قضايا
سامي عبد العال: الايديولوجيا والموت
لماذا تشتعل الحروب بين بعض الدول؟ هل من بدائل تجنبنا الصراع؟ بأي معنى تحتمت– مثلاً – المواجهةُ الحربية بين أمريكا / اسرائيل وإيران؟! إحدى الاجابات الممكنة وليست الوحيدة: أنَّ " الايديولوجيات السياسية " المغلقة هي ما تصل بالدول إلى الصراعات الدموية، وأنَّها لا تتراجع قبل أنْ تترك نفسها للانتحار. وأنَّ ما نشاهده من حربٍ هو مجرد مظاهر لقيامة فاجعةٍ. لأنَّ ما يحكم الصراع (كما في حالتي أمريكا اسرائيل/ايران) ايديولوجيتان أخرويتان eschatological ideologies لا مجرد نظامين سياسيين وكفى. أي ترسمان مسارات أخر الزمان وما فيها من أحداث وعبر ونبوءات. وذلك ضمن سرديات متصارعةٍ على المستوى الرمزي كخطابٍ استراتيجي لا يقل خطورةً عن القوى الحربية.
هناك " الايديولوجيا الصهيونية " في سياق اسرائيل و" الايديولوجيا اللاهوتية " في السياق الايراني. وهما ايديولوجيتان لديهما صور عن نهاية العالم والموت والغيب السياسي بشكل من الأشكال. ليس مصادفة كلام نتنياهو بمنطق الاخرويات السياسية إزاء الحرب على ايران وهو ليس رجل دين: "سنصل في نهاية المطاف الى الملكوت، وسنصل الى عودة المسيح". بينما ترى الايديولوجيا اللاهوتية لإيران: أنَّ نهاية اسرائيل الكارثية أمر محتوم دينياً وتاريخياً من جنس نهاية الشر في العالم. وأنّ نهاية كهذه ستكون إمارةً فارقةً على استحكام الصراع لصالح المسلمين وانتصار الطائفة المؤمنة كما يقال.
ويمكن مقارنة الايديولوجيتين في الواقع بصرف النظر عن مبررات هذا الطرف أو ذاك تجاه الحرب الدائرة. وكذلك يمكن تحليل أساليب التفكير بخلاف مواقف المؤيدين للجانب الايراني وأسباب المؤيدين للجانب الأمريكي. فلكل طرف أنْ يدافع سياسياً عن مواقفه كيفما شاء، وأنْ يلقي الاتهامات يميناً ويساراً بحسب ما يريد. فالاوهام التي تحيط بالطرفين أوهام مجانية مثل الكوارث لا تباع ولا تشترى. الاوهام والكوارث أحداثٌ تقع بالضرورة على نحو مفاجئ من جنس ما يعتقد البشر. ولا علاقة لهذا الأمر بالدين، لكنه من صناعة ايديولوجيا تستغل رصيد القداسة، وتعيد انتاج الطاقات الدينية في إطار قابل للتوظيف السياسي.
كل أيديولوجيا لا تنتهي بسهولةٍ دون أنْ تجر معها أسئلةً حول القوة والواقع ونمط الحياة. في محاولة لأنْ تحشر داخل" أدمغة البشر " كلَّ ما تريد قوله وما تحدد من مواقف. هي تتحول إلى أشكالٍّ متباينةٍ من الانبعاث مرة أخرى خلال أية مرحلة تشعر فيها بالضعف. غرض الأسئلة استعادة السيطرة على الواقع مجدداً. لأنَّ الايديولوجيا مسكونةٌ بمخاوف فقدان هيمنتها على البشر. ولكنها عوضاً عن أنْ ترى تفاصيل الواقع بدقة، تزيد قبضتها احكاماً وهيمنةً. وهو ما يُعرف بفائض العنف كصفةٍ متفاوتةٍ في الأيديولوجيات المسيَّسة. لعلّ ذلك ما كانت تتحسب له أمريكا واسرائيل طوال الوقت إزاء إيران: لأنَّ النظام الايراني مُغلف داخل ايديولوجيا سياسيةٍ لها مبرراتها اللاهوتية غير القابلة للمراجعة.
