الذاتية" القهرية التي تقتل روح الإبداع والنقد البناء.

استنتاجات

إن دراسة الفضاء الرقمي تكشف عن انزياح عميق في القيم والسلوكيات، حيث تحول "وهم الحرية" إلى وسيط لاضطرابات الشخصية. لقد أثبت التحليل أن هذه الاضطرابات لا تظهر بشكل عشوائي، بل تجد في بنية المنصات (المجهولية، والسرعة) محفزات تعيد تشكيل السلوك البشري نحو الأسوأ في حال غياب الضمير الأخلاقي والوعي القانوني. يظل الفضاء الرقمي مرآة عاكسة لصراعات الذات والمجتمع؛ مما يتطلب تضافر جهود الفلاسفة وعلماء النفس والقانون لبناء بيئة رقمية تحترم الحرية وتصون الكرامة الإنسانية في آن واحد.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع تعزيزية

بومان، زيجمونت. (2005). الحداثة السائلة. ترجمة: حجاج أبو جبر، القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. (مرجع محوري حول سيولة الروابط الاجتماعية في العصر الرقمي).

هيدغر، مارتن. (1954). السؤال عن التقنية. (دراسة فلسفية حول كيفية سيطرة التقنية على كينونة الإنسان وتحويله إلى مورد).

فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة. (لتحليل آليات الرقابة الرقمية الحديثة وكيفية تحول الفضاء الشبكي إلى سجن بانوبتيكي معاصر).

أبو زيد، أحمد. (2010). الهوية والتحولات الثقافية في العالم العربي. (لفهم صراع الهوية بين الأصالة والافتراض الرقمي).

سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم. (لتعزيز مفهوم "نظرة الآخر" وتأثير غياب الجسد على المسؤولية الأخلاقية).

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2024). المؤشر العربي: اتجاهات الرأي العام نحو التحول الرقمي والحريات.

 

في المثقف اليوم