قضايا
غالب المسعودي: مسرحية القوة والاستبداد
مشهدية العنف العاري وفحش السلطة
من السيادة القانونية إلى العرض المستمر; يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً ومقلقاً في طبيعة ممارسة السلطة وتجليات القوة الدولية. لقد غادر جوهر القوة مربعه التقليدي القائم على منطق "السيادة"؛ ذلك المنطق الذي كان يستند إلى وضوح القانون، وهيبة المؤسسات، والقرار السياسي المرتبط بنتائج مادية ملموسة على أرض الواقع. اليوم، نحن نعيش في عصر "المشهدية الطاغية"، حيث تُعاد صياغة الواقع السياسي والاجتماعي كعرض مسرحي أو سينمائي مستمر لا ينقطع، مما أدى إلى تآكل الفوارق الجوهرية بين الحقيقة الصلبة وتمثيلها الصوري.
إن التوصيف الفلسفي لما يدور في الساحة العالمية اليوم باعتباره "عرضاً عارياً وفجاً" ليس مجرد مجاز لغوي أو استعارة بلاغية لتجميل النص، بل هو تشخيص دقيق لحالة "الواقع المفرط" الذي استلب إرادة المجتمعات. في هذا الفضاء، يُصبح العنف المكشوف والمصور وسيلة استراتيجية لإخفاء آليات القوة البنيوية العميقة التي تتحكم في مصائر الشعوب. هنا، يُدفع بـ "الممثلين السياسيين" إلى الواجهة وهم يحملون أسلحة حقيقية ويديرون صراعات دامية، لا لغرض الحسم العسكري الذي ينهي النزاع فحسب، بل لتأكيد "صدقية" السيناريو المشهدي أمام جمهور عالمي يقبع خلف الشاشات، معزولاً تماماً عن مراكز القرار الحقيقية، ومكتفياً بدور المتفرج المستلب.
الميتافيزيقا السياسية للمشهد واستعمار الحيز العام
تنبثق الجذور المعرفية لهذه الحالة من النقد العميق الذي وجهه الفلاسفة لمجتمع الاستعراض. فالنظام العالمي في مراحله المتقدمة لم يعد يكتفي بإنتاج السلع المادية واستهلاكها، بل انتقل إلى مرحلة "إنتاج الصور" التي أصبحت هي الوسيط الوحيد للعلاقات الاجتماعية والبشرية. في هذا النظام، لم يعد الواقع يُعاش بشكل مباشر أو عفوي، بل يتم استبداله بتمثيلات صورية مبرمجة تُقدم للجمهور بوصفها النسخة الأفضل والأكثر لمعاناً من الحقيقة.
إن "المشهد" بهذا المعنى هو المرحلة التاريخية التي تنجح فيها الصورة في استعمار الحياة الاجتماعية بالكامل. هذا الاستعمار يؤدي إلى نشوء "عالم مسطح" محاصر بالوسائط البصرية، حيث يُنفي وعي الإنسان خلف جدران التمثيل الصوري. المواطن في هذا العالم لم يعد فاعلاً سياسياً يمتلك القدرة على التغيير، بل تحول إلى مستهلك للمادة السياسية المعروضة، تماماً كما يستهلك السلع التجارية. إنها عملية "تسطيح" للوعي البشري تجعل من المستحيل النفاذ إلى ما وراء الصورة لفهم المحركات الحقيقية للقوة.
تحولات القوة: من هيبة القانون إلى تصميم الحركات الجمالية
تاريخياً، كانت السلطة تُمارس عبر آليات واضحة للعيان؛ فالقوانين والمراسم الرسمية والقوة البدنية المباشرة كانت تستخدم لفرض النظام وحماية حدود الدولة. أما في العصر الراهن، فإن السلطة تحكم من خلال الإيماءات، والرموز، واللعب اللامتناهي بالتمثيلات الرقمية. لقد تحولت الحوكمة من تدبير شؤون الناس إلى ما يمكن وصفه بـ "التصميم الحركي" الجمالي الذي يهدف في المقام الأول إلى أسر الانتباه العام والسيطرة على مساحات الوعي الجمعي.