ليس يوجد ما تخشاه "أمريكا –اسرائيل "أكثر من الأيديولوجيا الشاملة التي لا تعترف بهما، ايديولوجيا تراهما على وجه الحقيقة داخل" بروباجندا السياسات " المعلنة. واللافت أنَّ الايديولوجيات المغلقة تعرف مثيلاتها تماماً بدليل وقوفها بالعداء أمام بعضها البعض. كان روح الله الخميني يصف أمريكا بعبارة " الشيطان الأكبر" بينما يُطلق على اسرائيل "الغدة السرطانية" المرشوقة في خاصرة العالم الاسلامي. وأنهما سبب كوارث المسلمين ويجب محاربتهما في كل مكان من العالم. يقول عن أمريكا: "أمريكا لا تمتنع عن ارتكاب أيةَ جريمةٍ من أجل السيطرة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً".
ويقرر الخميني أيضاً كأنه يلفت نظر الأجيال إلى قادم الأيام: "جميع مصائبنا اليوم.. هي من أمريكا " وهو ما حصل اليوم وغداً بالنسبة إلى أيامه. ويحث العالم كله لا المسلمين فقط على التخلص من الكيان العولمي الشرير: "يجب على العالم القضاء على أمريكا، وإلّا فإن هذه المصائب ستظل تسحق العالم ما دامت أمريكا موجودةً". وسارت الأنظمة السياسية الايرانية على الطريق نفسه بكل ترسانة المفاهيم والمبادئ التي أرساها. وهو ما تشكل في ترسانة عسكرية كانت تحت الاستعداد لهذا الغرض.
في المقابل تصنف" أمريكا واسرائيل" إيران عدواً أول في المنطقة. ولم تمر مناسبة أو أخرى دون النصّ على كونها خارج حدود القانون الدولي وخارج سلطة منظمات السلام والتعاون العالمي. أي تحرك أمريكا ضدها الأدوات العولمية الناعمة التي تتحكم في آليات السياسة الدولية. وأنها (أي إيران) دولة لا تمتثل لفكرة التعايش في منطقة الشرط الأوسط. وصف دونالد ترامب إيران بأنها "امبراطورية الشر"، وذهبت رديفتها اسرائيل إلى اعتبارها دولة ترعى الارهاب وتحرك الأذرع التابعة للتحرش بها. وتدخلت أمريكا لتروج لفكرة أن ايران لديها أطماع سياسية في دول الخليج وليس هذا فقط، بل روجت إلى أنَّ اطماع ايران تمتد للسيطرة على المقدسات الاسلامية وأماكن الحج في بلاد الرسالة. كما أنَّ ايران– فيما يقال– لا تكف عن زيادة النفوذ الشيعي داخل المجتمعات الاسلامية السنية. ولذلك حرصت أمريكا من فترة لأخرى على اثارة النعرات المذهبية على خلفية التواجد الايراني لاحياء الحساسيات الدينية القديمة بين السنة والشيعة.
كثيراً ما تقف الايديولوجيات بأتباعها عند حافة الجنون. كأنَّها تقول: لن انسلخ عن ذاتي مهما كانت الأسباب، وأنَّ خط النهاية بالنسبة إلى الاتباع هو مركزية رؤيتها وحسب. حتى بات محتوماً أنْ تلتف الايديولوجيا حول ذاتها كلما شعرت بالتهديد. مثل ثعبان الاناكوندا الذي إنْ شعر بالأخطار يلتوي حول جسمه تمهيداً للانقضاض على الفرائس. سارت الايديولوجيات السياسية واللاهوتية بهذه الطريقة، معتبرهً أنَّ كل وجود مغاير لها مجرد فريسةٍ تنتظر المصير البائس. ميكانيزم الايديولوجيا لا تسمح بالانفتاح على الآخر، بل تُوصد كافة الأبواب أمام الآخرين بإحكام شديد. ولا ترى الواقع بعيون مغلقة فقط، ولكنها تراقب الأحداث من وراء أسوار محصنةٍ ضد الاختلاف.
