قضايا
سعد إبراهيم: الفراغ العاطفي.. الخطر الصامت داخل البيوت
ليس كل بيتٍ مليءٍ بالناس بيتًا مليئًا بالأمان… فالعائلة الحقيقية هي التي تمنح أبناءها معنى الحياة قبل أي شيءٍ آخر.
ما دفعني إلى هذا الحديث المؤلم حادثةٌ وقعت قبل أيام، حين أقدم شاب من عائلة محترمة وميسورة الحال على إنهاء حياته. ترك هذا الشاب رسالةً لوالديه يبرّر فيها فعلته بشعوره العميق بعدم جدوى الحياة، وعبّر فيها عن مشاعر قاسية تجاه أقرب الناس إليه: أمه وأبيه، واضعًا عليهما اللوم فيما آل إليه وضعه.
إن فقدان شاب في مقتبل العمر، لا لفقرٍ أنهكه، بل لعدم شعوره بالأمان، ولفراغٍ عاطفيٍ أوجعه، يدعونا إلى وقفةٍ صادقة مع مفهوم العائلة في زمنٍ اختلّت فيه المعايير؛ زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية، وتغمره الألعاب الإلكترونية، إنه عصر التواصل الاجتماعي، وهو سيفٌ ذو حدّين، أُتيح فيه المجال لكل من هبّ ودبّ أن يُدلي بدلوه دون ثقافةٍ أو معرفة، مما قد يؤثر سلبًا على الأطفال والشباب.
في هذا الوقت، يواجه الشباب تحدياتٍ كبيرة، حيث صعوبة الحياة نتيجة انعدام فرص العمل، وتتكدّس الشهادات على حساب الكفاءة والمهارة، مما يدفع بعضهم إلى اليأس. كل ذلك يضع مسؤوليةً أكبر على عاتق العائلة، ويفرض علينا التأمل في برود العلاقات بين الآباء والأبناء وانعكاس ذلك عليهم، واستشعار مسؤولية المجتمع بأسره في بناء بيئةٍ تُعيد للإنسان إحساسه بقيمته، وتمنحه معنى لحياته، وتؤكد له أن المعاناة، مهما اشتدّت، لا تعني اليأس، ولا تبرّر القطيعة أو الكراهية.
العائلة هي الإطار الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان؛ فيها تُغرس القيم، وتتكوّن المنظومة الأخلاقية، ومنها يتعلّم الطفل لغته الأولى في الحب والخوف والاحترام والثقة بالنفس، ونظرة الأمل والتفاؤل بالحياة رغم صعوبتها. وهي الحاضنة الأولى للروح، والملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان كلما أثقلته أعباء الحياة. فالعائلة ليست مجرد رابطة بيولوجية، بل علاقة مسؤولية وأمان، والتزام أخلاقي متبادل يقوم على الرعاية والاحتواء والدعم.
ولا شك أن تعقيدات الحياة أفرزت تحدياتٍ كبيرة أمام العائلة، جعلت السعي وراء المال وتأمين متطلبات المعيشة في مقدمة أولويات الأهل. ورغم أن هذا السعي ينطلق أساسًا من حرصهم على أبنائهم وتوفير حياة كريمة لهم، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على حساب الطمأنينة والشعور بالأمان. فالعائلة، وإن كانت تُعرّف كوحدة اجتماعية تقوم على روابط الزواج والقرابة، إلا أن جوهرها الحقيقي يقوم على التراحم والتكافل والتكامل؛ فهي منظومة قيم قبل أن تكون مجرد تجمع أفراد.
ومن صفاتها الاحترام المتبادل؛ فلا تُكسر هيبة أحد أفرادها، ولا تُهان كرامته، ويشعر كل فرد فيها أنه ليس وحيدًا في أزماته. كما تقوم على القدوة الحسنة، حيث يُعدّ الأب والأم النموذج الأول، فيرى الأبناء القيم مطبّقة أمامهم لا مجرد كلمات تُقال. فلا إفراط في القسوة ولا تفريط في التربية، والعائلة المتماسكة لا تُقاس بثروتها المادية بقدر ما تُقاس بثرائها القيمي. حين ينشأ الطفل في بيت يسوده التعاطف، يتعلم أن العالم ليس ساحة صراع، بل مساحة تعاون ومحبة. وحين يرى والديه يتحاوران باحترام ويتجاوزان خلافاتهما بحكمة، يدرك أن القوة ليست في الصوت المرتفع، بل في الاتزان.