في هذا السياق، نجد أن وضع القائد العسكري أو السياسي في الصورة، وطريقة هندسة المؤتمرات الصحفية، واختيار زوايا التصوير، وترتيب السجاجيد والشعارات، أصبحت تفوق في أهميتها النتائج الفعلية للسياسات المنفذة على الأرض. إن هذا الانتقال نحو "الواقعية الأدائية" يمثل تخلياً صريحاً عن التماسك النظري للواقعية السياسية الكلاسيكية التي كانت تؤكد على الحذر، والتحليل السياقي، والدبلوماسية الهادئة. لقد استُبدل ذلك كله بأفعال مرئية صاخبة وخطاب يبسط التعقيدات العالمية بشكل مخل بالمعنى. يُعامل التعقيد اليوم كعائق أمام تدفق المشهد، ويتم تطبيع استخدام القوة العسكرية الفتاكة ليس لجدواها الاستراتيجية، بل لأنها توفر لغة بصرية واضحة ومباشرة لجمهور فقد الثقة في المؤسسات والخبرات التقليدية ويبحث عن "اليقين" في قوة الانفجار وسطوة الصورة العارية.
العنف العاري وفحش السلطة الدولية
عندما نتحدث عن "العنف العاري" في سياق القوة العالمية، فإننا نشير إلى حالة من "الرؤية الكلية" التي تلغي كل خصوصية أو ستر لصالح العرض الفج. الفحش السياسي هنا لا يعني الأخلاقيات بالمعنى الضيق، بل يعني بالمعنى الفلسفي "الانكشاف المطلق" الذي يلغي كل مسافة تأملية، ويضع حداً للتمثيل من خلال جعل كل شيء شفافاً ومطروحاً على السطح بقسوة منفرة.
عندما تصبح السلطة "فاحشة" بهذا المعنى، فإنها لا تعود تهتم بـ "مسرح القسوة" الذي كان يهدف قديماً لكشف حقائق يرفض الجمهور رؤيتها. بدلاً من ذلك، نحن أمام "مشهد مكشوف للعدم"، حيث يتميز الفعل السياسي باللاجدوى والارتهان الكامل للواقع المفرط. إن السلطة لم تعد تخفي سوءاتها، بل أصبحت تستعرض قسوتها كدليل على تمكنها، مما يخلق حالة من الذهول والانبهار الذي يشل القدرة على النقد الأخلاقي أو السياسي.
العنف البنيوي والنزعة التلصصية في الإعلام الحديث
يُعد "عرض العنف الفج" تجلياً مرعباً لهذه الأوبسينية السياسية. فمن خلال التركيز المفرط على الجوانب الفيزيائية والرسومية للأذى (مثل صور الأشلاء، لقطات التعذيب المسربة، وبث عمليات القصف الحي)، يتم إخفاء الظروف البنيوية الأوسع للظلم والمعاناة النظامية. هذا التصوير التلصصي للمعاناة يحول فعل "الشهادة على المأساة" إلى تمرين بارد ومحايد يفرغ الاستجابة الأخلاقية من معناها الإنساني.
من خلال التركيز الحصري على الفعل الجسدي العنيف، ينجح المشهد في جعل "العنف اليومي الصامت" غير مرئي؛ فالفقر الممنهج، والجوع الناتج عن السياسات الاقتصادية، والإقصاء الاجتماعي، كلها أنواع من العنف البنيوي التي تقتل بصمت بعيداً عن صخب الكاميرات. هنا تتداخل المفاهيم مع "السلطة الحيوية"، حيث تُمارس الأنظمة المعاصرة قدرتها على التحكم في الحياة والموت عبر آليات تقنية وإدارية غير مرئية، ولكنها مميتة. تعمل مشهدية العنف كأداة تشتيت كبرى؛ فالوضوح الصارخ للفعل الحربي يمنع المشاهد من إدراك العمليات العميقة التي تنتج الهشاشة والموت ببطء في ثنايا النظام العالمي.
إنها "سياسة الموت" التي تنظم الفناء البشري حول نمط إدراك جنائزي، حيث يُختزل البشر إلى أرقام في إحصائيات أو صور عابرة في شريط الأخبار، مما يكشف عن مفارقة وجودية مريرة؛ حيث يُعامل الجسد البشري كشيء قابل للاستهلاك والممارسة الاجتماعية تماماً كأي مادة إعلانية.