ليس ثمة حل لمأزق الايديولوجيا إلاَّ بالتفاوض على الموت. التفاوض حول: بأية طريقة ستكون النهاية آمنة أو غير آمنة. عندما تشعر الايديولوجيا بكون الواقع يُسحب من قبضتها، تدفع إلى الصراعات الوجودية. أخطر الأمثلة على ذلك كما أشرت " الايديولوجيا الصهيونية " و"الايديولوجيا اللاهوتية" تحت شتى العناوين. عندئذ لن يفلح التفاوض بصدد هاتين الايديولوجيتين إلاَّ عند خطوط المواجهة. ليس ثمة ما بعد الايديولوجيا في هذه الحالة، لأنه لا يوجد بعد الايديولوجيا إلاَّ الموت. وهذا ما ظهر جليّا عند مواجهات اسرائيل وايران!!
ظلت الاثنتان تترقبان لحظة التصادم الوجودي طوال الوقت، لا الصهيونية تريد التراجع عن التقدم نحو مآربها، لأنَّ كل ما يعترض الطريق إنما هو عدو عليها محاربته. ولا الايديولوجيا اللاهوتية المسيّسة للنظام الايراني تقبل بمنطق التنازل، لأنها قائمة على العداء المدمر لاسرائيل، وأنَّ ذلك جزء لا يتجزأ من جهاز المعتقدات الدينية، وقد جلس ممثلو الايديولوجيتين مراراً إلى طاولة التفاوض في وجود وسطاء دوليين، ولكن دون جدوى. أكثر من "عقدٍ كامل" استُنفد في عمليات التفاوض والقاء التهم المتبادلة على الجانبين. وكلما بلغت العملية التفاوضية نقاطاً معينةً، سرعان ما تمتد إلى أجلٍّ غير مسمى!!
حتى قبل أنْ تبدأ، فشلت عمليات التفاوض بين امريكا / اسرائيل وايران... ولكن ما السبب فكرياً كما سأطرح؟!
تبدو كلمة التفاوض في هذا السياق من المستحيلات. لأنَّها بمثابة " الكود الخطأ " لصندوق أسود ولن يفتح إطلاقاً بين الجانبين الامريكي والايراني. أصبح التفاوض حواراً بين الطرشان، يتفاوض كل طرف بشكل غامض كمنْ يتحدث إلى كائن أسطوري من عالم آخر. لأنَّ الايديولوجيات لا تقبل كلمة تفاوض من حيث المبدأ. وإلّا لأعلنت كل ايديولوجيا إذابة كيانها بين كرٍ وفرٍ. لو نجح التفاوض لقتلت الصهيونية تاريخها، ولو قبلت الايديولوجيا اللاهوتية الايرانية وجود اسرائيل لدمرت أسسها. الايديولوجيات حولّت الحرب الامريكية الايرانية إلى صراع وجود لا وجهات النظر.
هناك بعض النقاط التالية التي تكشف طبيعة الايديولوجيتين:
أولاً: الاتجاه المضاد
تختلف الايديولوجيتان الأمريكية/الاسرائيلية والايرانية في التوجهات، ولكنهما متشابهتان في التكوين، ومسيّستان في آليات العمل المادي والرمزي. انطلاقاً من هذا، فإن الصهيونية والأيديولوجيا اللاهوتية تتزاحمان على مناطق النفوذ المشتركة. ولن تكون هناك أدنى مهادنةٍ بينهما. فلا تتوافق أية أيديولوجيا مع نظيرتها إطلاقاً. منذ أنْ تُولد الواحدة منهما إلاَّ وتوجد مكتملةً من تلقاء نفسها. ليس هذا وحسب، بل تتحرك الايديولوجيتان في إطار المعنى السابق تجاه كافة القضايا المصيرية.
الايديولوجيا الصهيونبية تؤمن منذ لحظتها الأولى بأنَّ أرض فلسطين أرض يهودية المنشأ والتكوين، وأنَّها أرض الميعاد وعلى جميع يهود العالم الذهاب إلى الحلم الموعود لبني اسرائيل. لم تتزحزح الصهيونية عن هكذا مضمون قيد أنملة. وقد اعتبرت اعتقادها " قومية عبرية " لا مجرد رأي. وبالتالي اعتبرت الأيديولوجيا الصهيونية العلاقة مع ايران علاقة "عداء مطلق"، نظر ت إلى طهران كعدو استراتيجي يسعى لتدميرها عبر برنامجه النووي وبواسطة وكلاء إقليميين "محور المقاومة". ولذلك تبنت إسرائيل في جميع المراحل سياسة "الضربات الاستباقية" واستهداف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية وصولاً إلى درجة الانفجار الحربي. لأن الايديولوجيات العنيفة لا تجلس إلى سماع همسات الأخرى، ولكنها تدمن الاستمتاع بصراخ وآلام أصحابها جيداً!!