وفي مثل هذه الأجواء، أجواء التراحم والتفاهم والالتزام الأخلاقي، يكتسب الأبناء منظومتهم القيمية والأخلاقية، كالأمانة والصدق، من خلال تعامل والديهم وتصرفاتهم اليومية. ويكتسبون النزاهة لأنهم يشاهدون رفض الغش والخداع في تفاصيل حياة الوالدين. وبذلك يتربّون على الصدق، لأن الكذب لا مكان له داخل البيت، ويتشرّبون الإخلاص في العمل لأنهم يعيشون هذه القيم في بيئتهم، ويستمعون إلى أحاديث عن قيمة الجهد والضمير. كما تنمو بينهم عاطفة سوية تجاه إخوتهم، فيتشاركون ويتسامحون. فالأجواء الرحيمة تصنع أبناءً واثقين بأنفسهم، يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويوازنون بين العاطفة والعقل.
الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة عاطفيًا يكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وضغوطها، واتخاذ قرارات أخلاقية مستقلة، وأكثر قدرة على مقاومة الانحراف والضغوط السلبية، وعلى بناء علاقات صحية في العمل والمجتمع، وتحمل المسؤولية دون تهرّب، ومواجهة الفشل دون انهيار.
تزرع العائلة في أبنائها جذورًا عميقة، وكلما اشتدت رياح الحياة بقيت تلك الجذور ثابتة. وحين يكبر هؤلاء الأبناء، ينقلون ما تعلموه إلى عائلاتهم الجديدة، فتنتقل القيم من جيل إلى جيل كما تنتقل الملامح الوراثية. فالأمانة التي عاشوها تصبح سلوكًا طبيعيًا، والصدق الذي تربّوا عليه يتحول إلى منهج حياة، والتعاطف الذي شهدوه في طفولتهم يصبح لغة تعامل مع أزواجهم وأبنائهم, ومن هنا جاءت تلك العبارة الشائعة: “فلان ابن عائلة”، في إشارةٍ إلى عائلةٍ غرست فيه القيم والأخلاق، حتى أصبحت جزءًا من هويته وسلوكه.
تقوم العائلة أساسًا على ركنين عظيمين: الأم والأب. فالأم هي الحضن الأول ونبع الحنان والاحتواء؛ هي الدفء الذي يحتاجه الطفل، وهي المدرسة الأولى في العاطفة واللغة والقيم. أما الأب فهو السند، ومصدر الطمأنينة والاتزان والحماية، والنموذج الأول للالتزام والمسؤولية. وقد تفرض الحياة أحيانًا غياب أحد هذين الركنين، ولكن رغم الألم تبقى العائلة قادرة على التماسك إذا حمل الطرف الآخر الرسالة بإخلاص، وضاعف جهده في الرعاية والاحتواء. فكم من أم أصبحت أمًا وأبًا معًا فأنشأت جيلاً صالحًا، وكم من أب تحمّل المسؤولية كاملة فحفظ أبناءه من الضياع. فتماسك العائلة لا يرتبط بالرفاهية، بل بالمحبة والتضحية.
العائلة المتماسكة تورّث القيم قبل أن تورّث المال، وتبني إنسانًا يتمتع بكرم الأخلاق، قادرًا على أن يكون أمينًا ونزيهًا وصادقًا ومخلصًا ورحيمًا.
وفي الختام، لعل هذه الحادثة المؤلمة تذكّرنا جميعًا بأن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى طعام وكساء وتعليم، بل يحتاجون قبل ذلك إلى قلبٍ يسمعهم، وبيتٍ يحتضن ضعفهم، وكلمةٍ تطمئن خوفهم، وسقفٍ يوفر لهم الدفء والشعور بالانتماء. فلنقترب منهم أكثر، ولنفتح أبواب الحوار قبل أن تُغلق القلوب، ولنمنحهم الأمان قبل أن يبحثوا عنه بعيدًا عنا. فلنحفظ بيوتنا عامرة بالمحبة، فربما كانت كلمة صادقة أو حضن دافئ كفيلين بإنقاذ روحٍ كانت على حافة اليأس.
الأبناء لا يطلبون الكمال من آبائهم، بل يطلبون القرب والرحمة والإنصات. فإذا وجدوا ذلك في بيوتهم، كبروا مطمئنين إلى أن العالم — مهما اشتد — ليس مكانًا موحشًا، وأن لحياتهم معنى.
***
د. سعد عبد المجيد ابراهيم