الأسلحة الحقيقية في مسرح الواقع المصطنع
تؤكد مقولة "الممثلون يحملون أسلحة حقيقية" على الاندماج المرعب بين "المحاكاة" والعنف المادي الملموس. فالحروب الحديثة لم تعد نزاعات تقليدية تهدف إلى تحقيق مكاسب جغرافية فحسب، بل أصبحت أحداثاً "فائقة الواقعية". وبينما يكون التدمير المادي وفقدان الأرواح حقيقياً وموجعاً لأصحابه، فإن "الحرب" كحدث سياسي وتاريخي تُطمس معالمها تحت وطأة وجودها كبناء إعلامي مصمم سلفاً للتحكم في الرأي العام العالمي.
لقد امتدت هذه الحالة إلى الفضاء الرقمي والشبكي، حيث تُعامل "الأسلحة الفضائية والشبكية" كأدوات لعب أو تُخلط بالأسلحة التقليدية. هذه الأسلحة يمكنها أن تسبب دماراً فيزيائياً ووظيفياً هائلاً، لكنها تعمل ضمن مجال يفتقر إلى تعريفات دولية واضحة. في الصراعات الكبرى المعاصرة، يجد البشر أنفسهم يقاتلون في "حرب محاكاة مستمرة" تجري رحاها في خلاصات الأخبار وتطبيقات التواصل، مما يخلق حالة من الانفصال عن الواقع المادي للحرب وتداعياتها الإنسانية، لصالح الانغماس في الدراما الرقمية للصراع.
المسرح المغلق: ما بعد الديمقراطية وإقصاء الشعوب
يصف مجاز "المسرح المغلق" بيئة سياسية تظل فيها المؤسسات الديمقراطية (مثل مجالس النواب وصناديق الاقتراع) قائمة من حيث الشكل، ولكنها تفرغ تماماً من طاقتها الإبداعية وقدرتها الحقيقية على صنع القرار. هذه الحالة، التي يمكن تسميتها بمرحلة "ما بعد الديمقراطية"، تمثل الاندماج الكامل بين سلطة الشركات الكبرى والنخب المالية مع الأجهزة الحكومية.
في هذا النظام، تُنتج السياسة داخل دوائر نخبوية مغلقة تقوم على دورات مالية معقدة، بينما يُقدم للجمهور "واجهة استعراضية" من الانتخابات والمناظرات التي لا تغير من جوهر السياسات شيئاً. المواطن في هذا "المسرح المغلق" يلعب دوراً سلبياً بامتياز، حيث يكتفي بالاستجابة للإشارات والرسائل التي يبثها المتخصصون في فنون الإقناع والتوجيه الإعلامي. إن إقصاء الجمهور لا يتم عبر الصمت أو المنع القمعي كما في الاستبداد القديم، بل يتم عبر "التخمة المعلوماتية"؛ حيث يغرق المعنى في فيضان مستمر من الضجيج والبيانات التافهة، مما يخلق "رقابة جديدة" تجعل الحقيقة غير ذات صلة لأنها تبدو مطابقة تماماً للوهم المصطنع.
الديمقراطية المُدارة وحالة الاستثناء الدائمة
لقد تدهورت الأشكال السياسية الحديثة إلى ما يُعرف بـ "الديمقراطية المُدارة"، وهي شكل متطور من حكم القلة (الأوليغارشية) يستبدل "إرادة الشعب" بالإيمان المطلق بمديرين "كفؤين" يدعون فهم تعقيدات النظام العالمي. هؤلاء الأشخاص "الاستثنائيون" يُؤتمنون على إدارة ما يسمى بـ "حالات الاستثناء"، حيث يطغى منطق الضرورة الأمنية أو الاقتصادية على صنع القرار الديمقراطي.
يوفر الجمهور في هذه الحالة "وهم الموافقة" من خلال المشاركة في طقوس انتخابية مبرمجة، مصممة بعناية لإنتاج لحظات من الإثارة الدرامية العالية عبر وسائل الإعلام، بينما تُخفي وراءها التضاؤل المستمر لقوة الناخب وتأثيره. يخلق هذا النظام عالماً "ما بعد سياسي"، حيث لا يتم قمع البدائل للنظام القائم فحسب، بل يتم استبعاد فكرة وجود بديل أصلاً من المخيلة الجمعية. تتوقف السياسة كفعل بشري واعٍ لصنع المستقبل، وتتحول إلى آلية تقنية تحكم نفسها بنفسها بأقل قدر من التدخل البشري المباشر.