عندما سُئل ترامب عن الموقف تجاه إيران، عزز التوجهات الصهيونية المختلطة بمآرب الكولونيالية: "إن إيران هي الراعي الأول للارهاب في العالم... وأنَّ هذا النظام الارهابي لايمكن أنْ يمتلك سلاحاً نووياً. أكرر، لن يمتلك سلاحاً نووياً ". وبلسان " الايديولوجيا اللاهوتية"، يقول المؤسس الأول للنظام الايراني روح الله الخميني: " أمريكا هي التي تدعم اسرائيل والموالين لها.. وهي التي تمنحها القدرة على تشريد العرب والمسلمين." يتكلم الخميني بصيغة القرار الأخير لا التحليل. لأنَّ رؤيته أصبحت متغلغلة في الثقافة السياسية السائدة. ويلفت نظر أنصاره: "إنكم ترون أنَّ دولة متهرئة كإسرائيل تقف أمام المسلمين... فلو إتحد المسلمون وألقى كل منهم دلواً من الماء على اسرائيل لجرفتها السيول". يعني أن العتاد الحربي سيكون في حالة تأهب وإنْ تعاقبت الأجيال لأن الهدف واحد.
ثانياً: انكار الآخر
لا تقبل الايديولوجيتان اعترافاً متبادلاً بينهما على صعيد الواقع. فكل أيديولوجيا تسير بمنطق: " إما كذا أو كذا". أي إما أن تكون هي الايديولوجيا المتمتعة بالوجود الأوحد أو لا شيء على الاطلاق. هكذا تشكل ايران " امبراطورية الشر المحض" من وجهة نظر الصهيونية. ولا يتم الاعتراف بها أصلاً كدولة ذات سيادة. لأنه ليس ممكناً شن الحرب على دولةٍ أيا كان الخلاف معها دون اسقاطها من الحسبان. الايديولوجيا تمثل حداً فاصلاً لا يعود معه الآخر ذا صفة. وبذلك يتجاوز الانكار الوجودي حدود المعقول.
يعبر روح الله الخميني عن المعنى المقابل: " اسأل الله العلي القدير أنْ يزيد من يقظة ووعي المسلمين ويدفع شر أعداء الاسلام من بلاد المسلمين". ليوضح أن الانكار من باب كون الآخر عدواً لا للشعب الايراني، بل للاسلام والمسلمين كافةً. والتعبير له دلالة أكبر مما يُتوقع. فكيف يقطع الخميني بحجم العداء المجرد تجاه كيان سياسي ما لم تكن ثمة ايديولوجيا تجعله مطلقاً؟! ولكن في حالة وجود الايديولوجيا، فالأخيرة ترى أبعد من حركة الواقع وتتشمم مصير الأفكار وتحولها إلى أسلحة فتاكة.
يعود روح الله الخميني ليؤكد الفكرة: " إنَّ الايدي المجرمة لمستكبري العالم وأعوانهم وخاصة اسرائيل لن يتم قطعها عن الدول الاسلامية ما لم تنهض الشعوب الاسلامية والمستضعفون في العالم ضدهم... وتطرد هذه الغدة السرطانية من القدس ولبنان". فهو يريد أن تنهض الشعوب الاسلامية لقطع يد الاحتلال الصهيوني من المنطقة العربية. وتوسيع نطاق الصراع يغدو أمراً ممكناً على الدوام. والفكرة كانت مبرراً لتأسيس أذرع مساندة لإيران داخل بعض الدول العربية.
ولكن الخميني يشعر أن الأزمة العالقة توجد في فلسطين ولبنان بحكم أنهما على خط المواجهة المباشرة، فكان خطابه أكثر عمومية تبعاً لحدود الأيديولوجيا لا الحدود الجيوسياسية. وإذا كان ذلك خلال أعوام قيادته للثورة الاسلامية في ايران، فماذا لو كان موجوداً الآن وحدث الاعتداء الحربي من قبل معسكر الايديولوجيا الصهيونية؟ بالتأكيد كان سيتخذ الاجراءات ذاتها وسيقول أكثر من هذا في الاتجاه نفسه.
ثالثاً: القصور الذاتي
القصور الذاتي للأيديولوجيتين هو ميل العقل السياسي (الامريكي-الاسرائيلي والايراني) للتمسك بالمعتقدات الغالبة، والآليات السياسية، والتوجهات الفكرية الحالية، ومقاومة تغييرها أو تبني أفكار جديدة. يشبه هذا المفهوم القصور الذاتي الفيزيائي، حيث يستمر النظام السياسي في نهجه الفكري نتيجة نقص التحفيز للتطور، ممارسة العادات السياسية المُدمرة، والخوف من التغيير، مما يؤدي إلى جمود عقلي عام يمنع التكيف مع المتغيرات والتحولات الطارئة في النظام العالمي.
عندما سُئل أحد المسئولين الايرانيين عن كونهم مستعدين للحرب، قال مباشرةً:" إن بلاده على أتم الاستعداد، ثم أردف: كنا نعد العدة لتلك اللحظة منذ أربعين عاماً". كان تأكيد روح الله الخميني واضحاً منذ البداية: " لقد أشرت أنَّ الحكومة الاسرائيلية الغاصبة تشكل خطراً كبيراً على الاسلام ودول المسلمين بسبب الأهداف التي تسعى إليها، وأخشى أنْ تضيع الفرصة للوقوف بوجهها إذا ما أمهلها المسلمون.. ولما كان الخطر موجهاً الى الإسلام، فإنّ على الدول الاسلامية خاصة والمسلمين عامة أنْ يقضوا على جرثومة الفساد هذه بأي نحوٍ كان، وأنْ لا يتورعوا عن تقديم العون في هذا السبيل... ويجوز إنفاق وجوه الزكاة أو سائر الصدقات في هذا الامر الحيوي المهم".
بالأسلوب ذاته، رسمت الصهيونية مساحة ضيقةً حول ايران على ألّا تبرحها. وظلت تراقب أنفاس ايران النووية وغيرها من مظاهر الحياة، قتلت كلَّ رموز المجتمع الايراني في العلوم والسياسة ونوابغ ريادة الأعمال. لم تترك أية فرصة للدولة الايرانية لبناء قدراتها الخاصة. السبب أن الايديولوجيا الصهيونية تحالفت مع الكولونويالية الامريكية في المنطقة للاستيلاء على ثروات الدول. وقد وجدت إيران خارج السيطرة ولا تنفذ أوامر البيت الأبيض. وهذه الفكرة هي أحد معالم المرحلة التي نحياها: تجريد المجتمعات من أسباب تميزها لتظل في حاجة دائمة إلى الكيان الصهيوني. وليبقى الأخير هو الوحيد المتميز في منطقة معدومة المعالم.
قبيل الأحداث الأخيرة، قال المبعوث الأمريكي إلى المنطقة توم باراك: إنه لا توجد في الشرق الأوسط دول، بل هناك "قبائل وقرى" فقط، أي قبائل وعشائر وعائلات تحرس مناطق حيوية معينة وأن الغرب هو من قسمها جغرافياً وأعطاها صفة الدول عن طريق اتفاقية سايكس بيكو. وقال نتنياهو : "إن اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الحرة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وسط محيط من رمال الديكتاتورية والاستبداد". وهي نظرة تفرزها الايديولوجيا الصهيونية لكل دول العالم العربي ولنكن أكثر تحديداً. فكيف ستكون إيران متميزة إلى حدٍ يجعلها تناطح دولة الكيان ومن يقف وراءها.
رابعاً: التوسع والاستحواذ
لا تكف الايديولوجيتان عن النظر طمعاً في مساحات الفراغ الايديولوجي لا فيما تهيمنان عليه. وهذه معضلة داخل الايديولوجيا، لكونها مبنية بالاساس على التهام غيرها سواء أكانوا عقولاً أم دولاً أم سياسات. إذ تفرض سطوتها طوال الوقت. اسرائيل لا تقف كدولة مستقلة هذا لو كان ينطبق عليها مصطلح الدولة بمعناه الحداثي. لكنها تحاول فرض وجودها بالسياسة مرةً وبالقوة الغاشمة مرات كثيرة وبالتدخل والمؤامرات مرات لا تنتهي. كل ذلك تحت مبررات التطبيع في أحايين كثيرة.