استبداد الصورة وفحش الحياة المُدارة
إن استبداد القوة في العصر الحديث مرتبط ارتباطاً عضوياً بـ "استبداد الصورة"؛ فالظهور الإعلامي هو الذي يحدد حدود ما يُعتبر حقيقياً أو موجوداً. كل فعل تتخذه الدولة أو المؤسسات الكبرى يتبع "منطق الرؤية"، حيث تُستخدم المنصات الرقمية للحفاظ على "وهم الحضور". السلطة اليوم تتصرف "كما لو أنها تحكم"، وهذا التظاهر كافٍ لاستمرارية النظام لأن المشهد يتطلب التدفق لا الجوهر.
في هذا العالم المكشوف والشفاف بقسوة، يصبح الفرد مجرد "شاشة" لامتصاص تأثيرات الشبكة العالمية. يتجاوز انتشار المعلومات والأشياء قدرة البشر على التصور أو السيطرة، مما يؤدي إلى حالة من الارتباك الشديد وتآكل القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. والنتيجة هي مجتمع تُعتبر فيه القسوة "قوة"، ويُعد الإقصاء الجماعي برنامجاً نظامياً مقبولاً. لقد تم تطبيع القيم الحربية والعدائية لا كجنون، بل كـ "منطق سليم" تفرضه ضرورة العيش في عالم متصارع.
رفض المشهد واستعادة كرامة الواقع
إن "مسرح القوة العالمي" هو الآلية التي تحول الحياة البشرية إلى مجرد مادة صورية، مما يجعل الأصالة والصدق فعلاً ثورياً بامتياز. هذا النظام لا يستند إلى كذبة يصدقها الناس، بل إلى اتفاق جماعي غير معلن لرفض الحقيقة لصالح المصطنع المريح. "الأسلحة الحقيقية" والعرض "الفج" هما الأداتان اللتان يحافظ بهما هذا المسرح على هيمنته، مما يضمن بقاء الجمهور منخرطاً كـ "أسير طوعي" للخشبة.
لكسر هذه الحلقة المفرغة، يتطلب الأمر رفضاً فلسفياً وسياسياً جذرياً. هذا الرفض لا يوجد بالضرورة في الاحتجاجات التي يمكن للمشهد امتصاصها بسهولة وتحويلها إلى "أداء" إضافي، بل يوجد في "عدم المشاركة" الواعية: الصمت، إيقاف اللعب، وترك المشهد دون جمهور. إن الطريقة الوحيدة لتحدي استبداد الواقع المفرط هي "استعادة" أدوات الممارسة الاجتماعية من يد العرض المسرحي وإعادتها للاستخدام الحر للبشرية. وحتى يحدث هذا التحول، سيبقى العالم مسرحاً مغلقاً حيث يلوح الممثلون بأسلحة حقيقية في مسرحية الرؤية الكلية والإقصاء الشامل، بانتظار لحظة يستعيد فيها الإنسان قدرته على الرؤية وراء الستار.
***
غالب المسعودي
................................
هوامش ومرجعيات
ديبور، غي. مجتمع الاستعراض. (تحليل كلاسيكي لتحول الحياة إلى صور في ظل الرأسمالية المتأخرة).
بودريار، جان. المحاكاة والاصطناع. (دراسة مفهوم الواقع المفرط وكيف تسبق الصورة الواقع الأصلي).
فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة. (حول تحولات السلطة وآليات السيطرة على الأجساد).
كراوتش، كولين. ما بعد الديمقراطية. (حول تآكل الدور الشعبي في الأنظمة الليبرالية المعاصرة).
أغامبين، جورجيو. حالة الاستثناء. (حول تعليق القانون لصالح السلطة السيادية في الأزمات).
مبيمبي، أشيل. سياسة الموت. (حول كيفية إدارة السيادة للحق في القتل والعيش في الصراعات الحديثة).
آرنت، حنة. في العنف. (دراسة التمايز بين القوة والعنف والسلطة في الحيز العام).
باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. (حول تآكل الروابط الاجتماعية والثبات في عصر الاستهلاك المستمر).