التطبيع هو التعبير السري عن النوايا الاستعمارية للايديولوجيا الصهيونية. التطبيع عملية ترويض لمجتمعات ترفض الكيان الغريب المسمى بإسرائيل. لأن التعايش معه ليس أمراً سهلاً إذا كانت مركزيته أيديولوجيا كولونيالية. كما أن التطبيع يجر معه عمليات أخرى من المراقبة وزرع العملاء واستغلال القوة لمآرب أخرى. وبخاصة المتعلقة باستلاب القدرات والبحث عن المصالح مع القوى الكبرى في العالم.
من جهةٍ أخرى يقول روح الله الخميني: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية. أنْ لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار (اسرائيل)، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك عن طريق التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". وهذا القول يذهب إلى سلطة الدين اعتماداً على مخزون الكراهية تجاه اسرائيل. وهو بالطبع مبني على الموروث الاسرائيلي الدموي في المنطقة العربية الاسلامية، لقد شردت الفلسطينيين وأبادت أجيالاً من الشباب في معظم دول الصراع.
خامساً: لعبة البدائل
تضع الايديولوجيتان السابقتان وجودهما كبديل للأخرى. وإن لم تكن احداها بديلاً، فهناك لعبة البدائل التالية. وهي طرح أذرع وقوى تأخذ مكان المركز وتؤدي الوظائف الخاصة بالأيديولوجيا الأم. الصهيونية صورة مصغرة من أيديولوجيا كولونيالية استخدمت في أوروبا تجاه المجتمعات المستعمرة وقدمتها أمريكا كنموذج براق للاستيلاء على ثروات الدول. وما تقوم به الألة الحربية لاسرائيل إنما هو تطبيق لنموذج معد سلفاً بغرض الاستيلاء على الأرض وترسيخ النموذج الكولونيالي العابر للقارات. كثيراً ما أشاد نتنياهو بقوة إسرائيل (وهو يعلم أنها ذيل أمريكا والغرب) في تشكيل شرق أوسط جديد.
في حمأة الحرب مع ايران وبعد اغتيال المرشد الأعلى، قال دونالد ترامب: "يجب أنْ تكون لي الكلمة والرأي في تعيين المرشد" المقبل. هل هذا أمر معقول أمام ايديولوجيا أخرى؟ بل هل الأمر وارد عقب اغتيال ترامب للمرشد؟ وكيف يكون منصب ديني سياسي بهذه الخطورة محلاً لرهان كولونيالي؟!
ولكن تحسباً للعبة البدائل يؤكد روح الله الخميني: " لا تعقدوا أحلاف الاخوة والمودة مع اسرائيل عدوة الاسلام والمسلمين والمشردة لأكثر من مليون مسلم بريء... لا تجرحوا مشاعر المسلمين.. لا تفتحوا الطريق أمام اسرائيل وأعوانها الخونة للدخول الى أسواق المسلمين. لا تعرضوا إقتصاد البلاد إلى الخطر من أجل اسرائيل وعملائها." لأنَّ الخميني يدرك أن البديل يستحضر مركزية الايديولوجيا وسيشكل قوى ينتمي ولاؤها إلى أمريكا -اسرائيل.
ويحدد روح الله الخميني آفاق البدائل للايديولوجيا اللاهوتية الايرانية: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية أن لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار هذه، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك بواسطة التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". فكان انشاء الأذرع الايرانية وفتح جبهات أخرى للقتال تدين بالولاء الايديولوجي السياسي لإيران. فهناك الحوثيون وحزب الله والمليشيات العقائدية في العراق وبعض الجماعات الاسلامية التي تتلقى التمويل والدعم لتكون شوكة في ظهر الايديولوجيا الصهيونية.
سادساً: المآرب واحدة
تستهدف الايديولوجيتان الهيمنة على مجال سياسي واحد. الصهيونية تريد الهيمنة على العالم العربي والاسلامي وقد نزعت عنه هويته التاريخية ليصبح عنوانه الجديد "الشرق الأوسط". بحيث تتحرك الايديولوجيا الصهيونية كما تريد، ولتصبح كافة الأقنعة الثقافية قادرة على استيعابها دون مبررات الهوية والدين والعرق. لأنَّ الشرق الأوسط هو لعبه المجال الموحد تحت قبعة العولمة والأمركة. إن فيزياء الايديولوجيا هي فيزياء دمج الأشياء والعناصر تحت هيمنتها على أن تستطرق كافة المعالم والتضاريس لصالح ما تريد.
أخطر ما ترفضه أمريكا واسرائيل أن يتم تسمية الأشياء بمسمياتها. فشرط" الاستيطان الايديولوجي" هو تغيير الأسماء لتغدو ذات دلالة تسمح باشهار المآرب. لأن الظفر في الحروب لايضمن تشغيل الايديولوجيا الصهيونية في المنطقة حتى تتكون هناك ثقافات متصهينة. وهذا ما قالته جولدا مائير: " سيتفاجأ العرب يوماً ما بأننا أوصلنا أبناء إسرائيل إلى سدة الحكم فى بلدانهم". وليس ضرورياً أنْ يكون هؤلاء اسرائيليين بالمعنى المعروف، ولكن هي لعبة الثقافة المتصهينة بعد أنْ تمحو معالم المعايير والهويات.
و كذلك هذه هي آلية الايديولوجيا اللاهوتية لخطط ايران في المنطقة. وليست الآلية دينية، ولكنها تتشكل مع السياسات وخريطة السيطرة لتقوية النفوذ وبناء امبراطورية عملاقة. يخاطب روح الله الخميني آذان المسلمين: "واجب على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة اسرائيل". ولكن بأي منطق؟ هل دول المنطقة العربية الاسلامية تمتلك التوجهات نفسها؟! وبخاصة أنَّ ميراث هذه الدول حرج مع الاستعمار ولو تحت عناوين لاهوتية من جلدتها الاقليمية. إنَّ أكثر المناطق صعوبةً هي خريطة العالم العربي، كمنبت تاريخي للاسلام كما أنها تمثل نقطة إلتقاء الحضارات.
يلجأ روح الله الخميني إلى لغةٍ أخرى: " يا مسلمي العالم ومستضعفي المعمورة انهضوا وقرروا مصائركم بأنفسكم، الى متى تقوم واشنطن... بتقرير مصيركم؟ الى متى تدنس قدسكم بأقدام حثالات أمريكا واسرائيل الغاصبة؟ الى متى تتفرجون على ارض فلسطين المقدسة ولبنان والمسلمين المظلومين في تلك الديار وهم يرزحون تحت سيطرة المجرمين؟ ". هكذا تبقى القوة الخاملة من اتباع الاسلام هي حلبة الصراع. إذ يواصل قوله: " من واجب العلماء والخطباء أنْ يذكروا الناس في المساجد والاوساط الدينية بجرائم اسرائيل"
في الأخير.. لعلَّ ما تمارسه الايديولوجيتان (الصهيونية والايديولوجيا اللاهوتية) شيء واحد بأسلوبين مختلفين. وبلغة المنطق، فإنهما " لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً ". ومن ثمَّ كانت الحرب هو الحل الأخير الذي يحقق "القيامة السياسية". لأنَّ التفاوض هو الزناد القاتل لعدم الاعتراف المتبادل وهو اللامعقول بالأساس. وحتى لو جلس الطرفان على مائدة الحوار، فبفضل نتائج الانهاك الحربي، ولكنه لا يشكل قناعات حرةً.
و بالطبع كل ذلك دون أدنى اهتمامٍ بحرية المجتمعات العربية الاسلامية ومن غير تطوير لأبنيتها الأساسية ولا دفع تقدمها الحضاري. فالأيديولوجيتان يعنيهما المصالح الخاصة بالمقام الأول، وأن يكون العالم العربي رصيداً من حطبٍ إنْ لم يُجدِ سياسياً واقتصادياً، فهو وقود مناسب لاشعال الحروب.
***
د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة






